الصفحة الرئيسة  |  صيف مختلف  |  بحث متقدم  

 

حياتنا في الصيف 

حياة أفضل بلا "بلاي ستيشن"

علاء أبو العينين - القاهرة

21/08/2002

أثناء سيري في طريقي لعملي، رأيت مجموعة من الأطفال متزاحمين أمام أحد المحلات، دفعني فضولي أن أعرف ماذا يفعلون؟ فإذا بي أجد أحد الأطفال يجلس وأمامه شاشة تليفزيون وبين يديه ذراع تحكم. إنه الاختراع العجيب "البلاي ستيشن" تعجبت مما أراه، فالطفل بكل حواسه مندمج مع ما يحدث، يقتل أشخاصًا أمامه، وكلما تمكن من قتل عدد أكبر من الأشخاص زاد زهوه وإعجابه بنفسه، وطفل آخر يلعب مع أخيه الصغير -4 سنوات- لعبة المصارعة اليابانية، وبعد هزيمة الأخ الأصغر فإذا به يقوم من مكانه وينفجر في البكاء متشاجرًا مع أخيه الأكبر.

اقتربت من أحد الأطفال وسألته عن النقود التي يدفعها في مقابل هذه اللعبة فكانت المفاجأة أنه رد عليّ قائلاً: "حسب المهارة في اللعب" فسألته كيف ذلك؟ فقال المهزوم هو الذي يدفع أجرة اللعب!!

تذكرت إلحاح طفلي الوحيد "أحمد" عليّ من أجل أن أشتري له جهاز البلاي ستيشن هذا، استثارني الأمر بشدة، وقررت أن أعرف أكثر عن هذا البلاي ستيشن حتى أقرر ما إذا كنت سأشتري هذا الجهاز لأحمد أم لا، دخلت على الإنترنت وبحثت عن معنى كلمة بلاي ستيشن فجاءني الرد سريعًا "إنه جهاز كمبيوتر صغير مخصص للألعاب بصورة تليفزيونية ويستخدم الأقراص المضغوطة المحملة بالبرامج المتنوعة، حيث يخصص كل قرص للعبة واحدة بمرحلة واحدة أو بعدة مراحل، وقد جذبت هذه اللعبة قطاعًا واسعًا من الأطفال، بل والمراهقين على المستوى العالمي؛ لما فيها من مؤثرات سمعية وبصرية قوية، وتوظيفها لعدد كبير من الفنيين المهرة في إنتاج ألعاب مشوقة ومثيرة.

وانتشرت هذه اللعبة بسرعة هائلة في المجتمعات العربية بوجه عام والمجتمعات الخليجية منها بوجه خاص، فلا يكاد يخلو بيت في الخليج من هذه اللعبة، بل وأصبحت جزءاً من غرفة الطفل، كما ملأت بصورة كبيرة الشوارع والمحلات المصرية وخاصة في الأقاليم، فبائعو المحلات إلى جانب بضائعهم التي يبيعونها نجدهم يعرضون جهاز بلاي ستيشن أو أكثر ليلعب عليه الأطفال، بل والكبار أيضًا!!

أولياء الأمور غاضبون

قرَّرت الذهاب إلى محل البلاي ستيشن مرة أخرى لتحري الأمر أكثر وأثناء وجودي جاءت سيدة تبدو عليها علامات الغضب ونهرت طفلها، فسألتها عن السبب في ذلك فقالت لي: إن طفلها لم يَعُد يتواجد في المنزل، فما إن يأتي إلى البيت قادمًا من المدرسة حتى يخرج ويذهب إلى محل ألعاب البلاي ستيشن، ويستمر هناك لأكثر من خمس ساعات، فلا يتفرغ لأداء واجباته المدرسية، ويظل بدون طعام طوال هذه الفترة، حتى إنها قالت إن مستواه الدراسي قد تأخر منذ أن عرف الطريق للبلاي ستيشن، وحكت لي سيدة أخرى عن نظر ابنها الذي ضعف بسبب كثرة جلوسه أمام هذا الجهاز، وثالثة تقول: "ابني يصرف يوميًّا ما يزيد على 5 جنيهات على هذه اللعبة، وإذا منعت عنه المصروف فإنه يتجه للسرقة من المنزل ليلعبها!! كما رأيت أنا بنفسي أطفالا يهربون من الدراسة ويذهبون لممارسة هذه اللعبة!!

طفل.. منطوٍ، وعنيف، وأناني، ومنفصل عن واقعه

أدركت خطورة الأمر وعرفت أن الخطر لم يَعُد يتعلق بابني أحمد فقط، بل يتعلق بملايين الأطفال الآخرين في العالمين العربي والإسلامي، فقرّرت الذهاب إلى الدكتور أحمد المجدوب -مستشار بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية- وسألته عن التأثير الاجتماعي لمثل هذه الألعاب على الأطفال فأجاب بأن لها تأثيرات سلبية للغاية، منها:

 إنها تصنع طفلاً عنيفًا:

وذلك لما تحتويه هذه الألعاب من مشاهد عنف يرتبط بها الطفل، ويبقى أسلوب تصرفه في مواجهة المشاكل التي تواجهه يغلب عليها العنف، والأبحاث التي أجريت في الدول الغربية أثبتت وجود علاقة بين السلوك العنيف للطفل ومشاهد العنف التي يراها، ويرجع ذلك إلى أن الطفل دون السابعة غير مميز وبعد السابعة ناقص التمييز فهو يتعلم السلوك العنيف دون إدراك لصحة هذا أو خطئه، ويضيف د.أحمد المجدوب بأنه ليس شرطًا أن يحدث السلوك العنيف بعد مشاهدة العنف مباشرة كما يعتقد البعض، بل إن مشاهد العنف تختزن في العقل الباطن، وتخرج حينما تتيح لها الظروف الخارجية هذا من خلال مثير يشجع العنف المختزن في العقل الباطن على الخروج.

 هذه الألعاب تصنع طفلاً غير اجتماعي:

فالطفل يقضي ساعات مع هذه اللعبة غير متواصل مع الآخرين، وبالتالي يخلق منه طفلاً غير اجتماعي منطويا على ذاته على عكس الألعاب الشعبية التي تتميز بالتواصل، وتعلم الطفل المهارات الاجتماعية، والأدوار الاجتماعية التي سوف يتولاها مستقبلاً "أب، أم، مدرس... إلخ"، فأغلب الألعاب الشعبية يمارسها أكثر من طفلين، وتعود الطفل على المنافسة المباشرة بين أقرانه على عكس الألعاب الإلكترونية التي تعوِّد الطفل على الوحدة والانطواء.

 هذه الألعاب تصنع طفلاً أنانيًّا:

فهي تجعل الطفل أنانيًّا لا يفكر سوى في إشباع حاجته من هذه اللعبة، وكثيرًا ما تُثار المشاكل داخل الأسرة الواحدة بين الإخوة الأشقاء حول من يبدأ باللعب أو من يلعب، على عكس الألعاب الشعبية الجماعية التي يدعو فيها الطفل صديقه للعب معه.

 كما أنها قد تعلِّم الأطفال أمور النصب والاحتيال كما يقول د. أحمد المجدوب، فالطفل يحتال على والديه ليقتنص منهم ما يحتاجه من أموال للإنفاق على هذه اللعبة إما بأن يأخذ منهم مصاريف درسه الخصوصي ليلعب بها أو يدَّعي مثلاً أن مدرِّسة الفصل طلبت منهم أموالاً لتجميل الفصل أو لشراء هدايا للمتفوقين في الامتحان، وهكذا...، وقد تعلِّم الطفل المقامرة وفقًا لمبدأ "المهزوم هو اللي يدفع".

 إنها تصنع طفلاً منفصلاً عن الواقع:

ففي دراسة قدمتها د. فاطمة القليني -أستاذ مساعد علم الاجتماع بكلية البنات ج. عين شمس- أشارت إلى خطورة استخدام شخصيات كرتونية بعيدة عن الواقع، فهذه الشخصيات وإن كانت تنمي خيال الطفل إلا أنها في الوقت ذاته تنمي مساحة الانفصال عن الواقع، وحتى عندما يلتحم بهذا الواقع فإنه يتعامل بمنطق هذه الشخصيات الخيالية، وهو ما يفجِّر طاقات التوتر، والعنف، والتحدي، والخصومة الدائمة مع المجتمع المحيط.

مخاطرها الصحية الأخرى

كما تؤثر هذه الألعاب سلبًا على صحة الطفل؛ إذ يصاب بضعف النظر نتيجة تعرضه لمجالات الأشعة الكهرومغناطيسية قصيرة التردد المنبعثة من شاشات التلفاز التي يجلس أمامها ساعات طويلة أثناء ممارسته اللعب، هذا ما أكدته د. إلهام محمد حسني - أستاذ طب الأطفال بجامعة عين شمس- في دراسة حديثة لها، وأضافت أيضًا أنه من بين الأخطار الصحية على الطفل ظهور مجموعة من الإصابات بالجهاز العضلي والعظمي، حيث اشتكى العديد من الأطفال من آلام الرقبة وخاصة الناحية اليسرى منها إذا كان الطفل يستخدم اليد اليمنى، وفي الجانب الأيمن إذا كان الطفل أعسر نتيجة لسرعة استخدام اليد وشد عضلات الرقبة وعظمة اللوح والجلسة غير السليمة.

أو الإصابة بسوء التغذية، فالطفل لا يشارك أسرته في وجبات الغذاء والعشاء؛ بسبب انشغاله بممارسة اللعب، فيتعود على الأكل غير الصحي في أوقات غير مناسبة للجسم.

وقد زادت مخاوفي أكثر عندما قرأت عن دخول 700 طفل إلى المستشفيات في اليابان بعد مشاهدة أحد أفلام الرسوم المتحركة، وبعد دراسة مستمرة تبين أن الأضواء قد تسبب تشنجات ونوبات صرع فعلية لدى الأشخاص المصابين بالحساسية تجاه الضوء والذين يشكلون 1% من مجموع السكان في أي دولة.

نخسر أطفالنا ويربحون أموالنا

كل هذه الأضرار التي تصيب أطفالنا في الوقت التي تحقق فيه الشركات الأمريكية واليابانية المنتجة لهذه البرامج مكاسب هائلة؛ من جرّاء تسويقها لمثل هذه الأجهزة وأسطوانات لعبها، فقد أعلنت شركة "سوني" اليابانية المتخصصة في صناعة الإلكترونيات في 27-4-2002م أنها تتوقع أن ترتفع أرباح مجموعتها بنسبة 108% إلى 280 مليار ين (2,16 مليار دولار) خلال سنتها المالية حتى مارس المقبل، وأرجعت الشركة هذا الارتفاع في أرباحها إلى نجاح لعبة بلاي ستيشن 2، وأيضًا لعملية إعادة هيكلة قطاع الإلكترونيات في المجموعة، ومن هنا يتضح أننا نحن الخاسرون نخسر أطفالنا وهم يربحون أموالنا.

المواجهة لا الهروب

وعلى الرغم من كل هذه المخاطر التي يمكن أن تصيب أطفالنا من جراء ممارسة هذه اللعبة، فإن البعض يجد في الألعاب الإلكترونية بعض الفوائد كما ترى د. عزة كريم - مستشار العلوم الاجتماعية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية - فهي تعتبرها مصدرًا مهمًّا لتعليم الطفل؛ إذ يكتشف الطفل من خلالها الكثير، وتشبع خيال الطفل بشكل لم يسبق له مثيل، ويؤكد بعض الباحثين أن الطفل أمام الألعاب الإليكترونية يصبح أكثر حيوية ونشاطًا، وأسهل انخراطًا في المجتمع، كما أن هذه الأجهزة تعطي فرصة للطفل أن يتعامل مع التكنولوجيا الحديثة، مثل الإنترنت وغيرها من الوسائل الحديثة، كما أنها تعلمه التفكير العلمي الذي يتمثل في وجود مشكلة ثم التدرج لحلها.

وهذه الفوائد على الرغم من الأضرار الكثيرة التي يسببها جهاز البلاي ستيشن أعطتني بعض الأمل فقررت المواجهة لا الهروب، حيث تناقشت مع مجموعة من أساتذة الاجتماع، والنفس، وطب الأطفال في كيفية التغلب على أضرار هذه الألعاب والاستفادة من فؤائدها:

فيرى - د. أحمد المجدوب- أن أساس المشكلة يتمثل في أننا ليست لدينا خطة واضحة ومحددة لكيفية شغل أوقات فراغ أطفالنا، ويتعجب من غياب دور الأسرة في الوقت الحالي، فهو يؤكد أن الأسرة عليها العبء الأول في تلافي أضرار هذه الألعاب "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته"، فهي تستطيع أن تحدد للطفل ما الذي يمارسه من هذه الألعاب، وما الذي لا يمارسه، أي تقوم بدور "حارس البوابة الإعلامية"، فعلى الوالدين أن:

 يختارا ما يكون مناسبًا للطفل في عمره، ولا يحتوي على ما يخل بدينه وصحته النفسية.

 تحديد زمن معين للعب لا يزيد عن ساعة في اليوم لممارسة اللعب، ثم يقضي باقي الوقت في ممارسة باقي الأنشطة اليومية.

 لا يكون اللعب بها إلا بعد الانتهاء من الواجبات المدرسية، ولا يكون خلال وجبات الطعام اليومية، وهناك طرق كثيرة للتحكم في مدة اللعب، منها على سبيل المثال: تشغيل ساعات التليفزيون التي تغلق التلفاز الذي يلعب عليه الطفل أوتوماتيكيًّا بعد فترة محددة من التشغيل.

 يجب على الآباء أن يصادقوا أبناءهم ولا ينشغلوا عنهم بحجة كسب الرزق حتى لا يخسروا أطفالهم ويضيعوا بأنفسهم الأموال التي جمعوها من أجلهم.

ثم لماذا لا تكون هناك رقابة مسبقة على ما يطرح في الأسواق من هذه الألعاب؟ كما يحدث مع شرائط الفيديو، والسينما، والكتب، وغيرها بحيث تكون لجان هذه الرقابة متكونة من علماء في الاجتماع، والنفس، والدين الإسلامي تحدد من هذه الألعاب ما يتم تداوله وما يحظر، ويكون المعيار الاتفاق مع ثقافتنا وأخلاقنا وعدم التعارض مع مبادئ ديننا.

- أما د. صالح بن إبراهيم الصنيع -أستاذ علم النفس بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض- فيطالب بتصميم ألعاب تناسب الطفل المسلم، فيتخصص من أبناء المسلمين من يصمم ألعابًا تناسب الطفل المسلم، وتتوافق مع احتياجاته وتطلعاته وتاريخه وحضارته.

ويؤكد على أهمية دور المعلمين في توعية الأطفال بمخاطر الإدمان على تلك الألعاب، وكيف تمارس بصورة صحيحة، والتنبيه إلى ما فيها من محاذير.

وتطالب عزة كُريم بعمل دراسات وأبحاث حول مخاطر هذه الأجهزة وكيفية استخدامها بشكل صحيح لتعظيم فوائدها والتقليل من أضرارها، وإن تقدم نتائج هذه الدراسات من خلال وسائل الإعلام بحيث يكون لدى الأسرة وعي بهذه الإيجابيات والسلبيات قبل شراء الجهاز.

وترحِّب بالعودة إلى تشجيع الألعاب الرياضية الجماعية التي تؤكد على فكرة العمل كفريق "team work"، والألعاب الشعبية في مدارسنا التي هي أكثر ارتباطًا بقيمنا ونابعة من ثقافتنا العربية والإسلامية.

بعد كل هذه الرحلة مع الأطفال وأولياء الأمور وأساتذة علم النفس والاجتماع وطب الأطفال حمدت ربي أني لم أشترِ هذا الجهاز لابني، وأدركت أن حياة ابني وحياتي وحياة ملايين الأطفال الآخرين ستكون أفضل بلا بلاي ستيشن.

اقرأ أيضًا:

right

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع