الصفحة الرئيسة  |  صيف مختلف  |  بحث متقدم  

 

صيف المقاومة

أغلى من ياقوت العالم!!

زينات أبو شاويش**

غزة قبل التدمير

مرت عليّ إحدى قريباتي لتزورني وتطمئن على أحوالي، وتقضي معي عدة أيام قبل سفرها لغزة هي وبنتاها ميسون وفاطمة الزهراء، فقد أتوا لتوهم من السعودية لكي يقضوا إجازتهم الصيفية وسط الأهل في غزة. وقد تناولنا أطراف الحديث عن السعودية ومصر والأوضاع المتدهورة في غزة وفلسطين بشكل عام، وما تقوم به قوات الاحتلال الإسرائيلي من مجازر ضد أبناء شعبنا الفلسطيني. وهنا دار بخلدي سؤال أردت من خلاله أن أعرف مدى ارتباط الفلسطينيين بأرضهم ووطنهم، وهل يمكنهم البقاء بعيدًا عن أرض الوطن بسبب الأحداث الدامية هناك؟ ويعلم الله كم سيكون هذا السؤال صعبًا على لساني أن أتفوه به فلا يمكن استبدال غزة بأي بقعة من بقاع الأرض، فحلم العودة يمتلك عليّ حياتي بشكل أكاد أفقد معه أي متعة من متع الحياة، ولكن هل هي كذلك بالنسبة لهم...؟

الحب الأول.. والأخير

وبدأت أتحين الفرصة بين الحين والآخر لكي أفتح معهم هذا الأمر بدون أن أجرح مشاعرهم، فقد وضعت نفسي مكانهم إذا تطرق معي أحد في الحديث حول هذا الأمر؛ لذلك كنت أشعر بحرج شديد تبعًا لحساسية هذا الموضوع وخاصة أنهم ضيوف لدي، وقد يسبب لهم هذا السؤال حساسية شديدة فانتظرت حتى حانت الفرصة المناسبة، حيث كنا نتناول أطراف الحديث في أمور شتى، وقد كان من ضمنها الحديث عن الأهل وذكرياتنا معهم، وكيف كنا ننتظر حتى تأتي الإجازة لكي نعود إليهم محملين بالهدايا والشوق إليهم مثل الطيور المهاجرة التي تريد العود لأوطانها، حيث يملؤنا الشوق ويسيطر علينا الحنين لدرجة تفيض معها دموعنا وتعتصر خلالها قلوبنا شوقًا وحنينًا إلى هذا الوطن، وبرغم كل ما مر به من ظروف قاسية فإنه سيظل الحب الأول والأخير الذي يمتلك علينا حياتنا والأمل الذي نتطلع إليه ما دامت قلوبنا تنبض بالحياة في هذه الدنيا.

تراب غزة أغلى من ياقوت العالم

وفي إحدى جلساتنا الودية أنا وأم ميسون وبنتاها الحبيبتان إلى قلبي واللتين أرى فيهما أمل فلسطين القادم إن شاء الله تعالى طرحت عليهم سؤالي الذي طال انتظاره.

وهنا قلت لأم ميسون: أفلا يكون من الأفضل أن تقضوا إجازتكم في السعودية أو هنا في مصر أو في أي مكان آخر بدلاً من أن تقضوها في غزة في مثل هذه الظروف الصعبة فلن تستمتعوا بشيء فقد تبدلت الأوضاع، ولن تسمعوا هناك غير صوت القذائف والرصاص، كما أن تقطيع جنود الاحتلال لأوصال الوطن سيعيقكم من التنقل لزيارة الأهل والأقارب، وهنا قاطعتني ميسون ذات الاثني عشر ربيعًا:

كيف تقولين هكذا يا خالتي، والله تراب غزة أغلى من ياقوت العالم... ولو خيروني بين غزة وبين كل الدنيا لاخترت غزة، لقد كان أبي مترددًا في نزولنا هذا العام خوفًا علينا من الطريق ومن مضايقات جنود الاحتلال، ولكننا كنا نبكي له وقد وعدنا إذا حصلنا على المراكز الأولى في دراستنا سنسافر لغزة، وبالفعل ذاكرنا وتفوقنا وكنت أنا وأختي من أوائل المدرسة، وها قد وفى بوعده لنا وإن شاء الله سنسافر بعد يومين إن لم يكن بعد يوم لغزتنا الجميلة وبلدنا الحبيبة. امتلأ قلبي بالفرحة من رد هذه الصغيرة وانبسطت أساريري، ولكني واصلت أسئلتي لها فقد أردت أن أسمع منها الكثير والكثير، وقد شجَّعني ردها على مواصلة الحديث معها.

فقلت لها: ولكن يا صغيرتي الحبيبة الأوضاع في غزة مقلقة وقد يحدث لكم مكروه لا قدر الله؟

فقاطعتني فاطمة ذات العشر سنوات وقالت: والله لو حدث لنا شيء فلن يكون مكروهًا ولكننا سنكون قد أدينا جزءاً من واجبنا نحو الله عز وجل ونحو وطننا الحبيب حتى وإن كان ذلك هو الموت في سبيل الله تعالى، فهذا ليس مكروهًا، ولكننا سنفوز بوعد الله سبحانه وتعالى في جنات عدن، وهذا ليس مكروهًا، ولكنه هدية الله عز وجل لعباده المجاهدين.

فقلت لها: أنا لم أقصد ذلك، ولكنني أخشى عليكما من جنود الاحتلال، فأنتما ما زلتما صغيرتين على هذا الحديث -ويعلم الله كم كان قلبي يرقص فرحًا من إجابتيهما–.

لكن ميسون تابعت حديثها معي: نحن لا نخشى أحدًا إلا الله سبحانه وتعالى، ثم لماذا نخاف منهم ونحن أصحاب حق، فالاحتلال الإسرائيلي هو الذي يجب أن يخاف؛ لأنه سارق لبلادنا وخيراتنا.

فشعرت بطعم سعادة لم أشعر بها من قبل، وقرأت بشائر النصر في جبين هذا الجيل المؤمن بالله تعالى، وبقضيته، وبحقه في تقرير مصيره.

بشائر النصر.. مع الجيل القادم

وفي نفس اليوم كان لنا موعد مع القدر مع إحدى صديقاتي لتكتمل بداخلي ملامح هذا الجيل المبشر بالنصر إن شاء الله عز وجل، فأخذت قريبتي وبنتيها وذهبنا لصديقتي لنهنئها على نجاح أبنائها كريم في الصف الأول الابتدائي وتامر في الصف الخامس الابتدائي. وقد استقبلونا بالتهليل كعادتهم خالتو زينات.. خالتو زينات، ثم سكنوا فجأة عندما رأوا معي ضيوفًا لم يروهم من قبل فجلسنا نتجاذب أطراف الحديث، وتعرف تامر وكريم على ميسون وفاطمة، ولقد كنت حريصة على متابعة حديث هؤلاء الأطفال فما إن عرف الولدان أن هاتين البنتين من فلسطين حتى صرخا: هيه فلسطين حلوة أوي، (على حد تعبيرهما)، وهنا أسقطا عليهما وابلاً من الأسئلة حول فلسطين، والانتفاضة، ومحمد الدرة، والاستشهاديين، والإجازة في فلسطين، وغيرها من الأسئلة التي تتعلق بفلسطين والأوضاع هناك، وقد كان من هذه الأسئلة:

هل ستذهبان لفلسطين وتريان الإسرائيليين وكيف ستتعاملان معهم؟ وهل من الممكن أن نذهب معكما؟ كان حديث كريم في معظمه خياليًّا، وذلك يتبع المرحلة العمرية التي يعيشها، فقد قال لهما:

إني أحلم بأن أقتل كل الإسرائيليين، وأن أقضي الإجازة هذا العام في فلسطين، "وهاخلي شوية أيام أقضيهم مع أصحابي هنا في مصر" على حد تعبيره.

ثم تابع قوله: هو الأطفال في فلسطين عندهم إجازات؟ وبيعملوا إيه في الإجازات؟  طيب هم عندهم لعب، ونوادي، وآيس كريم، وشيبسي... إلخ.

وهنا تدخلت والدته: اسكت يا كريم.

فقالت ميسون: دعيه يسأل يا خالتو نحن في فلسطين عندنا كل شيء يا كريم، ولكن  ينقصنا أغلى وأهم شيء في الحياة، وهو الإحساس بالأمان. 

وهنا غلبتني دموعي وتذكرت حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "من بات معافى في بدنه، آمنًا في سربه، مالكًا قوت يومه فقد ملك الدنيا بحذافيرها" صدقت يا حبيبي يا رسول الله عليك أفضل الصلاة وأتم التسليم.

وهنا أصحو من غفوتي على صوت تامر الذي يذكِّر الفتاتين بأن النصر قريب، ويرسم ملامح هذا النصر من خلال تصوره لمستقبل مشرق يقوم على العلم والعلماء، ويطلب من الفتاتين أن يتواصلا معه عبر الإنترنت، ويطلب منهما بريدهما الإلكتروني، بل ويقول لهما:

يجب أن نستغل فترة الفراغ في الصيف، ونرسل رسائل نعرف منها أخباركما ونطمئن عليكما، وعلى فكرة "بابا جاب لنا آخر فيلم نزل عن الانتفاضة، كان فيلم حلو أوي وشوفنا إزاي الأطفال في فلسطين بيشاركوا في المواجهات زي الرجالة" (على حد تعبيره).

وهنا يدخل كريم: هم أبطال مش رجالة وبس، وإن شاء الله هنحرر فلسطين والمسجد الأقصى ونزوركم هناك..، ويتابع الأطفال حديثهم وأتابع أنا حديث نفسي حيث:

 لملمت أشلائي المتناثرة بين جنبات نفسي واستنشقت نفسًا عميقًا، وسبحت بخيالي في بحور الزمن البعيد، وتخيلت هؤلاء الأطفال الصغار سنًّا، والكبار إيمانًا ويقينًا بعودة وطنهم السليب، وقد امتد بهم الزمن، وحملوا على أكتافهم راية التحرير، وهم مزودون بالإيمان والعلم سلاحي الانتصار، وهنا أيقنت أن النصر آتٍ لا محالة إن شاء الله عز وجل


** عضو اتحاد كتاب وصحفيي فلسطين

right

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع