|
كثيرًا
ما يعيد التاريخ قراءة نفسه.. وكثيرًا
أيضًا ما يحيد السامع عن استنباط
الدروس والعبر منه.. والكيس الفطن هو
من يتعلم من دروس غيره، ويتأمل في
تجاربهم حتى يخرج بخلاصة فكرهم،
ويستفيد منها في تجاربه الشخصية.
وعند
تأملنا الحاضر فقد ظهرت فيه مصطلحات
جديدة بمعانٍ تاريخية قديمة؛
فالمقاطعة مثلا ذلك المصطلح الذي قد
يظن السامع أنه ولد حديثا في رحم
الانتفاضة الحالية، والحقيقة أن
المصطلح ليس بجديد من حيث المضمون؛
فقد استخدمه كبار زعماء التاريخ مثل
غاندي في الهند، ومارتن لوثر كينج في
أمريكا؛ فكلاهما اعترض على سياسات
العنف في بلاده، وكلاهما استخدم سلاح
السلم مقابل العنف المستمر ضدهم.
بدأ
بخطوة
لنحاول
أن نسلط الضوء على تجربتين لـ"مارتن
لوثر كينج"؛ فقد كان رئيسًا لاتحاد
الإصلاح بمونتجمري بأمريكا وزعيما
لتحرير الملونين (السود) بها.. وتتمثل
التجربة الأولي لمارتن في عام 1956
بعدما تم اعتقال السيدة "روزا
باركر"؛ بسبب رفضها إخلاء مقعدها
في الحافلة لأحد البيض الواقفين.
تأثر
مارتن بسياسة غاندي الداعية لمحاربة
العنف بالسلم؛ فطالب المليونين
ومؤيديهم بالامتناع عن ركوب الحافلات
العامة كنوع من الاعتراض على التمييز
العنصري؛ حيث كان من المخطط أن تكون
المقاطعة لمدة يوم واحد فقط لكنها
امتدت لأكثر من ذلك.
ففي
البداية أخذ الأهالي ينقلون الركاب
بسيارتهم الخاصة إما مجانا أو بأجور
زهيدة.. ثم أعلن "مارتن" عن مد
المقاطعة ليوم ثان ثم ثالث حتى وصلت
لشهر، إلا أن الأمريكيين السود
بعزيمتهم وإصرارهم مدوا المقاطعة حتى
وصلت إلى 381 يومًا. وكانت النتيجة أن
أعلنت شركات النقل العام إفلاسها،
وأعلنت المحكمة الفيدرالية أن
التمييز العنصري في الحافلات العامة
يخالف الدستور الأمريكي.
لحفظ
ماء الوجه
أما
التجربة الثانية لمارتن لوثر كنج -ذلك
الزعيم الشاب- فتتمثل في اكتمال مسيرة
النضال، حينما دعا إلى مسيرات
المعارضة والاحتجاج ضد باقي ممارسات
التمييز العنصري بأمريكا (حق
الانتخاب/ ارتياد المطاعم/ الفنادق/
التعليم... إلخ)، ففي عام 1963 شجع مارتن
ومؤيدوه طلبة المدارس والمراهقين
للخروج في مسيرات سلمية يعلنون فيها
رفضهم للتمييز العنصري في بلادهم.
عندما بدأت المسيرة اعترضتهم الشرطة
واستقبلتهم بخراطيم المياه والكلاب،
وأطلقت عليهم الغاز المسيّل للدموع،
وسُجن مارتن..
وفي
1965 نظم مارتن ومؤيدوه مسيرة تهدف
للمطالبة بحق الانتخاب، إلا أنها
قوبلت بالعنف من قبل الشرطة، وقد نقلت
وسائل الإعلام الأحداث. وبعد أن قدم
مارتن التماسًا للمحكمة الفيدرالية
سمحت لهم بالمسيرة؛ فاتجه و300 ألف شخص
نحو مدينة مونتجمري سيرا على الأقدام.
استغرقت تلك المسيرة للوصول إلى
مونتجمري 6 أيام، وقد تم نقل تلك
الأحداث عبر وسائل الإعلام المختلفة
حول العالم، وهو ما دعا الرئيس
الأمريكي حينذاك "لندن جونسون"
إلى إقرار قانون حق الانتخاب
للمدنيين، بعد أن خشيت الحكومة من
تشوه الصورة العامة لأمريكا؛
باعتبارها راعية السلام وموطن
الحرية، فأرادت أن تحفظ ما بقي من ماء
وجهها أمام العالم.
دروس
مستفادة
من
هنا نستطيع أن نقول بأن نجاح "مارتن"
في تحقيق مطالبه، ولو بعد حين كان
بسبب عدة عوامل، منها:
1.
إيمانه التام بمساواة الأبيض بالأسود
الذي وصل إلى حد الإيمان العقائدي.
2.
إصراره هو ومؤيديه على إحقاق الحق.
3.
وأخيرًا ذلك التضامن الفعال من
مؤيديه.
فلولا
الاتحاد والتكاتف الذي حدث بين السود
لما استطاع "مارتن" أو غيره فعل
هذا الشيء الذي خلق قوة تقهر الظلم
أيًّا كانت قوته وجبروته.
|