|
الطعام
حاجة غريزية وضرورة بيولوجية لبقاء
الإنسان واستمراره. والثقافة هي التي
تحدد ـ اجتماعياً ـ طبيعة ما يأكله
الناس ونوعيته وكيفية تناول الطعام ،
وهذه الكيفية ترتبط بمنظومة القيم
والتقاليد والطقوس التي قد تخص
مجتمعاً دون غيره وحضارة دون أخرى.
والخلاصة ـ كما يرى الفلاسفة وخبراء
التربية ـ أن التجمع الأسري على مائدة
الطعام يعني التحول من المستوى
الحيواني إلى المستوى الإنساني، حيث
يتحول الطعام إلى ظاهرة اجتماعية.
وللمائدة
آدابها التي تحرص عليها الأسر في
الدول العربية والإسلامية لما في هذه
الآداب من ضمان للسلامة البدنية
والصحية والسيكلوجية للكبار والصغار
على السواء، وذلك على الرغم من اتساع
إمبراطوريات الوجبات السريعة ـ
المعادية للصحة الإنسانية ـ التي
امتدت إلى كل بقاع العالم ، حيث صارت
سندويتشات الهامبورجر ووجبات
ماكدونالد وكنتاكي وحبيبات الكورن
فليكس وما شابه ذلك رموزاً ثقافية
لعولمة " طقوس المائدة " وفقاً
للمزاج الأمريكي الملتوي!
وهذه
"الأمركة" في الطعام ـ على حد ما
قاله الكاتب والباحث عزت القمحاوي لـ(إسلام
أون لاين) ـ تعني قص لسان البشرية وجدع
أنفها تأسيساً لمبدأ اليبوسة الذي
يذكر بالموت ، بينما تمتلك الشعوب
العريقة ـ ونحن منها ـ لساناً له
ذاكرة يتذوق طزاجة الحياة ، وأنفاً
يشمها! فإلى أي حد يمكن أن تصمد الشعوب
أمام إغواء جنة النمط التي تقوم عليها
الفلسفة التسويقية الأمريكية ؟! إن
المطعم الأمريكي، ووجبات
الهامبورجر، مؤامرة على اللسان
والأنف والحياة معاً!!
فلتنتصر
قيم " المائدة الأسرية "
وتأتي
الدراسات العلمية ، ومصدرها الغرب
ذاته ، لتنتصر لقيم "المائدة
الأسرية" التي يحرص عليها
المتمسكون بهوياتهم ، والرافضون
للذوبان في ثقافة " السندويتش
الأمريكي " المعبأ بما لا تحمد
عواقبه. وقد خلصت دراسة حديثة ـ
تناولت العلاقة بين استقرار الحياة
الأسرية وإيجابية الصحة العقلية
للأبناء ـ إلى أن المشاركة في الوجبات
اليومية من الطقوس التي تجمع الشمل
وتعزز الصحة العقلية للأطفال
والمراهقين. وأظهرت الدراسة ـ التي
أجراها باحثون من أسبانيا وأذيعت
نتائجها مؤخراً ـ أن
1.الأبناء
في سن المراهقة الذين لجأوا إلى خدمات
الصحة العقلية هم الذين شاركوا أسرهم
الطعام بنسبة قليلة ، أقل من خمس
وجبات أسبوعياً في المتوسط.
2.أقرانـهم
الأصحاء قد تناولوا ست وجبات على
الأقل مع الأسرة.
3.الأبناء
الأصحاء هم أكثر ميلاً للمشاركة في
الحفلات والرحلات العائلية والأنشطة
الأخرى.
ورغم
أن معظم من شملتهم الدراسة قالوا إنهم
يشعرون بأنهم يلقون الحب من أسرهم..،
إلا أن أولئك الذين يعانون من مشاكل
في الصحة العقلية كانوا أكثر ميلاً
إلى الاعتقاد بوجود خلل في وظيفة
الأسرة.
المشاركة
نمو وانتماء
وعلى
حد ما تقوله بحوث علماء التربية ، فإن
مشاركة الآباء الأبناء أعمالهم التي
يرغبونها مدعاة إلى إيجاد جو أسري
يسهم في بناء شخصية الطفل وانتمائه
الأسري ، وهذه أسس مهمة لغرس الفكر
التربوي والاجتماعي في نفوسهم ، حتى
يصبح هذا الفكر موجهاً ذاتياً
لسلوكهم الاجتماعي. ويعد التجمع على
مائدة الطعام من الأعمال المهمة التي
يجب أن يشارك فيها الآباء أبناءهم.
وإن
المتأمل للسلوك الغذائي لدى الطفل ـ
من منظور نفسي اجتماعي ـ قد يجد
العديد من التصرفات البعيدة عن
السلوك المعتدل ، وسبب ذلك انتشار
الوجبات السريعة الدخيلة على المائدة
العربية ، وهذا التأثير ناتج إما عن
المحاكاة غير المبررة وإما بدافع
الخروج عن المألوف واللجوء إلى إعداد
أغذية دون عناء يذكر.
فبدلاً
من إعداد مائدة إفطار صحية متكاملة
العناصر يُكتفى بوضع حبيبات الـ"كورن
فليكس" مع قليل من الحليب يتناوله
الطفل وهو في عجلة من أمره..، وكذا في
وجبتي الغداء والعشاء مع اختلاف ما
يقدم فيهما من أطعمة سريعة مسبقة
التحضير..، والنتيجة السلبية تظهر على
المدى البعيد صحياً وتربوياً.
وثمة
عامل آخر يؤثر على سلوك أطفالنا
الغذائي بالسلب ، ويتمثل في
التليفزيون..، حيث أدى ارتباط وتعلق
الطفل بالبرامج التليفزيونية إلى عدم
تنظيم أوقات تناول الوجبات وعدم
مشاركة الطفل لأفراد الأسرة في
الوجبات بدعوى المتابعة للبرامج
المحببة وغير المحببة أحياناً.
وقد تكون الألعاب الإلكترونية من بين
أسباب تغيب الأطفال عن المائدة
الأسرية ، وهذا ما أكده الدكتور
محسن السيد أخصائي الأمراض النفسية
في إحدى دراساته ، حيث أوضح أن
الألعاب الإلكترونية التي غزت بيوتنا
بشكل كبير ومخيف والتي قد تبدو للبعض
ألعاباً مسلية ومفيدة هي ألعاب خطرة ،
ومكمن خطورتها الإدمان عليها من قبل
الأطفال ، وبالتالي قضاء أوقات طويلة
أمامها ، فتفقد الأسرة سيطرتها في
توجيه الطفل بضبط مواعيد نومه ويقظته
وكذلك تعليمه السلوك والآداب الواجب
اتباعها أثناء الطعام ذلك لأنه يأكل
أمام ألعابه بشكل منفرد بعيد عن
الأسرة ، مما يقود إلى الأرق والقلق
النفسي وإصابة الأطفال بالتخمة
وأمراض عسر الهضم وسوء التغذية نتيجة
تناولهم الوجبات السريعة والمسليات
الأخرى.
وإن
هذه المؤثرات وغيرها مدعاة إلى إعادة
النظر في السلوك الغذائي للأسرة
العربية ، والحرص على توجيهه التوجيه
السليم ، مع ترشيد الاستهلاك للوجبات
السريعة حتى لا تكون هي الأصل ،
والعودة إلى المائدة الأسرية وما
يحفها من علاقة حميمة بين أفراد
الأسرة ، حيث إن انعكاسات هذه العلاقة
من مقومات السلوك السليم.
إحذروا
!!
ومن
جهة أخرى، ينصح الخبراء التربويون
الأبوين بألا يحولا مائدة الطعام إلى
حلبة صراع، فالخاسر الوحيد هو الطفل
في نهاية الأمر! وقد ثبت أن رفض الطفل
لتناول أنواع معينة من الطعام يعود
لأسباب كثيرة..، ومن الخطأ أن يلجأ
الوالدان إلى تحويل مائدة الطعام إلى
حلبة للصراع يتخاصمان فيها مع طفلهما
لجعله قسراً يتناول أطعمة لا يرغبها.
فمن المؤكد أن الجو الأسري ذاته قد
يلعب دوراً كبيراً في إقبال الطفل نحو
الطعام أو رفضه له ، ويزداد ذلك في
الفترات التي تتناول فيها العائلة
هذا الطعام وتتولد داخل نفس الطفل
مواقف إيجابية أو سلبية تجاه الأكل..،
فقد تخصص الأسرة مائدة الطعام
لمناقشة مشاكلها المختلفة أمام
أطفالها ويصبح الأبوان يكيلان التهم
أحدهما إلى الآخر..، وهذا ما يعطل
بـهجة الطعام المفترضة في نفس الطفل
فيبتعد عن المائدة خوفاً من بدء
المشاكل المشتعلة بين أفراد الأسرة.
المائدة
والدفء الأسري
وترى
الدكتورة مني جاد أستاذة تربية
الطفل بكلية رياض الأطفال - جامعة
القاهرة في أحد بحوثها أن الطفل في
مرحلة ما قبل المدرسة يميل إلي تقليد
سلوك الكبار ليؤكد ذاته، وهنا نجده
بحاجة إلى إشباع حاجاته النفسية
والاجتماعية التي من أهمها:
-
الانتماء
-
الحب
و الحنان
-
الأمن
و الطمأنينة
وتعد
" مائدة الأسرة " ـ بمفهومها
الاجتماعي والنفسي ـ من أبرز عوامل
توفير وتجسيد الدفء الأسري ، ومن ثم
تحقيق النمو النفسي السليم للطفل ،
وخلق شعور الطفل بالانتماء من خلال
استعادة الحوار المفقود بين أفراد
الأسرة.
ولكي
نتمكن من تعليم أطفالنا آداب المائدة
في سن مبكرة ، يرى علماء النفس أن
المربي يجب أن يجعل أسلوبه في التوجيه
هو التوجيه الإيجابي وليس السلبي ،
فيمكنه مثلاً :
1.
أن يشيد بالطفل في بداية الوجبة
ويهنئه على نجاحه في التصرف كالكبار..،
وذلك عند أية بادرة طيبة منه ، فيقول
مثلاً: "تعجبني طريقة جلوسك على
المائدة"!
2.إذا
ارتكب الطفل الخطأ المتوقع فيمكن أن
نصححه له بطريقة رقيقة وموجزة.
3.يجب
التركيز على السلوكيات الأقل قبحاً
مؤقتاً حتى التأكد من انصراف الطفل
عنها واستعداده لتلقي المزيد من
التوجيهات.
ويمكن
للوالدين أن يحاولا جعل فترة تناول
الطعام فترة مرح وتبادل للأخبار حتى
يشعر الطفل بالاشتياق إلى هذا التجمع
الأسرى ويكون أكثر استعداداً للتعاون.
|