أسرار الحج
بيان دقائق الآداب
إن من دقائق آداب الحج:
(أ) أن تكون النفقة حلالاً، وتكون اليد خالية من تجارة تشغل القلب وتفرق الهم حتى يكون الهم مجردًا لله -تعالى- والقلب مطمئنًا منصرفًا إلى ذكر الله -تعالى- وتعظيم شعائره.
(ب) التوسع في الزاد وطيب النفس بالبذل والإنفاق من غير تقتير ولا إسراف بل على اقتصاد، وأعني بالإسراف: التنعم بأطيب الأطعمة والترفه بشرب أنواعها على عادة المترفين، فأما كثرة البذل فلا سرف فيه، إذ لا خير في السرف ولا سرف في الخير، كما قيل، وبذل الزاد في طريق الحج نفقته في سبيل الله -عز وجل- والدرهم بسبعمائة درهم.
قال ابن عمر -رضي الله عنهما: من كرم الرجل طيب زاده في سفره. وكان يقول: أفضل الحاج أخلصهم نية، وأزكاهم نفقة، وأحسنهم يقينًا، وقال صلى الله عليه وسلم: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، فقيل له: يا رسول الله، ما بر الحج؟ فقال: طيب الكلام وإطعام الطعام". [أخرجه أحمد بإسناد لين ورواه الحاكم مختصرًا وقال: صحيح الإسناد].
(ج) ترك الرفث والفسوق والجدال كما نطق به القرآن، والرفث: اسم جامع لكل لغو وخنى، وفحش من الكلام، ويدخل فيه مغازلة النساء، ومداعبتهن، والتحدث بشأن الجماع ومقدماته، فإن ذلك يهيج داعية الجماع المحظور والداعي إلى المحظور محظور، والفسق: اسم جامع لكل خروج عن طاعة الله -عز وجل- والجدال: هو المبالغة في الخصومة والمماراة بما يورث الضغائن ويفرق في الحال الهمة ويناقض حسن الخلق، وقد قال سفيان: من رفث فسد حجه، وقد جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طيب الكلام مع إطعام الطعام من بر الحج، والمماراة تناقض طيب الكلام، فلا ينبغي أن يكون كثير الاعتراض على رفيقه وجمّاله وعلى غيره من أصحابه، بل يلين جانبه، ويخفض جناحه للسائرين إلى بيت الله -عز وجل- ويلزم حسن الخلق، وليس حسن الخلق كف الأذى بل احتمال الأذى وقيل: سمي السفر سفرًا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال؛ ولذلك قال عمر -رضي الله عنه- لمن زعم أنه يعرف رجلاً: هل صحبته في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، فقال: ما أراك تعرفه.
(د) أن يتقرب بإراقة دم وإن لم يكن واجبًا عليه، ويجتهد أن يكون من سمين النعم ونفيسه، وليأكل منه إن كان تطوعًا، ولا يأكل منه إن كان واجبًا [إلا بفتوى إمام]. قيل في تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله) [الحج: 32) إنه تحسينه وتسمينه، وسوق الهدي من الميقات أفضل إن كان لا يجهده ولا يكده، وليترك المكاس في شرائه، فقد كانوا يغالون في ثلاث ويكرهون المكاس فيهن: الهدي والأضحية والرقبة، فإن أفضل ذلك أغلاه ثمنًا وأنفسه عند أهله (وروى ابن عمر أن عمر -رضي الله عنهما- أهدي بختية فطلبت منه بثلثمائة دينار فسأل رسول الله -صلى الله عله وسلم- أن يبيعها ويشتري بثمنها بدنًا فنهاه عن ذلك وقال: بل أهدها) [أخرجه أبو داود وقال :"انحرها".] وذلك لأن القليل الجيد خير من الكثير الدون، وفي ثلثمائة دينار قيمة ثلاثين بدنة وفيها تكثير اللحم، ولكن ليس المقصود اللحم إنما المقصود تزكية النفس وتطهيرها عن صفة البخل وتزيينها بجمال التعظيم لله -عز وجل- في (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم) وذلك يحصل بمراعاة النفاسة في القيمة كثر العدد أو قل "وسئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما بر الحج؟ فقال: العج والثج" [أخرجه الترمذي واستغربه وابن ماجه والحاكم وصححه والبزار واللفظ له]، والعج: هو رفع الصوت بالتلبية، والثج: هو نحر البدن. وروت عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما عمل آدمي يوم النحر أحب إلى الله -عز وجل- من إهراقه دمًا، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها، وإن الدم يقع من الله -عز وجل- بمكان قبل أن يقع بالأرض فطيبوا بها نفسًا" [أخرجه الترمذي وحسنه وابن ماجه]. وفي الخبر: لكم بكل صوفة من جلدها حسنة، وكل قطرة من دمها حسنة، وإنها لتوضع في الميزان فأبشروا" [أخرجه ابن ماجه والحاكم وصححه البيهقي].
(هـ) أن يكون طيب النفس بما أنفقه من نفقة وهدي، وبما أصابه من خسران ومصيبة في مال أو بدن إن أصابه ذلك، فإن ذلك من دلائل قبول حجه، فإن المصيبة في طريق الحج تعدل النفقة في سبيل الله -عز وجل- الدرهم بسبعمائة درهم، بمثابة الشدائد في طريق الجهاد، فله بكل أذى احتمله وخسران أصابه ثواب، فلا يضيع منه شيء عند الله -عز وجل- ويقال: إن من علامة قبول الحج أيضًا ترك ما كان عليه من المعاصي، وأن يتبدل بإخوانه البطالين إخوانًا صالحين، وبمجالس اللهو والغفلة مجالس الذكر واليقظة


عـودة


من نحن | اقتراحات | اتصل بنا | سجل الزائرين | صفحة الحج | الصفحة الرئيسية