الصفحة الرئيسة  |  صيف مختلف  |  بحث متقدم  

 

حياتنا في الصيف

حياتنا بدون ثلاجة

منى درويش

رحلة البحث عن الطعام

مشهد (1)

استيقظنا ذات صباح لنجدها جثه هامدة لا صوت لها، والطعام بداخلها بدأ يفقد درجة برودته، كانت في أيامها الأخيرة تصدر أصواتًا غريبة وكأنها تئن من مرض أصاب دائرة تشغيلها أو الموتور. لكن أحدًا منا لم يرأف بحالها؛ لأنها كانت تعمل بشكل طبيعي، حتى تحولت في النهاية إلى صندوق مضيء يشبه توابيت الفراعنة التي كانت تحفظ موتاهم، فقد تعودنا ألا نتحرك إلا بعد وقوع الكارثة.

مشهد (2)

تقدم أمي اعتذارا - هاتفيًا - لرئيسها في العمل، وتبدأ في إخراج محتويات الثلاجة، لحوم وأسماك ودواجن، خبز، فواكه وخضراوات مفرزة (محفوظة في الفريزر) ، والخضراوات والفواكه التي كانت تملأ الجزء الأسفل من الثلاجة، بيض وأنواع من الجبن، عصائر وأدوية وكريمات وأدوات تجميل، مكسرات، وقمر الدين وجوز هند ومشمش مجفف مما تبقى من شهر رمضان، وأواني مختلفة الأحجام داخلها طعام مطهي، مربي وحليب ، ماء. لم نتخيل أن ثلاجتنا كانت مملوءة بكل هذه الأشياء التي ملأت المطبخ وطاولة الطعام الكبيرة.

مشهد (3)

بعد ثلاث ساعات يصل المتخصص في تصليح الثلاجات الذي رشحه لنا عمي لمعرفته بقدرته على إصلاح الأعطال، وتميزه بالسعر المعقول، ونصحنا بألا نلجأ "لتوكيل الشركة المنتجة للثلاجة والمتخصص في الصيانة"؛ لارتفاع أسعاره، وبعد حوالي ساعة من الكشف والفك توصل إلى أن المشكلة في منظم الحرارة (الثرموستات) وعادت الحياة للثلاجة والابتسامة إلينا جميعًا، وأعدنا إليها أكوام الطعام.

مشهد (4)

يومان فقط وتوقفت الثلاجة عن العمل مرة أخرى؛ ليأتي متخصص آخر رشحته لنا خالتي هذه المرة بعد أن امتدحت قدراته على التصليح وسعره ، وبعد ساعتين من الكشف والتركيب قرر أن المشكلة في المروحة، وبعد يوم واحد تكرر المشهد للمرة الثالثة، فأيقنا أن لا مجال إلا توكيل الشركة المنتجة للثلاجة مهما كان الثمن، وفي دقائق كانوا قد وصلوا إلى بيتنا وعرفوا السبب، لكنهم أخبرونا أن علينا الانتظار ثلاثة أيام حتى يجف الفلين الحراري الذي يفصل الفريزر عن الجزء الأسفل من الثلاجة، وأخذوا مبلغًا كبيرًا تاركين لنا ورقة ضمان لمدة عام.

مشهد (5)

بدأت أمي في صنع مربات من الفواكه قبل أن تتلف، أما بعض الخضراوات والفواكه المجمدة فكان قد تغير لونها فكان مآلها الأخير إلى صندوق القمامة مع الكثير من بقايا الطعام الأخرى، كميات الخبز حاولنا الحفاظ عليها بتسخينها بالفرن حتى لا تتلف وكذلك فعلنا مع الفطير ليمكننا استخدامها الأيام التالية، ولم يختلف الأمر مع اللحوم التي اضطررنا لطهي بعضها، كنا نقوم بغلي الطعام مرتين يوميًا حتى لا يتلف، البيض وضعناه في الشرفة حتى لا يفسد، وكأن حياتنا قد عادت إلى قرون ما قبل اختراع الثلاجة.

مشهد (6)

لم نشتر شيئا للعشاء كعادتنا كل يوم، كنا نرى الثلاجة فارغة إذا نفذ نوع من الجبن أو لم يوجد زبادي ، ونشتري المزيد من الأنواع ، فنتناول الجديد ويبقي القديم ليجف أو يفسد لبقائه طويلا في الثلاجة، تمامًا كما كنا نطهو أنواعًا جديدة للغذاء بينما بقايا طعام اليوم السابق تبقى في الثلاجة وتتراص بجانبها بقايا اليوم التالي، حتى تفسد أو نضطر لتناول بعضها على مضض، بدأنا نحسن استخدام ما لدينا من طعام، نصنع كميات تكفينا حتى لا يتبقى شيء منها.

مشهد (7)

تزورنا خالتي التي تسكن بالقرب منا - وكنا قد اضطررنا لترك بعض اللحوم التي لم نستطع طهيها في ثلاجتها - وتقترح علينا شراء ثلاجة أخرى أو (ديب فريزر) كما فعلت هي، فإن تعطلت إحدى الثلاجتين بقيت الأخرى والديب فريزر يعملان فلا نشعر بمشكلة، تمدح لنا مميزات وجود ثلاجتين في المنزل، واحدة للفاكهة والأشياء ذات الروائح وأخرى للماء واللبن والجبن وغيرها حتى لا تلتقط روائح الفاكهة، ومميزات (الديب فريزر) في الاحتفاظ بالخضراوات بعد انتهاء موسمها من الأسواق وكذلك الفاكهة التي تخرج للعصير وكأنها طازجة.

مشهد (8)

 يستقر الرأي على شراء ثلاجة أخرى حسب اقتراح الخالة، وننظر في النقود التي نحتفظ بها دائمًا لمواجهة طوارئ، تكفي لشراء ثلاجة، بالطبع ليست كثلاجتنا الكبيرة ذات الماركة العالمية التي لم تئن لمدة خمسة عشر عامًا كاملة، ولم تعبث بها ذات يوم أيدي المتخصصين أو مدعي التخصص، لكن على أية حال ستصبح بمثابة احتياطي إستراتيجي يحمينا من الأزمات والطوارئ، وقبل أن ننزل لشرائها يأتي مندوب التوكيل لتشغيل ثلاجتنا الوفية.

المشهد (9)

نظرت أمي للنقود في يدها ثم نظرت للغسالة القديمة والتي استقرت في الشرفة بعد أن أتينا بغيرها أثناء محاولات إصلاحها، ولم نهتم بعد ذلك بإتمام إصلاح القديمة، فلا تم إصلاحها ولا تخلصنا منها، والأمر نفسه قد حدث مع التليفزيون القديم قبل ذلك وهاهو قد تحول إلى قطعة ديكور في غرفة أخي، أجهزة كهربائية تملأ منزلنا بعضها لا يعمل بصورة جيدة، ولا نهتم بإصلاحه أو تشغيله ما دام هناك البديل الجديد، فأعادت النقود لمكانها معلنة أننا لن نشتري ثلاجة جديدة ولا ديب فريزر.

مشهد (10)

بعد عودة الحياة لثلاجتنا تغيرت طريقتنا في التعامل معها، لم نعد نملؤها بأواني الطعام فأصبحنا نضع طعاما يكفي ليوم واحد، واكتشفنا أنه ليس هناك داع لملأ الفريزر باللحوم التي ربما تتبقى لأكثر من ثلاثة أسابيع، وأنه يكفي فقد الاحتفاظ بما يكفينا لأسبوع واحد، ولا داعي لتخزين خضراوات مجمدة، فميزات الطازجة أفضل، ولن يحدث لنا شيء لو لم نتناول المانجو أو البامية في الشتاء، لم نعد نرمي الأطعمة التي كانت تتراكم في الثلاجة، أصبحنا نشعر دائمًا أن ثلاجتنا مملوءة بالطعام مهما كانت تحتوي على القليل.

اقرأ أيضًا:

right

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع