الصفحة الرئيسة  |  صيف مختلف  |  بحث متقدم  

 

حياتنا في الصيف 

الصيف فى تركيا صيف مختلف 

تقرير :سعد عبد المجيد

24/08/2002

مساجد تركيا

لمّا كانت تركيا من البلاد التي يطول فيها موسم الشتاء؛ حيث يبدأ من أواخر شهر سبتمبر وحتى نهاية شهر إبريل من كل عام، وتتخلله الأمطار الغزيرة والمستمرة والعواصف والرياح وموجات من العواصف الثلجية القادمة من شرق هضبة البلقان أو من البحر الأسود، فإن العام الدراسي يطول هو الآخر نتيجة للانقطاع الذي يحدث عدة مرات أثناء الدراسة بسبب الأمطار الغزيرة أو غلق الثلوج للطرق والشوارع.

كل هذه العوامل من طقس بارد وعام دراسي طويل وتغيير حاد في درجات الحرارة بين موسمي الشتاء والصيف جعلت العطلة الصيفية وخاصة عطلة المدارس والجامعات تحظى باهتمام كبير لدى قطاعات واسعة من الشعب، وعلى وجه الخصوص الشباب الذي يعيش في المدن الكبيرة لدرجة يمكن القول معها إن هناك شيئًا اسمه ثقافة العطلة الصيفية للشعب التركي.

الحكومة التركية والبحر

إذا أردنا الحديث عن وجود مقر صيفي للحكومة التركية، فمن باب المجاز نقول نعم؛ فإن الكثير من رجال الحكم والسياسة ينتقلون لمدينتي إستانبول وآنطاليا الساحليتين أو غيرهما من المدن الساحلية، خلال موسم الصيف لاعتدال المناخ فيها عن مناخ العاصمة أنقرة. ويعتقد بأنه لو لم تكن القوانين صارمة بشأن عدم اتخاذ بديل عن أنقرة كمقر للحكم لانتقلت الحكومة بأكملها لمدينة إستانبول أو مدينة إزمير في موسم الصيف.

ويمكن القول إن المصايف تؤثر على قرارات الأحزاب السياسية ورجالها، حيث درجت معظم الأحزاب التركية الحاكمة أو المعارضة على عقد معسكرات صيفية تدرس فيها خططها وتراجع فيها خطواتها السابقة أو المستقبلية. ونذكر هنا بما تقوم به هذه الأيام المجموعة البرلمانية المنشقة عن الحزب الديمقراطي المتزعم لحكومة الائتلاف، بعقد اجتماعاتها في منازل الأعضاء بمدينة إستانبول لبحث كيفية تشكيل وإعلان حزب جديد.

الهجرات الخليجية الصيفية

 أهالي دول الخليج العربي تعوّدوا على القدوم لتركيا منذ مطلع السبعينيات واستمر هذا التدفق حتى أواخرها ثم توقف حتى منتصف الثمانينيات مع سيطرة العسكر على مقاليد الحكم بين 1980-1984.

ويرجع التدفق السياحي العربي لتركيا نتيجة الشعور بالأمان وحق امتلاك شقة أو مسكن صيفي؛ الأمر الذي حوّل بعض الأماكن في تركيا إلى ما يشبه القرى العربية، ونضرب مثالاً على هذا بمدينة "يالووا" Yalova وخاصة منطقة (محلة ترّمال) Termal الواقعة على الطرف الشرقي من بحر مرمرة. هذا بالإضافة للاعتداءات المستمرة للدولة العبرية على لبنان والتوتر الذي شهدته منطقة الشام حتى وقت انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان قبل حوالي عامين، قد دفع أهالي الخليج العربي للتدفق على تركيا في منتصف الثمانينيات بدلا من بلاد الشام وبصفة خاصة لبنان الساحلية الساحرة.

من ناحية أخرى تمثل تركيا مكاناً قريباً للغاية من الدول العربية، فعلى الرغم من وجود اللغة التركية كلغة قومية وأساسية مستخدمة في تركيا، فإن شعبها المسلم ليس بعيداً عن اللغة العربية التي تشكل نسبة تعادل 40% من اللغة التركية ومفرداتها، مما لا يمثل إعاقة كبيرة في التفاهم بين العرب والأتراك، دون إغفال وجود 3-4 ملايين عربي يعيشون في تركيا كمواطنين منذ قديم الزمان، ويستخدم قسم منهم في العمل بشركات ومطاعم السياحة.

وإذا وضعنا في الاعتبار أيضاً انتشار الجوامع وكثافتها في كل بقعة من بقاع تركيا والنظافة والنظام اللذين يتحلى بهما الجامع التركي، ووفرة الفواكه والخضراوات واللحوم المذبوحة على الشريعة الإسلامية، وكذا درجة النظافة العالية للأسواق فسيكون ممكناً فهم الأسباب التي ترفع سنوياً أعداد الزائرين والمصطافين من العرب والمسلمين لتركيا.

وبالإضافة لدول الخليج تصاعد أعداد الزائرين من مصر وليبيا والشمال الإفريقي لتركيا منذ منتصف التسعينيات، ويرجع ذلك إلى اتفاقيات السياحة المشتركة بين تركيا وحكومات تلك الدول، وتنشيط خطوط الطيران ورخصة تكاليف الرحلة، حتى إن نظام التقسيط عرفته السياحة بين مصر وتركيا في السنوات القليلة الماضية. ويضاف إلى ذلك تصاعد حركة التبادل التجاري بين تركيا ومصر وليبيا والجزائر وتونس والسودان وقدوم تجار الشنطة؛ فقد ذكر "مصطفى طاشار" وزير السياحة التركي في مقابلة تلفزيونية في مطلع هذا الصيف أن عدد السياح العرب لتركيا في الربع الأول من هذا العام قد بلغ 400 ألف سائح. 

المصيف عند الأتراك

المصيف عند الأتراك ليس نوعاً من الرفاهية أو مظهراً اجتماعيا يضيف أعباء على الأسر، بل العكس هو الصحيح؛ لأن نسبة كبيرة من الشعب التركي تمتلك منزلاً صيفياً خارج المدينة أو في محافظة المواطن إذا كانت قريبة من المدينة الكبيرة التي يعيش فيها، ومن ثم لا يمثل ذهابه للمنزل الصيفي عبئا جديداً، حيث يقوم بزراعة الخضراوات والفواكه داخل منزله الصيفي والبعض يربي الدواجن والحيوانات الصغيرة لكي تستهلك في موسم الصيف، مع الوضع في الاعتبار أن نسبة كبيرة من الأتراك تنتقل بعوائلها للمنزل الصيفي طوال فترة العطلة الدراسية، ويقوم البعض منهم بالذهاب بسيارته 50 أو 80 كم كل صباح ومساء للذهاب لعمله من المنزل الصيفي.

وإذا وضعنا في الاعتبار كون المحافظات الواقعة خارج المدن الكبيرة هي الأرخص في تكاليف المعيشة، فسيكون من السهل علينا القول بأن "الصيفيّة" كما يسميها الأتراك ليست مكلفة ماليا، حتى إن شركات السياحة الداخلية والخارجية بتركيا تقدم أسابيع صيفية -للموظفين والعمال ولمن لا يملك منزلاً صيفياً أو لمن يبحث عن التغيير- سواء في القرى السياحية المنتشرة في سواحل البحرين الأبيض والأسود، أو بالخارج وبالتقسيط المريح.

احتفالات ومهرجانات صيفية

تنشط وزارتا السياحة والثقافة التركيتان خلال موسم الصيف حيث تقوم بعقد حفلات موسيقية -تركية أو غربية- جماهيرية في المدن السياحية مثل آنطاليا وآيدين وإزمير وآلانيا ومرمريس وبدروم؛ حيث تجلب من الخارج مشاهير الغناء والطرب والموسيقى لكي يشاركوا في تلك الاحتفالات، وهناك المهرجانات الدولية للأفلام السينمائية؛ إذ يعقد واحد في مدينة إزمير في الصيف، وآخر في إستانبول وثالث في آنطاليا. كما تقام أسابيع للأفلام السينمائية لبعض الدول؛ فقد أقيم مثلا أسبوع للأفلام المصرية والإسرائيلية في موسم الصيف الماضي.

وللبلديات والحكم المحلي نصيب وافر في الأنشطة الصيفية، فعلى سبيل المثال تقوم بلدية إستانبول بعقد أسبوع ثقافي في شهر مايو يسمى بأسبوع "الفتح" تذكر فيه أهالي إستانبول بيوم الفتح، وتعقد فيه ندوات تاريخية وثقافية حول الازدهار الثقافي والفني في عصر الدولة العثمانية. على أن هناك تبايناً في توجهات المديريات الثقافية التابعة للبلديات في تركيا، حيث تسير كل بلدية في برنامج يتفق مع توجهات الحزب التابعة له.

ومن هنا يلاحظ أن البلديات التابعة للأحزاب العلمانية اللادينية تهتم بإقامة الحفلات الموسيقية الصاخبة، وتجلب لها المشاهير من خارج تركيا في محاولة لتعزيز التوّجه الغربي والعلماني لها. ولكن على الطرف الآخر نجد أن البلديات التابعة لحزب السعادة (الحزب المعبر عن خطى حزبي الرفاه والفضيلة المحظورين) تهتم بالمهرجانات والندوات والأسابيع الثقافية الجادة سواء التي ترتبط بالتاريخ التركي- (أسبوع الفتح  ومسابقة سنوية للعبة رَمي الجَريد) أو بالتقارب مع العالم الإسلامي كالندوة العالمية للفكر الإسلامي.

وبالنسبة للأحزاب القومية مثل حزب الحركة القومية فيوجه اهتمامه بكل ما يخدم الاتجاه القومي، فيقوم بعقد أسابيع أو مهرجانات للفنون والفلكلور الشعبي لأهالي الريف التركي أو لدول القوقاز وآسيا الوسطى.

ثقافة المعسكرات الصيفية

هناك أيضاً ثقافة المعسكرات الصيفية التي تقام بعد انتهاء العام الدراسي، وهي ظاهرة منتشرة جداً في تركيا، حيث تقوم الجمعيات الخيرية والمدارس الخاصة والبلديات والأحزاب السياسية ووزارتا التعليم والثقافة بتشكيل معسكرات لجموع من الطلاب والشباب في الأماكن ذات الهواء المعتدل، وأغلبها يقع على ساحلي البحرين الأبيض والأسود أو على سواحل بحر مرمرة الداخلي.

كما تقوم بعض الجمعيات الخيرية ودور الوقف الخيري والمدارس ذات الطبيعية الإسلامية والمدارس المسيحية للأقليات بمعسكرات داخل وخارج تركيا أيضاً. فالمدارس ذات الطبيعة الإسلامية تقوم مثلاً بتنظيم رحلات للطلاب المتميزين لمكة المكرمة لأداء العمرة والتزوّد بجرعة إيمانية في موسم الصيف، حتى إن الجماعات الدينية في تركيا تعقد معسكرات صيفية لمنتسبيها ومؤيديها من الجنسين، ومن أبرز تلك المعسكرات الصيفية "ندوة أبانت الفكرية" - يشارك فيها عدد كبير من رجال الفكر والصحافة والإعلام وأساتذة الجامعات والسياسيين - التي تقام في منتجع أبانت الصيفي وترعاها جمعية ثقافية تابعة لجماعة النور الإسلامية.

مظاهر صيفية تركية

وبقدوم فصل الصيف يرسل الأهالي أولادهم لتعلم قراءة القرآن الكريم في الجوامع والجمعيات الخيرية الدينية، وهي ظاهرة صيفية إلا أنها أصبحت إجبارية بعد أن منعت وزارة التعليم التركية إقامة مثل تلك الدورات التعليمية خلال الموسم الدراسي، وقصرتها فقط على موسم الصيف.

وعلى هامش موسم الصيف أيضاً يذهب الكثير من الأتراك، خصوصاً كبار السن وأصحاب الأمراض الجلدية للمنتجعات السياحية للاستفادة من المياه الكبريتية في معالجة أمراضهم، وهي ظاهرة آخذة في التصاعد بتركيا في السنوات الأخيرة.

مما لا شك فيه أن جملة تلك الأنشطة الصيفية المختلفة تحدث تغيّراً وحركة كبيرة في المناطق والمدن الساحلية من حيث توافد ألوف من المصطافين الأتراك والأجانب، ففي الوقت الذي تكسو الظلمة والصمت ساحل منطقة مثل "بيوك شَكمَجه" المطل على بحر مرمرة وبالقرب من إستانبول في موسم الشتاء، نجده يعج بالحركة حتى ساعات متأخرة من الليل في أيام الصيف. ونتيجة لارتفاع الرطوبة في مدينة إستانبول -في بعض الأحيان- تحقق المحلات التجارية والكازينوهات والمطاعم والفنادق أرباحاً كبيرة من وراء بيع الآيس كريم الذي يسمى عند الأتراك بـ "دندورمه"، أو مطاعم اللحوم المشوية التي يعمل الكثير منها على الطرق المؤدية للمعسكرات والمراكز السياحية الصيفية، وهي من الظواهر البارزة لموسم الصيف بتركيا.

أما الحديث عن الفروق الظاهرة بين عادات وتقاليد سكان المناطق الحارة وبين سكان المناطق الباردة بتركيا فهي بارزة بكل تأكيد، ففي مدن ساحلية مثل إزمير وآنطاليا وآلانيا ومرمريس ومرسين وإسكندرون وأنطاكيا على البحر الأبيض، أو مدن مثل رضا وسامسون وطرابزون الواقعة على ساحل البحر الأسود، يرتدي فيها السكان ملابس صيفية مثل الشورت أو تى -شيرت يتجولون بها في الشوارع، كما تظهر الكثير من الفتيات والسيدات في تلك المناطق في ملابس شبه عارية في الأماكن العامة، وهذه الظاهرة لا توجد في المدن والمحافظات الواقعة في وسط تركيا أو شرقها، حيث التيار المحافظ.

كما تنتشر ظاهرة ركوب السيارات المكشوفة والرياضية التي تنطلق بسرعة جنونية، على السواحل مصحوبة بالجنسين وبصوت الموسيقى الغربية أو التركية الصاخبة، وهي ظاهرة صيفية قلّما تُرى في وقت غير الصيف وفي غير المصايف والمنتجعات السياحية.

ومن مظاهر فصل الصيف عند الأتراك أن ترى السيدات والفتيات المحجبات وهن يتجولن أو يتمشيّن أو يركبن الدراجات بعد العصر أو بعد المغرب في الشوارع المحيطة بالفيلات والمنازل الصيفية الواقعة خارج المدن، من باب الترويح عن النفس وممارسة شيء من الرياضة البسيطة مثل رياضة المشي أو ركوب الدراجات.

right

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع