الصفحة الرئيسة  |  صيف مختلف  |  بحث متقدم  

 

صيف المقاومة

الحطة الفلسطينية.. موضة أم قضية؟

شريف حمودة - صحفي مصري

الزي تعبير اجتماعي عن ارتباط الإنسان بأرضه وثقافته وتاريخه ومجتمعه، ولا يمكننا أن نتصور ذاتًا إنسانية متحققة مستقرة إلا إذا تأتّى لصاحبها أن يعبر بشخصيته إلى بر الأمان، أو بمعنى آخر أن يتميز بشخصيته عن الآخرين، فيكون متفردًا بأفكاره وآرائه وهيئته وملبسه ومظهره، ولا يعني ذلك بالطبع أن يكون مختلفًا فقط من أجل الاختلاف، ولكن المقصود أنه يحاول أن يكون "هــو" وليس أي أحد آخر.

وشخصية الإنسان ليست فقط معطيات عقله وروحه، ولا هي -فقط- معطيات جسده، ولكنها المحصِّلة النهائية لخلايا العقل، وذرات الروح، ودقائق الجسد، وتفاصيل الهيئة، وآليات التعامل. ومن الخطأ إذن أن يتم الفصل بين ما يرتديه الإنسان من زي وما يعتقد به من أفكار وتصورات ومبادئ، فأسلوب الفرد في اختياره لملابسه هو في حد ذاته انعكاس لكثير من أفكاره المجردة، كما أن هذه الملابس التي يرتديها الفرد ربما تكون السبيل الواضح لإثبات وإبراز خصوصية المجتمع، وذلك على الرغم من مفاهيم "توحيد الذوق" و"السوق العالمية الكبرى" و"سيادة النمط" و"عولمة السلوك".. وما إلى ذلك من أسلحة قتل الهويات والخصوصيات التي يشهرها بضراوة صناع النظام العالمي الجديد.

إن الأزياء -بشهادة كبار مصمميها وخبرائها في العالم- ليست مجرد أردية للأبدان، ولكنها عمل جمالي دقيق ومركب يعكس ثقافة المجتمع وخصوصية الفرد وطابع المناسبة، ويمتاز كل مجتمع بجمالياته الخاصة في الأزياء النابعة من أخلاقياته وثقافاته ومبادئه وذاكرته.

الحطة.. تعني الوجود الفلسطيني!

ومن هذا المنطلق الحضاري الراقي لفهم "خصوصية الملبس" يؤمن الفلسطينيون - سياسيين وغير سياسيين، رجالاً ونساء وصبية وشيوخًا- بأهمية ارتداء الحطة الفلسطينية والكوفية باعتبارهما رمزين جليين للوجود الفلسطيني كله. ولأن الشارع الفلسطيني له امتداد غير مقطوع في الشوارع المصرية والعربية، فقد عادت الحطة والكوفية الفلسطينية إلى الحياة مرة أخرى بشكل غير مسبوق فوق أكتاف وأعناق آلاف الفتيان والفتيات والأطفال والشيوخ المصريين والعرب في الآونة الأخيرة، وبالتحديد منذ الاجتياح الإسرائيلي الغاشم للمدن والقرى الإسرائيلية، الأمر الذي يشكل ظاهرة اجتماعية بحاجة إلى الرصد والدراسة والتحليل، وخاصة داخل قطاع الشباب من طلاب وطالبات الجامعات والمدارس، فهم الفئة الأكثر إقبالاً في مصر -ومعظم الدول العربية- على ارتداء الحطة والكوفية الفلسطينيين.

وقبل تتبع ورصد سمات وجوانب الإقبال الشبابي على الحطة والكوفية في مصر، نلقي مزيدًا من الضوء التاريخي على هذين "الرمزين الحضاريين" باعتبارهما "نجمي سوق الأردية" المصرية والعربية في الشهور الثلاثة الأخيرة.

يركز مانفيستو "المركز الفلسطيني للإعلام" على حقيقة مؤداها أن الملابس في فلسطين تتنوع بتنوع المناطق واختلاف البيئات المحلية وتعرُّض البلاد لكثير من المؤثرات الخارجية. ويتم النظر إلى الزي الفلسطيني، باعتبار أنه لا ينفصل عن محيطه وعن ثقافته المتوارثة، فالزي تعبير عن ارتباط الإنسان بأرضه وثقافته. وللكوفية أو الحطة مكانة خاصة عند الوطنيين الفلسطينيين منذ أن اعتمدها زعماء ثورة 1936م بدلاً من الطربوش والعمامة، وهي غطاء للرأس من قماشة مربعة، بعضها من صوف وبعضها من قطن أو حرير، وتزخرف الكوفية بالخطوط المذهبة أو بالرسوم الهندسية السود أو الحمر.

رواج رغم الكساد!

وإذا كان الفلسطينيون والفلسطينيات يُصِرّون على ارتداء الحطة والكوفية انطلاقًا من وعي بقيمة خصوصية الملبس، وإيمانًا بتوطيد الشعار الاجتماعي والتراث الوطني الفلسطيني في ظلِّ الممارسات الإسرائيلية المعادية، فإن الشارع المصري -وهو امتداد للشارع الفلسطيني- يشهد حرصًا نبيلاً من الجنسين ومن مختلف الفئات والأعمار على ارتداء الحطة والكوفية الفلسطينيين، انطلاقًا من رؤى عميقة ووعي ليس بضحل، وهذا ما أثبتته الممارسات والأقوال معًا في الآونة الأخيرة.

ويؤكد التجار، وأشهرهم الموجودون في منطقة ميدان روكسي بمصر الجديدة –القاهرة - وفي ممر الكونتننتال بقلب القاهرة وفي المراكز التجارية الكبرى، يؤكدون أنه رغم الكساد العام في تجارة الملبوسات في الأسواق المصرية، فإن أعدادًا طائلة من الحطات والكوفيات الفلسطينية تم تداولها بصورة موسعة في الشهور الثلاثة الأخيرة. ويشكِّل طلاب وطالبات الجامعات والمدارس القوة الشرائية الأولى للحطة والكوفية، وقد شوهد آلاف الطلاب -من بينهم طلاب الجامعة الأمريكية بالقاهرة- في مسيراتهم السلمية المنددة بالممارسات الإسرائيلية وهم يرتدون الحطة الفلسطينية والكوفية. كما أن التجمعات الجماهيرية الكبرى في مباريات كرة القدم والحفلات الغنائية والفنية وأروقة بعض المساجد الجامعة تشهد رواجًا واسع النطاق للحطة والكوفية الفلسطينية. وتباع الحطة بسعر يبدأ من عشرة جنيهات -3 دولارات- فما فوق، ويزداد ثمنها بتحسن خامة القماش المصنوعة منها.

ويزداد إقبال المصريين على شراء الحطة والكوفية عندما يقترن الشراء بالتبرعات، حيث يصير للشراء بُعد ومغزى جديد هو المساهمة العينية الملموسة في تخفيف معاناة الأسر الفلسطينية، وهنا يتحول ارتداء الحطة من مجرد رمز وشعار حضاري معنوي إلى عطاء عيني مادي لصالح القضية الفلسطينية وأبنائها.

الحطة في عيون مصرية

وإذا كانت الكوفية -بشكل عام- رمزًا للتمرد والثورة في العالم بأسره في حقبتي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي وتعبيرًا عن رفض من ارتدوها للمجتمع الرأسمالي الاستهلاكي، فإن ارتداء الكوفية الفلسطينية حاليًا -من وجهة نظر الفتيان والفتيات المصريين والمصريات الذين قابلنا عددًا غير قليل منهم- تعني أمورًا أخرى، ومن أبرز تلك الأمور:

1- تأكيد الخصوصية الشعبية الفلسطينية ووجود الكيان الوطني الفلسطيني.

2- الإشارة إلى حضور قضية فلسطين فوق أعناق وفي قلوب كافة العرب.

3- فرض صورة موحَّدة لزي عربي موحَّد بما يوحي بالإجماع العربي على قضية واحدة.

4- إثبات المشاركة المادية (التبرعات) والمعنوية للأسر الفلسطينية في محنتها.

5- لفت نظر الإعلام العالمي إلى القضية الفلسطينية.

6- فضح الممارسات الإسرائيلية أمام الرأي العام العالمي.

7- التأسي والاقتداء بالقيادات الوطنية والتحريرية والنضالية الفلسطينية في ارتداء الكوفية والحطة.

ومن بين هؤلاء الشباب الذين يحرصون على ارتداء الحطة الفلسطينية أحمد فاروق (طالب بكلية الآداب جامعة عين شمس)، ويوضح مغزى ارتدائه بقوله: كنت أريد دفع مبلغ رمزي لصالح الانتفاضة الفلسطينية، ووجدت الفرصة سانحة بشراء شال بمبلغ مائة جنيه من الهلال الأحمر الفلسطيني. وبعد حصولي على الحطة، لم أشعر أن دور الحطة قد انتهى بمجرد دفعي قيمة التبرع، بل وجدت في ارتدائها منافع قد تفيد القضية الفلسطينية. فوجود الحطة على كتفي وفوق عنقي يقود سلوكي نحو ما هو جاد ومثمر، وينأى بي عن التفاهات والأمور الفارغة، ويجعلني أشعر دائمًا أنني أحمل قضية القدس في قلبي، وأرتدي ثوبًا مقدسًا طاهرًا. وارتدائي الحطة -مع زملاء لي يرتدونها أيضًا- يشعرني بانتسابي إلى عمل جماعي منظم قد يساهم بشكل ما في خدمة القضية الفلسطينية. إن الحطة ليست مجرد شعار أو رمز أو تظاهر بالأهمية، ولكنه محاولة للمشاركة بما نقدر عليه، ومحاولة لبعث صورة فلسطين في الأعين التي ترانا نرتديه.

أما سامي توفيق (طالب بكلية الإعلام جامعة القاهرة) فيرى أن الحطة أكبر من كونها رداء فلسطينيًّا، ولكنها -كالعلم الفلسطيني- إثبات للكيان الفلسطيني بأكمله. وهذا الإثبات مطلوب أن تراه عيون الأحباء والأعداء على السواء، وهو إخطار للجميع أن فلسطين حاضرة في القلوب وفوق الأعناق، وأن جميع العرب متحدون فيما بينهم على هدف واحد وقضية موحدة هي تحرير الأراضي الفلسطينية بأي ثمن. ويجب أن يقترن ارتداء الشاب للشال بوعي جاد وسلوك حسن، وإلا تحول إلى رداء شكلي ومظهرية فارغة.

ويقول هشام حلمي، طالب بمعهد اللاسلكي بالقاهرة: إنه يرتدي الحطة الفلسطينية بهدف إظهار موقفه من الهمجية الإسرائيلية وأنه لا يخشى أحدًا، وعلى استعداد لأن يبدي رأيه بصراحة مهما كانت العواقب. ويوضح أن الحطة الفلسطينية قد يظنها البعض "موضة" من موضات الملبس، وبالفعل يرتديها البعض من هذا المنطلق التافه، ولكنها ليست موضة بالطبع، وإنما هي رسالة خاصة جدًّا نرسلها إلى إخواننا الفلسطينيين لكي يحسنوا الظن بنا دائمًا، ويتأكدوا أننا معهم إلى النهاية بكل ما نملك وبما نقدر عليه من جهود متواضعة.

right

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع