مكان ذبح الهدي
يقول بعض الناس: إن الذبائح في منى تترك لتتعفن، فهل يجوز أن تذبح في مكان آخر فيه محتاجون؟
الإجابة لفضيلة الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الإفتاء بالأزهر الشريف سابقاً.
الأصل أن الهدي يجب أن يذبح في المكان الذي أهدي إليه، وذلك معروف في كل ملة، قال تعالى: (ولكل أمة جعلنا منسكًا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) [الحج: 34].
والمكان في الإسلام هو الحرم المكي بحدوده المعروفة، وقد نص عليه القرآن الكريم في عدة مواضع، قال -تعالى- بعد ذكر الأنعام التي رزقهم إياها (لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق) [الحج: 33] وقال في الإحصار (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله) [البقرة: 196] وقال في جزاء الصيد (هديًا بالغ الكعبة) [المائدة: 95]. والنبي -صلى الله عليه وسلم- ذبح هديه في الحرم وقال: "خذوا عني مناسككم" وتابعه السلف الصالح في ذلك، والمراد بالبيت العتيق والكعبة الحرم كله.
وقد اتفقت المذاهب الأربعة في أصح الأقوال الواردة فيها على أنه لا يجوز ذبح الهدي الواجب ابتداء في خارج الحرم، إلا في مثل حالة الإحصار، فالذبح يكون حيث أحصر الحاج. ومالك يجيز الذبح في غير الحرم عند ارتكاب محظور فيه فدية كإزالة الشعر (انظر فقه المذاهب الأربعة).
وهدي التمتع والقران بالذات هدي واجب على التعيين، لا يجوز العدول عنه ما دام الحصول عليه ميسورًا، وما دام ذبحه ممكنًا في الحرم، فلا يجوز ذبحه في غيره، ومن لم يستطع الحصول عليه صام بدله ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، فإذا وجدت القدرة على الذبح وجب الذبح في الحرم؛ لأنه ممكن؛ ذلك لأن المتمتع والقارن موجودان بالحرم عند وجوب الهدي عليهما فكيف يقال: إن الذبح فيه غير ممكن؟
وإذ قلنا: إن الذبح في الحرم ممكن ويجب أن يكون فيه، فعلى هذا يكون التوزيع أيضًا في الحرم على الفقراء المقيمين به والوافدين عليه في الموسم أو في غير الموسم، وهنا سؤال: هل الفقراء موجودون بالحرم، وهل يمكن التوزيع عليهم؟.
أما عن وجودهم فهم موجودون، ولئن فرضنا أن المقيمين بالحرم مستغنون عن الصدقة بعد تحسن أحوال المعيشة أخيرًا، فإنهم جميعًا ليسوا كذلك واقعًا، والوافدون المحتاجون كثيرون وقد يحرصون على تكرار الزيارة من أجل الحصول على اللحوم التي ينتفعون بها أثناء الموسم وبعده عن طريق حفظها، كما كان العرب قديمًا يُشرقُون اللحم ويقددونه في الشمس أيام العيد ويتزودون به طول العام. وأما عن التوزيع فهو ممكن وميسور أيضًا، حيث يمكن التعرف على الفقراء إما بتعرضهم للسؤال وإما بسؤال المطوفين وغيرهم عنهم، والذي يحدث أن أكثر المسلمين يقعون في عدة أخطاء باختيارهم، وكان من الممكن تفادي الوقوع فيها، الخطأ الأول أنهم يحرصون على أن يكون الذبح في يوم العيد أو أيام التشريق الثلاثة، والخطأ الثاني حرصهم على أن يكون الذبح في منى بالذات، والخطأ الثالث اكتفاؤهم في الذبح بإراقة الدم وعدم سلخ الهدي وتنظيفه، وعدم الاهتمام بتوزيعه.
ولإصلاح الخطأ الأول نقول: عن وقت الذبح لم يرد فيه دليل بخصوصه، فمتى وجب جاز الذبح في أي وقت، قبل يوم العيد أو بعده.
ولإصلاح الخطأ الثاني نقول: إن الحرم كله يجوز الذبح في أي مكان فيه، مكة أو منى أو غيرهما، وقد جاء في حديث أبي داود وابن ماجه عن جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "كل منى منحر وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر".
وبهذا يمكن ذبح هدي التمتع عقب الفراغ من أعمال العمرة مباشرة كما قال الشافعية، وذلك في مكة، وهذا يخفف العبء عن منى كما يلاحظ أن المتمتعين يفدون أفواجًا أفواجًا، يعني على فترات ، فلو أن كل فوج ذبح هدية في مكة لكان الذبح على فترات ، وهنا لا يتكدس اللحم ولا توجد مشكلة في توزيعه، ذلك لأن الفقراء موجودون يوم العيد وقبل يوم العيد، والمطوفون يعرفون من يستحقون من أهل الحرم.
وإذا انضم إلى الذبح على فترات جواز أكل الحجاج من ذبائحهم أسهم ذلك في عملية التوزيع، ولا يوجد فائق كثير يحدث الارتباك، والآية الشريفة تقول (فكلوا منها) وقد أطلق الأكل ليشمل هدي التمتع والقران، كما قال بعض الأئمة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أكل من الهدي وأطعم منه أهله، وكان قارنًا في حجة الوداع على أصح الأقوال والروايات.
والخطأ الثالث يمكن إصلاحه بالعلم بأن الهدي يقصد منه إلى جانب إراقة الدم إطعام أهل الحرم، وهو المقصود الأساسي من تشريع الحج أصلًا، فقد سأل إبراهيم -عليه السلام- ربه أن يرزق أهله الذين أسكنهم بوادٍ غير ذي زرع عند بيته المحرم - بأن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، فأمره ربه بأن يؤذن في الناس بالحج ليأتوا إليه من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم ويذبحوا الأنعام.
فلا بد من توزيع الهدي، ولا يكفي إلقاؤه حتى يتعفن، وقد نص الإمام الشافعي على أن من فعل ذلك وجبت عليه إعادة الذبح وتوزيعه، والصعوبة في التوزيع ناشئة منا نحن؛ لأن الكثيرين لا يسلخون الذبائح ولا ينظفونها فيعزف الفقراء عنها؛ لأن غيرها من المجهز ميسور، وذلك لأننا كدسنا الذبح كله في منى، فكثير المعروض وقل الطلب عليه، ويختار الأيسر منه والأحسن، ولو أننا ذبحنا في مكة لأمكن التنظيف وسهل التوزيع، فلا يجوز أن نقع باختيارنا في الخطأ ثم نقول: أبيحوا لنا الذبح والتوزيع في بلادنا بدل تلف اللحم، والكثيرون يحتاجون إليه.
ومهما يكن من شيء فلو فرض عدم إمكان التوزيع في الحرم جاز التوزيع على غير أهله ممن هم أقرب إليه وأشد حاجة إلى الطعام، كما نص عليه بعض الأئمة. جاء في كتاب المقنع لابن قدامة "ج1 ص443": كل هدي فهو بمكة أو منى إن قدر على إيصاله إلى فقراء الحرم، وجاء في كتاب التعليق عليه: فإن لم يقدر على إيصاله إليهم في الحرم فقد روي عن أحمد في الأظهر أنه يجوز الذبح خارجه. ا هـ.
لكننا قلنا: إن التوزيع في الحرم ممكن بمراعاة النظام المذكور، على أنه ينبغي أن يهتم كل من يهمهم الأمر بالمحافظة على الفائض من اللحوم، وذلك بالوسائل الحديثة، ليمكن توزيعه على مدار السنة لمستحقيه من أهل الحرم وغيرهم أن لم يوجدوا.
فمشكلة التوزيع نحن الذين أوجدناهم، ونحن الذين يمكننا أن نحلها بما تقدم ذكره، وعلى هذا لا يجوز الذبح في غير الحرم ولا حرمان أهله منه، وذلك في هدي التمتع والقران بالذات، وهو الغالب على الهدي، وما ورد في بعض المذاهب والآراء من الذبح والتوزيع في أي مكان غير الحرم فهو عند التعذر، وكذلك في فدية الأذى والهدي الذي لا يجب على التعيين بل التخيير، فقد قال بذلك مالك وغيره، وقلة نادرة عممت الجواز في كل هدي، وما دامت الآراء القوية يمكن تطبيقها فلا ينبغي العدول عنها إلى غيرها
|
|