|
شكلت
"المقاطعة" الظاهرة الأكثر
شعبية في سياق ردة الفعل تجاه ما يحدث
للأمة وخصوصاً في فلسطين، فكانت
قرارًا شعبيًا حراً يعبر عن وحدة
الشعور بالانتماء ووحدة القضية
والمصير، ووحدة المطالب؛ ما أدى إلى
البروز العلني لذلك الانفصام بين
النظام السياسي العربي والإسلامي
وبين الشعب؛ بين سياسة المصالح وبين
وهج المبادئ وجذوة الانتماء.. بين
تطلعات الفرد الحاكم وأهداف الأمة.
ولكن التفكير جدياً بكيفية استثمارها
وتطويرها لتكون أداة شاملة للإصلاح
على مستويات مختلفة وشاملة هو الأهم.
فضاءات
المقاطعة
يكاد
يسود - عند الحديث عن "المقاطعة" -
تصور أحادي لمفهومها، يتمثل في
الامتناع عن شراء المنتجات الأمريكية
والصهيونية؛ لإلحاق الضرر، أو إضعاف
الاقتصاد، أو الضغط على القرار
السياسي؛ ما جعل البعض يشكك في
جدواها؛ بسبب ارتهانه لهذا التصور
الأحادي. لكن البحث في المفهوم يكشف
عن فضاءات جديدة "للمقاطعة" سواء
داخل الحقل الاقتصادي أم في الحقول
الأخرى.
يتحدد
مفهوم "المقاطعة" ابتداء
باعتبارين:
الأول:
الأهداف التي نَتَغيَّاها من
المقاطعة
الثاني:
المستهدف من المقاطعة (المقاطَع).
ومن
ثم فإن المقاطعة يمكن أن تكون عملاً
سياسيًا أو اقتصاديًا أو ثقافيًا أو
دينيًا.
في
العمل الاقتصادي
يتم استخدام "المقاطعة" لحماية
المنتجات الوطنية بهدف تقوية
الاقتصاد، وهذا يتم حتى في حالات
السلم، وقد طبقته الصين واليابان.
وفي
العمل السياسي
– وهو الغالب على "المقاطعة" ضمن
حقل العقوبات الاقتصادية – تتم
المقاطعة لمنع التعامل تمامًا مع
دولة ما أو مؤسسات أو أفراد تابعين
لها؛ بهدف ردع الدولة المعتدية أو
الخارجة عما يسمى "بالشرعية
الدولية"، وتعتبر المقاطعة أشد
العقوبات الاقتصادية.
وفي
العمل الثقافي
تتم "المقاطعة" باعتبارها
إعلانًا للرفض والاندماج في نمط حياة
معين؛ بهدف الحفاظ على الخصوصية
والهوية.
وفي
العمل الديني
فالهدف يختلف قليلاً؛ إذ تكون
المقاطعة لونًا من ألوان الجهاد
لتحقيق معانٍ دينية بهدف تحصيل
الثواب وإعلان الانتماء للأمة
الإسلامية.
"المقاطعة"
إذًا باعتباراتها المختلفة (الاقتصادية
- السياسية - الثقافية - الدينية) هي
وسيلة من وسائل الدفاع عن النفس، أو
إعلان الرفض والضغط لتحقيق هدف ما.
وهي بهذه الاعتبارات إجراء زجري
تأديبي سلمي أو دفاعي لحماية الذات
والهوية أو امتثال لأوامر دينية؛ ما
يعني أنها "عملية أخلاقية بناءة"
(الجدير ذكره أن الولايات المتحدة
أطلقت هذا الوصف على الحصار المفروض
على العراق!).
"حتى
يغيروا ما بأنفسهم"
الواقع
أنه يغلب في الحديث عن المقاطعة ذلك
التصور بأنها عملية "إضرار" أو
"إضعاف" أو "إكراه/ ضغط سياسي"؛
ما يجعل الحديث عن مجالات جديدة
للمقاطعة أمرًا مستغربًا إن لم يكن
مستنكرًا. لكن الذي يعنينا في سياق
الحديث عن الإصلاح أن تستثمر تلك
الظواهر الشعبية لتوظيفها في مجالات
التغيير والإصلاح الواسعة.
في
المسألة النفسية فإن النفس، من منظور
إسلامي، هي القاعدة الأساسية لمشروع
التغيير (إِنَّ الله لا يُغَيِّرُ مَا
بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا
بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11)، والمقاطعة
تشكل بداية للتغيير من خلال إعادة
صياغة بعض بدهيات النفس، بحيث تُحدث
"المقاطعة" تحولاً سلوكيًا
صحيًّا بتجاوزها مرحلة الانفعال
والتعاطف، واستبدال ممارسات إيجابية
تحقق غايات وأهدافًا مشروعة
بالممارسات العنيفة الغاضبة. وهذا
التحول من شأنه أن يحفظ استمرارية
المقاطعة؛ لأنها تجاوزت مرحلة
التعبير الانفعالي عن الغضب - الذي هو
آني بطبيعته - إلى الفعل الإيجابي
الذي لا يكلف الانفعال المتوتر الذي
يصعب على الإنسان الاستمرار به.
"لا
تغضب"
ومن
هنا نركز على أن المقاطعة ليست بهدف
"الإضرار" بالآخر على أرضية موقف
عدواني أو انتقامي، وقد أكدت أحاديث
نبوية كثيرة على تجنب الغضب، وكان من
وصايا النبي صلى الله عليه وسلم: "لا
تغضب" (رواه البخاري وغيره)، كما
أوصى أبو بكر رضي الله عنه الجنود في
حالة الحرب بـ "ألاَّ يقطعوا شجرًا
ولا يفسدوا زرعًا ولا يقتلوا شيخًا…"؛
وذلك لأن الحرب لم تكن بهدف الانتقام
والتشفي.
من
جهة أخرى تشكل "المقاطعة" وسيلة
لاختراق الإحساس بالعجز الذي يجتاح
النفس ويدفعها بالاحتقان إلى مرحلة
الانفجار العنفي، وهي بهذا تشكل دعوة
إلى الرفض ونبذ العنف، وقد قال النبي (صلى
الله عليه وسلم): "ما كان الرفق في
شيءٍ إلا زانه، وما كان الفحش في شيء
إلا شانه" ( رواه أحمد وابن حبان).
وكذلك أمر النبي (صلى الله عليه وسلم)
باتقاء النار ولو بشق تمرة (رواه
البخاري ومسلم)، مع أنها لا تغني ولا
تسمن من جوع؛ ما يعني رفع قيمة العمل،
وأن احتسابه بموازين الله وليس
العباد، والمقاطعة كذلك.
وتحمل
المقاطعة أيضًا على إزاحة تلك
النوازع التي تحمل النفس على التعلق
بالظالم وتشيع ثقافة الظلم وعقد
المؤامرة.
مداخل جديدة للتطوير
ويمكن
أن تشكل المقاطعة مدخلاً لإصلاح
اقتصادي عن طريق خلق ظروف ملائمة
للابتكار والبحث عن بدائل جديدة،
وتحريك العقل المسلم للاعتماد على
الذات، كما أنها وسيلة لحمل الحكومات
والتجار على البحث عن بدائل وطنية
لتقوية الاقتصاد والتحرر من التبعية
الاقتصادية وامتلاك القرار، وربما
تهيئ المقاطعة الفرصة للتكامل
الاقتصادي الإسلامي في سياق البحث عن
بدائل، كما أنها تسهم في إلغاء
المنافسة غير المتكافئة مع البضائع
الأجنبية، وتحقيق هذه الأهداف سيزيد
من معدل التنمية الشاملة.
على
المستوى الثقافي يمكن أن تشكل المقاطعة
مدخلاً للحفاظ على الشخصية الإسلامية
من الانصياع للتنميط الاستهلاكي،
والتحرر من تلك النزعة التي تُغرق في
الماديات التي أصبحت مرادفةً لـ"الأمركة"،
وتحولت بفعل ما سُمي بـ "العولمة
الثقافية" إلى حلم لكثير من الشعوب.
لقد أكدت كثير من الأحاديث النبوية
على تجنب التشبه وعدم الاندماج
بالآخر (غير المسلم)، إشعارًا
بالاختلاف، وحفاظًا على التمايز
والاستقلالية؛ ولذلك قال صلى الله
عليه وسلم: "من تشبَّه بقوم فهو
منهم" (رواه أبو داود وغيره).
وأخيراً
يمكن للمقاطعة أن تشكل أيضًا مدخلاً
للإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي،
إذ تنتقل من مجال البضائع إلى ساحة
للنضال السلمي الشعبي لاستعادة الدور
في صنع القرار أو ـ على الأقل ـ
التأثير فيه. فهي بهذا وسيلة سلمية
وفرصة ممتازة لاستعادة الشعوب لدورها
واستلام زمام المبادرة، دون الوقوع
في مسألة الخروج على الحاكم وما يترتب
عليه من فساد وإراقة دماء، هي بذلك
وسيلة لاستعادة ولاية الأمة على
نفسها، والحيلولة دون جَور الحكام
وانحرافهم عن مصالح الأمة؛ إنها بذلك
تطبيق جديد لمقولة سيدنا عمر (رضي
الله عنه): "لا خير فيكم إن لم
تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها"،
وهي داخلة في قوله صلى الله عليه وسلم:
"أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان
جائر" (رواه أبو داود والترمذي
والنسائي وابن ماجه)، فعدم الامتثال
لشرع الله ومصلحة الأمة هو من الجور
الذي يقتضي من الأمة كلها أن تقول
كلمتها، وتمارس إرادتها.
**
كاتب وباحث من سوريا
|