في المقال السابق، وقفنا أمام حقيقة صادمة: العالم يتحول نحو “الأصول المعرفية” (برمجيات، براءات اختراع)، بينما لا يزال عقلنا الوقفي محاصراً داخل “الجدران الإسمنتية”. وقلنا إن العائق الأكبر أمام هذا التحول ليس نقص المال، بل هو “حاجز فقهي” وهمي، بناه الخوف من التجديد والتمسك بحرفية النصوص القديمة دون الغوص في مقاصدها.

اليوم، سنفكك هذا الحاجز، وسنطرح السؤال الذي يتهرب منه الكثيرون: كيف يمكن لنظام الوقف، الذي اشترط فقهاؤنا القدامى فيه “التأبيد” (أن يبقى إلى الأبد) و”القبض” (أن تمسكه بيدك)، أن يستوعب “براءة اختراع” تنتهي صلاحيتها القانونية بعد 20 عاماً، أو “تطبيقاً إلكترونياً” لا جسد له؟

أولاً: هل “الفكرة” مال أصلاً؟

قبل أن نناقش الوقف، علينا أن نحسم معركة “المال”. قديماً، كان المال هو الذهب والفضة والأنعام. لكن، هل “حق المؤلف” أو “العلامة التجارية” مال؟ الإجابة جاءت حاسمة من المجامع الفقهية المعاصرة: نعم، هي مال. في عرفنا الاقتصادي اليوم، قيمة علامة تجارية مثل “Apple” تتجاوز ميزانيات دول. الفقه الإسلامي يدور مع العرف؛ وما دام الناس يتبادلون هذه الحقوق ويدفعون فيها الملايين، فهي “مال متقوم” شرعاً، ويجوز بيعها، وتأجيرها، وبالتالي.. وقفها.

العقدة الأولى: معضلة “التأبيد” (الوقف الذي يموت)

هنا نصل للمطب الأكبر. الجمهور الأعظم من الفقهاء (الشافعية والحنابلة) يشترطون في الوقف أن يكون “مؤبداً”. الوقف عندهم هو حبس الأصل وتسبيل المنفعة “على الدوام”. المشكلة أن “الأصول المعرفية” بطبيعتها مؤقتة. قانوناً، براءة الاختراع تحميك لمدة 20 عاماً فقط، ثم تصبح مشاعاً للجميع. حقوق المؤلف تسقط بعد 50 أو 70 سنة من وفاته. فهل نلغي فكرة الوقف المعرفي لأن البراءة “ستموت” بعد عقدين؟

قلم حبر سائل يكتب توقيعًا على ورقة رسمية، يظهر جزء من النص فوق التوقيع. تعتبر الصورة مثالية لتوثيق المستندات القانونية أو الاتفاقات.

الحل يأتينا من “المالكية”، المدرسة الفقهية التي تميزت بمرونة مدهشة في باب المصالح. المالكية (وبعض الحنفية) أجازوا بوضوح الوقف المؤقت. عندهم، ليس شرطاً أن يبقى الوقف إلى قيام الساعة. يجوز أن توقف شيئاً لمدة سنة، أو شهر، أو عشرين سنة.

هذا الرأي الفقهي هو “طوق النجاة” للاقتصاد المعرفي. بتفعيل هذا القول، يمكننا أن نوقف “براءة اختراع دواء” طوال فترة حمايتها القانونية (20 سنة). خلال هذه الفترة، يعود ريعها للفقراء أو لتمويل الأبحاث. وعندما تنتهي الحماية، يكون الوقف قد أدى رسالته وانتهى، أو تحول إلى “صدقة عامة” بمفهوم المشاع. إن التمسك بشرط التأبيد في زمن تتغير فيه التكنولوجيا كل ساعة هو نوع من تعطيل المصلحة. “فقه الموازنات” يخبرنا أن وقف دواء ينقذ الأرواح لمدة 15 سنة، خير ألف مرة من حرمان المجتمع منه بحجة أنه لن يدوم للأبد.

العقدة الثانية: كيف نقبض “الهواء”؟

الشرط التقليدي الآخر هو “القبض”. لكي يصح الوقف، يجب أن يخرج المال من حوزة الواقف إلى حوزة الوقف. في العقار، نسلم المفاتيح. في المنقول، نسلمه باليد. لكن، كيف نسلم “كوداً برمجياً”؟ كيف نقبض “حقاً فكرياً”؟

الحل يكمن في تطوير مفهومنا للقبض من “القبض الحسي” (باليد) إلى القبض الحكمي (بالقانون والتوثيق). اليوم، التسجيل الرسمي لبراءة الاختراع في وزارة التجارة باسم “الوقف” هو أقوى أنواع القبض. نقل ملكية “اسم النطاق” (Domain Name) في سجلات الإنترنت هو قبض تام . بل إن التقنية تمنحنا اليوم أدوات “قبض” أقوى من المفاتيح والأقفال. تقنية “البلوك تشين” (Blockchain) تسمح بتسجيل الملكية الفكرية في سجل رقمي غير قابل للتزوير أو التلاعب. هذا “التوثيق الرقمي” يحقق مقصود الشارع من القبض (وهو قطع تصرف الواقف في المال وتعيينه للوقف) بصورة أدق وأوثق من الطرق التقليدية.

الخلاصة: الفقه “محرك” وليس “مكبحاً”

إن ما يبدو لنا “عقبات شرعية” هو في الحقيقة مجرد “عادات فقهية” ورثناها في سياق زمني معين. الشريعة في جوهرها ومقاصدها أوسع وأرحب. حين ننتقل من فقه “الجدران” إلى فقه “الإنسان”، وحين نغلب “المقاصد” (نفع الناس) على “الوسائل” (شكل الوقف)، نكتشف أن الإسلام قد شرع لنا أبواباً واسعة للابتكار الخيري.

ختم "محمي ببراءة اختراع" باللون الأحمر على خلفية خرسانية رمادية، يعكس مفهوم الملكية الفكرية والابتكار.

لقد حللنا العقدة الفقهية. الفكرة “مال”، والوقف “المؤقت” جائز، والقبض “الحكمي” معتبر. الآن، وقد أصبح الطريق الشرعي ممهداً، كيف ننفذ ذلك على أرض الواقع؟ كيف ندير وقفاً عبارة عن “برنامج كمبيوتر”؟ وكيف نضمن ألا يسرقه أحد؟ وهل يمكن لـ “العقود الذكية” أن تكون هي “الناظر” الجديد؟

هذا ما سنرسم تفاصيله في المقال القادم: من ‘البلوك تشين‘ إلى ‘المشاع الإبداعي’: هندسة أوقاف المستقبل الرقمية.