|

|
|
تجارة الموت
عدما تلبس قناع العلم
|
ومن ثم اتجهت
الأنظار إلى أوربا للعمل بالاقتراح الثالث
وإنشاء معهد للبحث البيولوجي ليكون بعيدا عن
الشركة، وبالتالي يصعب ربطه بها حتى لا يتم
المخاطرة بسمعة هذا المعهد. وبالفعل تم شراء
معهد بحوث الصناعة والبيولوجيا بكولونيا في
ألمانيا
Institut fur
Industrielle and Biologische Forschung INBIFO”"
في سرية تامة. وكان دورINBIFO
ينحصر في عمل أبحاث حول علاقة السجائر بالصحة
والتي غالبا ما تكون نتائجها بالتقارير
الداخلية للمعهد مختلفة عن تلك التي يقومون
بنشرها بالدوريات الطبية، كما كان يتم به
إجراء تجارب يحتمل أن يكررها آخرون بشكل
مستقل لمعرفة نتائجها مسبقا، أيضا كان على
المعهد إجراء أبحاث لإمداد الصناعة بمعلومات
تهمها، إلى جانب تسليط الضوء على مسببات أخرى
للأمراض التي يسببها التدخين.
ومن أهم أبطال
المسرحية العالم السويدي
راجنر
ريلاندر الذي لو أفردنا عشرات
الصفحات للحديث عن الدور الذي لعبه في مخططات
شركات التبغ فلن نعطيه حقه، فهناك أكثر من 200
ألف وثيقة داخلية للشركة تتحدث عنه، ولكن لن
يسعنا هنا سوى ذكر جزء من دوره المحوري.
بداية كان د.ريلاندر
يتقاضى 60 ألف دولار أمريكي كمنحة للبحث و90 ألف
دولار لاستشاراته التي يمد بها فيليب موريس.
وكما جاء في الوثائق فإنه كان يتقاضى هذا بغض
النظر عما كان يفعله، وكان يتركز دوره حول
قضية التدخين السلبي، والعمل على ألا يُمنع
التدخين في كل الأماكن التي يمكن تواجد غير
المدخنين بها، علما بأنه كان عضوا باللجنة
القومية السويدية لحماية البيئة.
وكان د. ريلاندر
دائما ما يهدف إلى نشر مقالاته وأبحاثه بكبرى
الصحف والدوريات العلمية وأكثرها مصداقية،
ولم تكن هذه المقالات تخدم مصالح فيليب موريس
فقط بل كانت تكتب بواسطة مختصين يعملون
بالشركة وتنشر تحت اسم د.ريلاندر.
ولم يقتصر دور د.
ريلاندر على المقالات، بل كان يتضمن تنظيم
مؤتمرات وورش عمل تقوم على نفي فكرة خطورة
التدخين السلبي، وخاصة تسببه في مرض السرطان
ومحاولة إثبات أن عوامل أخرى هي التي تسببه
مثل سوء التغذية وتربية العصافير في المنازل.
وكان د. ريلاندر دائما يردد أنه "إذا اعتمد
الناس على هذه المعلومات غير المؤكدة (يقصد
تسبب التدخين السلبي في الإصابة بالسرطان)
فسيؤدي هذا إلى أن تقلع أي أم يعاني ابنها من
مشاكل بالتنفس عن التدخين بدلا من أن تقوم
بإمداده بالغذاء السليم؛ مما سيدمر الجهود
العامة التي تبذل من أجل الصحة"!!
وإحدى الدراسات
التي توضح مدى عدم مصداقية د. ريلاندر العلمية
هي الدراسة التي نشرت في دورية أرشيف الصحة
البيئية
The Archives of
Environmental Health عام 2000 وكانت عن
أمراض التنفس المتعلقة بالتدخين السلبي عند
الأطفال والعادات الغذائية؛ حيث جاءت نتائج
الدراسة عكس نتائج جميع الأبحاث السابقة
المنتشرة عالميا، بل تعارضت مع تقارير منظمة
الصحة العالمية التي توضح آثار التدخين
السلبي على صحة الأطفال.
دائرة العلماء
المتعاونين مع فيليب موريس لم تقف عند هذا
الحد؛ فقد ضمت
اسمين
لكبار العلماء بأمريكا وهما د.
ريتشارد ليرنر رئيس مجلس إدارة مركز سكريبس
للأبحاث أحد أكثر المراكز البحثية مصداقية في
أمريكا، وكذلك د. جيرالد ألديمان الحائز على
جائزة نوبل، حيث كانا مستشارين لفيليب موريس
لمدة 10 أعوام وتقاضيا 700ألف
دولار مقابل ذلك.
الجامعات تنحني
لجبروت موريس
حاول موريس
شراء
شرعيته عن طريق تبرعه للجامعات
الطبية الكبرى، وكانت الكثير من تلك الجامعات
تشتري أسهم شركة فيليب موريس في البورصة،
ولكن بعد انكشاف خداع الشركة ومدى أضرار
التدخين والتدخين السلبي على الصحة بدأت تلك
الجامعات -مثل الكثير من المؤسسات الصحفية
والاجتماعية- ببيع هذه الأسهم، وأخذت الدعوة
تتناقل من جامعة لأخرى.
وعندما فكرت
جامعتا يال وجون هوبكينز في بيع أسهمهما قام
فيليب موريس بتذكيرهما بالمنح المادية التي
تقوم الشركة بإعطائها للجامعتين! واقترح
عليهما طرقا لاستثمار أرباح هذه الأسهم، وتم
توجيههما لاستخدام هذه الأرباح في عمل أبحاث
بالتعاون مع مركز أبحاث التبغ
Center
for Tobacco Research الذي فقد كل مصداقيته
وكشفت ألاعيبه مؤخرا.
ومع الوقت أخذ
الجدال في قضية التدخين السلبي يزداد حدة
وسخونة، ولم يعد معهد
INBIFO
يقدر وحده على مساندة القضية. فوجدت شركات
التبغ أن ما سوف يعطي المصداقية لهذه
الدراسات هو صدورها من مصدر موثوق به وله وزنه
العلمي؛ ومن هنا جاءت فكرة إنشاء مركز أبحاث
الهواء الداخلي Centre
for Indoor Air “CIAR” بنيويورك في آخر
1987 والذي تم إغلاقه في 1998.
وكان المركز
يهدف إلى إعطاء منح لعلماء يقومون بإجراء
ونشر أبحاث تدعم موقف شركات التبغ في معارضة
الضوابط البيئية للحد من انتشار دخان السجائر.
أبحاث مفبركة..
لحسم أي جدل
وكمثال واضح
لكيفية تعامل شركات التبغ مع من يناهضها
ويحاول كشف أوراقها، تأتي الهيئة الأمريكية
لحماية البيئة
“EPA”
والتي كانت من أكثر الجهات إقلاقا لمضجع
فيليب موريس لمحاربتها الدائمة للتدخين
والكشف عن أضراره، ولكنه وجد أن مصداقيتها
يجب زعزعتها بحيث تكون تلك القضية جزءا من
موزاييك كبير يجمع كل أعداء الـ EPA
في وقت واحد.
لذا أنشأ حلف
تعزيز العلم المنضبط أو المتعقل
the
advancement of sound science coalition “TASSC”لعمل
أبحاث تخدم القضية وتروج لها
وضمت لقائمتها صناعات أخرى حولها الجدل أيضا
مثل الصناعات الكيماوية، والتكنولوجيات
الحيوية، وذلك كي لا ينكشف أمر كونها إحدى
الوسائل الدفاعية لشركات التدخين.
وادعت
TASSC
أن الدراسات التي أثبتت أضرار التدخين ما هي
إلا جزء من العلم
الرديء junk
science، وأهم ما ركزت عليه هو وجود
محاولات دائمة لاستغلال العلم في الوصول إلى
أهداف سياسية. وكانت دائما ما تتهم ما أسمته
بالعلم الرديء بأنه ظلم العامة وكلف الحكومات
أموالا طائلة.
توقف نشاط
TASSCعام
1998 ليبدأ ظهور جمعيات ومجموعات أخرى بين يوم
وليلة للرد على تهم جديدة أو لعمل دعاية مضادة
لحملات توعية، وكانت تختفي أيضا بنفس الطريقة
كي يصعب على الصحفيين والعامة تتبع أسمائها
والبحث عن مموليها، ولم يكن هذا بالولايات
المتحدة فقط بل بأوربا أيضا، وما خفي كان أعظم.
كل هذه الألاعيب
ما هي إلا جزء من كواليس مسرحية متعددة الفصول
والمشاهد، لم يعرض منها إلا القليل، وما زال
المؤلف والمنتج يحيكان المزيد بأبطال جدد لا
نعرف هل سيتم الكشف عنهم يوما أم سينخدع بهم
الجميع؟!
اقرأ
أيضاً:
المصادر
:
**
كاتبة مهتمة بالشأن العلمي، ويمكنك التواصل
معها عبر البريد الإلكتروني الخاص بالصفحة: oloom@islamonline.net