|
نكد...!!
وبعد الإجازة الصيفية!! اسم يدعو
للدهشة والحيرة باعتبار أن الإجازة
هي فرصة الفرد في الترويح عن نفسه
واستعادة نشاطه في العمل عقب عودته
منها، فضلاً عن كونها من أفضل الفترات
التي ينعم فيها الذهن بالهدوء والبدن
بالراحة، والأعصاب بالسكينة، وفيها
ينفض المرء عن كاهله أعباء الحياة
التي تؤرقه ربما طيلة عام بأكمله.. ما
دام الأمر على هذا النحو فما هي حكاية
النكد الذي يصيب البعض عقب عودتهم من
الإجازات؟
الأطفال
والمصيف
قد
يعتقد البعض أننا نحن الكبار فقط من
نشعر بأهمية الإجازة، ولكن أطفالنا
أيضا يرنون للإجازة بنفس الاهتمام
والشغف؛ إذ يتمتعون خلالها بقدر من
الاستقلالية والحرية لا يشعرون بها
خلال الحياة الروتينية العادية
فنجدهم يتحركون في المصيف كيفما
شاءوا، يصادقون ويمرحون بدون رقابة
أبوية شديدة.
لذلك
نجدهم أكثر تأثرا بانتهاء الإجازة،
والأمثلة على ذلك كثيرة؛ فمنار -مثلا-
وتبلغ من العمر أربع سنوات اعتادت في
الإجازة أن تقول لوالديها: "أريد
الذهاب للبحر"، فتقوم الأم
بإلباسها رداء البحر ويذهبون جميعا
مصطحبين معهم أصدقاء منار وأدوات
اللعب على الشاطئ. لكن حين عادت
العائلة من المصيف بعد انتهاء
الإجازة لم تتقبل منار ذلك؛ إذ عادت
تطالب بالذهاب إلى الشاطئ. ولما
أخبرتها والدتها أنه لا يوجد بحر في
القاهرة، فهو موجود في الإسكندرية
فقط لم تتقبل منار ذلك وفاجأت الجميع
حين وجدوها برداء البحر ومعها لعبها
متجهة بإصرار نحو باب الشقة ذاهبة
للبحر!!
أما
محمود الذي اعتاد أن يرتب غرفته حين
يصحو من النوم - حيث ربته والدته هو
وإخوته على الاعتماد على النفس لا
الغير حتى ولو كان هذا الغير هي شخصيا
- فبعد العودة من الإجازة رفض ترتيب
غرفته، مطالبًا والدته أن تأتي
بالسيدة المسئولة عن النظافة في
الفندق الذي أقاموا فيه خلال الإجازة
كي ترتب هي الغرفة كما كانت تفعل هناك!!
هذان
مثلان لنكد ما بعد الإجازة بالنسبة
للأطفال، ولكنهما يضعاننا أمام سؤال:
كيف نعد الطفل للعودة مرة أخرى لحياته
العادية حتى لا تتبدد سعادته
بالإجازة فيما يليها من نكد وتذمر من
عودته لروتين الحياة اليومي؟
وعن
هذا تجيب الأستاذة مديحه حسين - محررة
صفحة معًا نربي أبناءنا -: "لا يمكن
أن يكون الذهاب للمصيف خطة في فراغ،
فلا بد أن يكون جزءا من تخطيط عام
للإجازة كلها لا ينفرد به الوالدان بل
يشترك فيه الأطفال أيضا، طبعا قد يضع
الوالدان هيكل الخطة مسبقا، لكنهما
يتركان المقترحات الإجرائية لها
مطروحة للمناقشة. وبهذا فهناك خطة
تشبه جدول الحصص موضوع فيها أنشطة ما
قبل الذهاب للمصيف وأنشطة ما بعد
العودة".
وتضيف
الأستاذة مديحة: "يفضل أن يكون نشاط
العودة من الصيف شيئا شيقا يتلهف
الأولاد عليه بحيث تكون عودتهم موضع
ترحيب، ويكون نشاطا يحتاج إلى إعداد
وعمل بحيث ينشغل الأولاد فور عودتهم
به في نشاط متواصل، وبعد إنجازه هناك
أنشطة على الجدول لكنها متدرجة نحو
الهدوء".
الكبار
والعودة للعمل
إذا
كان هذا حال الصغار فللكبار وضع
مختلف، فلا يقتصر الأمر بالنسبة لهم
على العودة إلى روتين الحياة اليومية
وإنما يتشعب إلى عدة أسباب منها
النفسي ومنها الاقتصادي. فيرجع علماء
النفس نكد ما بعد الإجازة إلى وجود
شعور نفسي بامتداد زمن الإجازة إلى ما
بعد انتهائها، وهو ما يجعل النفس
والفكر والروح في حالة إجازة، بينما
العقل والجسد والواقع في حالة عمل،
وهذا الاضطراب يؤدي إلى حالة من حالات
عدم الاستقرار والنكد الذي يشعر به
المرء حين يعود توًا من إجازته.
ويوضح
الخبراء أن هذه الفترة صعبة وقد تؤدي
إلى كراهية العمل لأن الموظف يمر
بفترة غير منتجة في الأيام الأولى بعد
العودة من الإجازة، وهو ما يؤثر عليه
ويزيد من أعبائه العملية والنفسية في
آن واحد.
أما
اقتصاديا فيبدأ الفرد في مراجعة
حساباته ليعرف كم أنفق خلال الإجازة،
ومدى تأثير ذلك على ميزانيته خلال
الأشهر التالية. هذه المراجعة
الاقتصادية قد تتسبب في حالة ندم على
ما أنفق خاصة لو اتضح أنه كثير، وتكون
المشكلة أكثر تعقيدا إذا ما فوجئ
المرء بأنه مدين لأحد أصدقائه مثلا
بسبب سفره للمصيف؛ فهنا تنقلب متعة
المصيف والإجازة إلى همٍّ لا يتم
التخلص منه إلا بدفع الدين، ويظل هذا
الأمر ذكرى لا ينساها المرء فتتبدد
فرحة الإجازة وراحتها.
كيف
تتخلص من هذا النكد؟؟
للوقاية
من هذه الحالة التي تصيب البعض عقب
عودتهم من الإجازة هناك مجموعة من
الإجراءات التي ننصح بأتباعها والتي
ستكون بإذن الله خير معين على تجنب
النكد والعودة إلى العمل بنفس راضية
وروح مشرقة.
وأول
هذه الإجراءات:
ألا
يترك الفرد أعمالا كثيرة معلقة قبل
الإجازة، وبخاصة إذا كانت هذه
الأعمال بها صعوبات وعراقيل فتصبح
الإجازة حينئذ نوعا من الهروب؛ الأمر
الذي من شأنه التأثير على درجة
استمتاع الفرد أثناء الإجازة
وبالتبعية بعد انقضائها، وبالتالي
ننصح بأن يأخذ الفرد إجازته بعد أن
ينهي كل الأعمال المطلوبة منه، وتكون
الإجازة تتويجا لرحلة مع العمل الذي
تم إنجازه بنجاح، في هذه الحالة بنسبة
كبيرة لن يعاني الفرد من الشعور
بالنكد بعد رجوعه إلى العمل عقب
الإجازة.
أما
الإجراء الثاني:
فهو
متعلق بالمرحلة التي تسبق إنهاء
الإجازة والتي ننصح فيها الفرد بأن
يجعل لنفسه فاصلا بين الإجازة
والعودة إلى العمل كفترة انتقالية،
فيعود من المصيف قبل انتهاء الإجازة
بيوم كامل أو أكثر؛ إذ إنه من غير
المستحب أن يكون موعد الوصول من السفر
والانتهاء من الإجازة هو الليلة التي
تسبق العودة للعمل مباشرة، وهو ما
يشعر معه الموظف بالضيق والنكد
باعتباره قد تعوّد نسبيا على فترة
الاستجمام وقلة الأعباء والمسئوليات.
هذا
بالنسبة للنكد النفسي، أما النكد
الاقتصادي فكل ما يتطلبه الأمر هو قدر
من التدبير والتروي، فيجب حساب
تكاليف الرحلة قبلها بمدة كافية،
وليكن ذلك شكلا من أشكال الاستعداد
لها، فذلك لن يضع الفرد في مفاجأة مع
ما أنفقه بعد انتهاء الإجازة، وهكذا
يحمي الذكريات الجميلة للمصيف من أن
تعبث بها الماديات.
**
صحفي مصري
|