 |
|
مدينة بم في إقليم كرمان
|
صعد
البشر للقمر.. يحاولون غزو المريخ.. ابتكروا
أمطارا صناعية.. لكنهم وقفوا حائرين مكتوفي
الأيدي أمام زلزال إقليم كرمان الذي قدرت
قوته بحوالي 6.3 بمقياس ريختر.. ضرب الزلزال
مدينة "بـم" التاريخية ,85 كم جنوب إقليم
كرمان والذي يقع بجنوب شرق إيران.. فأرداها
قتيلة، 70% من المباني هدمت بأكملها.. مستشفيات
وهيئات ومدارس نزلت على رؤوس من فيها فسويت
بالأرض والمستشفى الوحيد الباقي يكتظ
بالجرحى والمصابين.
قلعة
"بـم" التي يعود تاريخها إلى 2000 سنة مضت
طمست معالمها، وطريق "تجارة الحرير"
القديم بين الصين وأوربا لم يعد له وجود.
الإحصاءات
التي نشرتها وكالات الأخبار المختلفة تشير
إلى 30.000 قتيل من بم وما حولها، وفوق الـ 100.000
جريح، 21.000 فقط دفنوا حتى الإثنين 29-12-2003 مساء،
و2000 خرجوا أحياء من تحت الأنقاض، ولا شك أن
عدد الضحايا الأحياء تحت الأنقاض قد يزيد عن
هذا بكثير، خاصة أن البيوت الطينية التي تميز
المنطقة تتحول إلى تراب ورمال تسمح بوجود
شقوق هوائية تحت الأنقاض.
المأساة
الحقيقة تكمن وراء تصريحات الخبراء الذين
يؤكدون أن القتلى لم يكن ليتعدوا المائة لو
كانت المدينة مستحدثة.. يزيد الأمر سوءًا قلة
المواد الأساسية كالطعام والشراب والدواء
والمعدات الضرورية لأي زلزال.. لكن لا عزاء
للفقراء.
وقد
هرع المتطوعون من كل مكان في البلاد لنجدة "بم"
المنكوبة غير مبالين بأنفسهم وسط تحذيرات
جادة بانتشار أوبئة كثيرة مثل الدفتيريا،
التيتنوس، الصرع، الدوسنتاريا، الأنفلونزا،
والإسهال (والذي أصبح وباء بالفعل خاصة وسط
الأطفال) كما ذكرت وكالة رويترز على لسان حماد
ماراش ممثل اليونسييف في إيران. وتعطى
اللقاحات لهؤلاء المتطوعين لمحاولة اتقاء
المرض وترش فوق الجثث الملفوفة مضادات
للعدوى، إلا أن أماكن الدفن غير المجهزة وغير
العميقة تجعل المخاطر الصحية عالية.
هذا
الزلزال هو الأعنف في إيران منذ زلزال 21 يونيو
عام 1990 والذي أودى بحياة 40.000 شخص وجرح 100.000
آخرين كما ترك 500.000 بلا مأوى. وقد رصدت أقوى
ثلاثة زلازل حول العالم منذ السبعينيات
كالتالي:
-
28
يوليو 1976 - زلزال الصين يقتل 500.000 شخص.
-
7
ديسمبر 1988 - زلزال شمال غرب أرمينيا يقتل
25.000 شخص.
-
21
يونيو 1990 -زلزال إيران يقتل 40.000.
وقفة
مع الزلازل
الزلزال
ظاهرة طبيعية لا يستطيع أحد التنبؤ بها حتى
الآن ويضرب العالم 250 زلزالا يوميا مخلفا
وراءه 14 ألف قتيل سنويا. والحقائق العلمية
تشير إلى أن باطن الأرض يحتوي على صهير
المعادن والذي يموج على هيئة ظاهرة تعرف
بتيارات الحمل الداخلية والتي تعمل مع
الحرارة المرتفعة جدا في باطن الأرض على تآكل
الصخور وشحنها بطاقات عظيمة. أما الطبقة
الخارجية المعروفة بالقشرة فمكونة من مجموعة
من "الألواح" الصخرية العملاقة.. كل لوح
منها يحمل قارة من القارات أو أكثر.. وتحدث
عمليات الشحن واندفاع الطاقة بشكل أساسي عند
التقاء هذه الألواح بعضها ببعض ويطلق عليها
"الصدوع" وهي تمثل مركز
الزلزال.
إذن
فالزلزال تبسيطًا هو اهتزاز الأرض الناتج عن
إنتاج الشحنات الحرارية العالية عند تصدع
الصخور بسبب تآكلها الطبيعي. والطريف أن
الزلازل ليست كلها مساوئ فهذه الطاقة
الحرارية هي التي تتسبب في رفع الجبال، أوتاد
الأرض.
ولو
حاولنا الاستفادة من هذه المعلومات لتوضيح
الظاهرة في إيران لوجدنا أن أكثر ما يميز
أراضي إيران (1.648 كم2) الجبال الممتدة على معظم
أراضيها، أشهر هذه السلاسل الجبلية هي سلسلة
جبال "زاجروس" الممتدة على نطاق واسع
غربًا عند الحدود مع العراق.. وسلسلة جبال "البرز"
في الشمال عند بحر قزوين...وهي امتداد لجبال
الألب في جنوب أوربا مرورًا بتركيا.. هذه
السلاسل الجبلية التي تجعل البلاد عرضة
دائمًا لمخاطر الزلازل الشديدة إلى المعتدلة
(ما بين 7.9 إلى 5.9 بمقياس ريختر) متأثرة بالحزام
الزلزالي الممتد من الألب، ويتقابل هنا "اللوح"
العربي مع "اللوح" الفارسي في باطن الأرض
تحت الجبال وهو الذي يرفع بطاقته السلاسل
الجبلية هذه.
والحقيقة
أن موقع إيران يجعلها تطفو فوق منطقة شاسعة من
التصدعات والشقوق الأرضية تجعلها معرضة
دائمًا للزلازل، والتي تشكل 76% من كوارثها
الطبيعية.
زلازل
ما زالت في الأفق
 |
|
أماكن الدفن غير عميقة بالشكل الكافي |
لم
ينته الأمر عند هذا الحد فالجغرافيون يؤكدون
أن طهران نفسها محاصرة بالشقوق... وهي تقع جنوب
سلاسل "البرز" والتي تطفو فوق صدع كبير
يجعلها عرضة لزلزال مدمر كل 150 عامًا تقريبًا.
وبما
أن طهران لم تواجه زلازل عنيفة منذ 170 عامًا
فإن الجيولوجين يتوقعون أن يضرب طهران قريبًا
زلزال مدمر.. ولكن للأسف الشديد فإن البلاد
ليست مؤهلة تمامًا لمواجهة هذه النوع من
الزلازل والذي يتوقع أن يهدم 80% من المدينة
إذا ما قرر هذا الصدع الجنوبي أن يتحرك.
وسيموت
واحد من خمسة من الأهالي، بل قد يصل الموتى
إلى 380.000 شخص، هذا الرقم المفزع كان يمكن أن
ينزل إلى 80.000 إذا ما كانت الإجراءات أفضل
قليلاً.
يزيد
من الطين بلة.. أن شوارع طهران ضيقة والبيوت
متلاصقة، لا تتحرك فيها سيارات الإسعاف
والمطافئ بشكل جيد.. بل لا تكاد تجد موقفا
للسيارات أو فسحة من مكان يستخدم في حال
الكارثة.. ومعظم هذه المناطق يسكنها الفقراء
الذين هاجروا إليها بعد ثورة 1979 والبيوت
قديمة بنيت منذ ما يقرب من سبعين عامًا؛ وهو
ما يجعل طهران في انتظار شبح مرعب ليس له ملاذ
إلا الله.
المصادر:
اقرأ
أيضًا:
|