 |
|
المتخصصون يقفون ضد تيار التهويل |
عناوين
الأخبار التي تقرعنا في مختلف وسائل الإعلام
معلنة النذير من أنفلونزا الطيور تشبه طبول
الحرب، وهو ما أزعج الكثير من المتخصصين
والخبراء.
من
هؤلاء المتخصصين "جاري بوتشر" بل هو على
رأسهم والسبب أن بوتشر ظل يعمل بيطارا بكلية
الطب البيطري بجامعة فلوريدا منذ عام 1988، وقد
تدرب وتخصص في الأمراض الخاصة بالطيور، وحصل
على الدكتوراه في فيروسات الطيور الداجنة.
إذن
فإن بوتشر هو رجل الساعة حسب ما تشير مؤهلاته
وتخصصه وسابق عريض خبرته، ما في ذلك من ممار.
وباعتباره
بيطار الطيور الوحيد في الولاية الأمريكية
فلم تتوقف يوما البرد الإلكترونية ولم يتوقف
أيضا هاتفه عن الرنين للاستفسار عن أنفلونزا
الطيور.
ومؤخرا
ظل بوتشر ينتقل في أكثر من مكان في العالم وهو
يسبح ضد تيار التهويل وبث الرعب من أنفلونزا
الطيور، محاولة منه لمواجهة أجراس الإنذار
التي يدقها السياسيون مع رجال صناعة الدواء،
ولتبديد الأساطير التي يرسمونها حول شراسة
الفيروس المسبب للأنفلونزا، بل نذر نفسه
حاليا كي يمحو الصورة القاتمة التي رسمتها
وتغذي ترسيخها وسائل الإعلام في كل مكان.
مستنكرا
ما بثته وكالة رويترز عن أنفلونزا الطيور
باعتبارها على حد وصف الوكالة "أكبر خطر
يواجه العالم الآن"، يقول بوتشر: إن فيروس
H5N1 تسبب في نفوق مئات الملايين من الطيور
القليل منها بسبب العدوى، ومعظمها بسبب
الإعدام حرقا لمنع انتشار العدوى، ويستدرك
حتى الآن لم يمت سوى 62 شخصا متأثرا بأنفلونزا
الطيور -وكان ذلك في مطلع نوفمبر 2005، وأصيب
بعدواها 121 شخصا، "حسنا لكن أحدا لم يثبت
لنا أنه أعدى غيره بأنفلونزا الطيور".
ويستطرد
موضحا أن منظمة الصحة العالمية مستمرة في
التحذير من وقوع وباء على نطاق واسع دولي، وما
تفتأ تنصح الحكومات بإعداد خطط للطوارئ،
والبيت الأبيض يعلن عن إستراتيجية لمواجهة
"الوباء المحتمل"، ويأتي الإعلان على
لسان رئيس أمريكا جورج دبليو بوش من منصة معهد
الصحة الوطني في إشارة واضحة لجلل الخطب،
وجدية المواجهة.
ليست
تهديدا للبشر
يقول
"جاري" بعد عودته من جولاته لإطلاع الناس
على حقيقة المزاعم السائدة عن أنفلونزا
الطيور، ومن مكتبه في حرم جامعة فلوريدا: "إن
كل عملي يؤكد أن علي التعامل مع هذا الجنون"،
ومع عودته يصرخ: "واقعيا، فإن أنفلونزا
الطيور ليست تهديدا للبشر، ولكن في أي مكان
تذهب إليه، فإن الأمر انقلب لسيرك".
ذهب
بوتشر في جولاته إلى إندونيسيا وتايلاند
وهونج كونج والمكسيك وروسيا، فشاهد كيف أن
صناعة الدواجن وتربيتها أصابتها خسائر فادحة
واضطراب عظيم بسبب الشائعات التي تعشش في
أذهان الناس عن أنفلونزا الطيور، وكيف هبط في
بلدان أخرى استهلاك الدواجن بنسبة 75%، وهي
كارثة حقيقية حسب رأيه، ومن منظور اقتصادي
فإن أنفلونزا الطيور قضية كبيرة.
من
بين نحو ستة مليارات ونصف نسمة، فإن عدد الذين
تأثروا بأنفلونزا الطيور لا يذكر، مشيرا إلى
عدد المصابين بها (121 مريضا، 62 حالة وفاة)،
مؤكدا على حقيقة أن هؤلاء كانوا يعملون عن قرب
مع الدواجن وتلامسوا مع دمائها وبرازها.
في
الرد على منظمة الصحة
ثم
يؤكد بوتشر أن فيروسات الأنفلونزا كانت
موجودة عبر التاريخ، وما تتفرد به سلالة
الفيروس H5N1 هي أنه في حالات بالغة الندرة
أظهرت قدرة على عدوى البشر.
ثم يعود بوتشر ليؤكد أن تلك القدرة " للغاية غير فعالة، ولكنها تنجح" بندرة كما أوضح، وعدم الفاعلية هذه نفسها التي تجعل الأكثر احتمالا ألا يستطيع الفيروس أن ينسخ نفسه بسرعة كافية في أول شخص يتأثر بعدواه لينتشر منه لآخر.. "قد يحدث هذا، ولكنه ليس محتملا" كما يقول بوتشر عالم فيروسات الطيور الداجنة، هذا ملخص رؤيته حول عدم ثبوت انتشار الفيروس من بشر لبشر.
ومن
عندي أتساءل لماذا الآن فقط سوف يتحور بحيث
يصبح قادرا على الانتقال من بشر لبشر؟
وبالعودة
إلى بوتشر الذي يقول ربما كان هناك احتمال أن
يتحور الفيروس، ولو حصل فلا يمكنه أن يصبح
مرضا مهما أو ذا بال بالنسبة للبشر!.
أما
لماذا؟ فإن بوتشر يجيب "لكي يصبح الفيروس
خطرا على البشر، فلا بد له أن يمر بتحول جيني
كبير بشكل واضح"، ثم يختم كلامه متهكما: "بينما
نضع اهتمامنا كله صوب أنفلونزا الطيور، سوف
يبرز فيروس آخر ليعضنا –عفوا – في مؤخراتنا"،
والاعتذار من عندي.
وقع
الاختيار للاستشهاد برأي هذا المتخصص من بين
كثير من الخبراء لأمرين الأول لشدة التصاق
تخصصه ومؤهلاته وخبرته بصلب الموضوع، وهذا
السبب على وجاهته كما هو باد، ليس الأهم في
تقديري؛ إذ إن جنسيته الأمريكية أي السبب
الثاني هي الأهم في تقديري وسوف أوضح لماذا
فيما بعد.
الحج
والحجيج وأنفلونزا الطيور
أما
عندنا هنا في الوطن العربي بشكل عام والعالم
الإسلامي بشكل خاص ونحن على مشارف موسم الحج،
فإنه ردا على المخاوف المتزايدة بشأن احتمال
انتشار الإصابة بمرض أنفلونزا الطيور خلال
الموسم، وخاصة لتزامنه هذا العام مع فصل
الشتاء الذي يتسم بشيوع الأنفلونزا البشرية
الموسمية، عمد الدكتور عبد اللطيف المر،
الاستشاري بوزارة الصحة الكويتية، إلى
طمأنة الحجاج للموسم الحالي.
وإذ
يتصور البعض أن وجود بعض الحجاج من الدول التي
ثبت وجود الفيروس بها يحمل خطورة انتشار
المرض، وهذا عينه ما يتخوف منه أطباء الدول
الأجنبية، حيث تتواجد أعداد الحجاج الغفيرة
التي تصل إلى ما يقارب المليوني حاج في مكان
واحد بعضهم من تلك الدول، لا سيما أن ذلك يحدث
خلال فترة وجيزة في فصل الشتاء مع ذيوع
الازدحام والالتحام بين الحجيج.
إلا
أن الدكتور المر أوضح أن الخوف ينصب على
احتمال اجتماع الفيروس المسبب لأنفلونزا
الطيور داخل المصاب بعدواه، مع فيروس
أنفلونزا البشر؛ وهو ما قد يؤدي إلى حدوث تحور
جيني يسمح للفيروس الأول بأن ينتقل من إنسان
إلى آخر.
وتبديدا
لتلك المخاوف شدد على أن فيروس أنفلونزا
الطيور لم يتحور جينيا، كما أنه ينتقل من
الطيور المريضة به إلى الإنسان بصعوبة شديدة
جدا، وبصورة نادرة، عبر الاحتكاك المباشر،
وليس الاختلاط العرضي، ومن ثم فإن الفيروس لا
ينتقل من إنسان إلى آخر، وبذلك لن ينتقل من
حاج مصاب إلى آخر غير مصاب.
الوشيك
ليس وشيكا
ربما
كان أحد أبرز روافد ذلك الهلع هو وصف منظمة
الصحة العالمية لوباء أنفلونزا الطيور الذي
لم يقع ولم يحدث، أن وقوعه مسألة وقت، وأن
حدوثه وشيك، لكنه من الثابت علميا أن فيروس
الأنفلونزا على تنوعه واختلافه لا يستطيع
تغيير كل جيناته الوراثية إلا خلال 4 سنوات
مما يجعل مسألة الوشيك هذه محل شك أو على
الأقل محل نظر، ولو رجعنا لختام كلام كل من
بوتشر والمر لوجدنا أنهما يؤكدان نفس المسألة.
لذا
فعودا للدكتور أحمد عواض أستاذ الطب البيطري
بجامعة القاهرة الذي بمطالعة حواره القيم
الذي سبقت الإشارة له، وشيوع لهجة الطمأنة
والتهدئة في إجاباته يدفعاني إلى الاستشهاد
هنا بأمر مهم في معرض حديثنا عن التهويل
والمبالغة في تهديد أنفلونزا الطيور"الوشيك"
على حد زعم الزاعمين.
خذ
مثلا هذه العبارة له "لم يثبت حتى الآن أن
العدوى تنتقل من إنسان لإنسان آخر فلو حدث هذا
لكان انتشار المرض كانتشار النار في الهشيم،
ويمكننا هنا أن نقول إن الخنزير يعمل كوسيط،
حيث يتم في أنسجته تحول فيروس أنفلونزا
الطيور إلى عترات ضارة للإنسان؛ ولذلك نجده
انتشر بين الأشخاص في المناطق التي بها مزارع
الخنازير تجاور مزارع الدجاج.
ولكن حتى الآن لم يثبت أن المصاب بأنفلونزا
الطيور يمكن أن يصيب شخصا سليما، ونجد منظمة
الصحة العالمية تتابع هي ومنظمة CDC (مركز
مقاومة الأمراض) هذا الأمر بشدة فإن ثبت هذا
فسيكون وباء عالميا.. فنحمد الله على هذا".
إذن
السؤال الآن لماذا يشاع هذا الهلع من مرض
أنفلونزا الطيور ولماذا؟ وللإجابة تابع الشق
التالي من الملف.
اقرأ أيضا في الملف:
**
كاتب في الشأن العلمي، ومحرر بقسم الأخبار بـ"إسلام
أون لاين.نت"، يمكنك التواصل معه عبر
البريد الإلكتروني الخاص بصفحة علوم
وتكنولوجيا oloom@islamonline.net
|