|

|
|
في السوق بائع يبحث عن قوته وشار يبحث عن دواء بسعر يناسبه
|
في
سوق البساتين* بالقاهرة العامرة
بدأت رحلتي الاستكشافية الطبية! نعم الطبية..
فهناك وأمام مسجد الكحلاوي كانت أقراص
وزجاجات الدواء تفترش الأرض بشكل عشوائي،
وعلى الراغب في دواء معين أن يبحث عنه وسط
الأكوام. فهذا يعالج الصداع وهذا للبرد وآخر
للتقلصات المعوية، والغريب أن تواريخ
الإنتاج والصلاحية موجودة، ومع أن هذه
الأدوية معرضة لأشعة الشمس وسوء الحفظ تجد من
يقلب ليشتري ما ينقصه.
يقول
"خالد سعيد" أحد المزاحمين للبحث عن دواء:
"عندما مرضت والدتي بمرض في صدرها، ذهبت
للبحث عن الدواء الخاص بعلاج هذا المرض ويسمى
فينادون، لكنه لم يكن متوفرًا في الصيدليات،
وبالمصادفة وعند تجولي في سوق الجمعة لفت
نظري الدواء نفسه يباع على الرصيف وبسعر رخيص
وهو 4 جنيهات ونصف (0.7 دولار). فلم أتردد في
شرائه خاصة بعدما تأكدت من وجود تاريخ
الإنتاج وانتهاء الصلاحية مدونا على زجاجة
الدواء".
وهذا
ما يؤكده "حسام حسن" أحد الزائرين
المستديمين لسوق الجمعة فيقول: "أجد بعض
بائعي الأدوية يفترشون الأرض ويعرضون أدوية
مستعملة من قبل وما زال بها القليل. وعلى من
يريد أن يبحث عن غرضه".
لن
تجد اختلافا كبيرًا بين حال تجار هذه السوق
ورواده، فالاثنان تجمعهما ظروف طاحنة
أجبرتهما على التواجد في هذا المكان.. بائع
يبحث عن قوت يومه أو مشتر أعناه البحث عن دواء
بسعر يناسبه.
أربطة..
درجة ثانية
وعلى
بعد أمتار قليلة من المشهد السابق قابلت "أبو
باسم" أحد باعة الأربطة والأحزمة الطبية
كأحزمة الظهر، ورباط طبي للكاحل والركبة
وحامل الذراع وحامل رسغ ذي دعامة، وغيرها من
الأربطة التي تستخدم أثناء أو بعد كسور أو
شروخ العظام. يقول أبو باسم: هذه الأربطة نطلق
عليها مصطلح "فرز ثاني" أو درجة ثانية
بخلاف ما تبيعه الصيدليات وهو فرز أول؛ فهذه
الأربطة حدثت بها بعض العيوب البسيطة أثناء
التصنيع؛ لذا تباع بسعر أقل يناسب الناس
الفقراء. فحزام الظهر الذي تبيعه الصيدليات
بسعر 70 جنيها (ما يقرب من 10 دولارات) نبيعه هنا
في سوق الجمعة بـ 15 جنيها فقط (حوالي دولارين)!!
ويضيف
قائلا: هذه الأربطة لا تخضع لأي رقابة من
وزارة الصحة. ويفاجئني "أبو باسم" بأن
هناك "صيادلة" يأتون إلى هنا ليشتروا هذه
الأربطة لكي يبيعوها في الصيدليات الخاصة بهم
لبعض الزبائن غير القادرين.
وأمام
ما يعرضه "أبو باسم" وجدنا من يشتري
بالفعل فيقول "محمد نور الدين": جئت
لأشتري رباط كاحل؛ لأن قدمي كانت مكسورة،
ونصحني الأطباء بهذا الرباط، وعندما سألت
عليه في الصيدليات وجدت سعره يتراوح بين 12
جنيها إلى 18 جنيها، ولكنني هنا أشتريه فقط بـ 3
جنيهات ونصف.
ويرى
"ياسر حجازي" أن الأسعار في هذه السوق
الشعبية مناسبة جدا وهذا ما يدفعه للشراء؛
فهو يبحث عن "حامل ذراع"، وهو يثق بهذه
الأشياء تماما؛ لأنه قام بتجريبها من قبل
وكانت جيدة وتؤدي نفس دور مثيلاتها التي تباع
بالصيدليات.
تجارة
مربحة
وأكثر
ما يلفت النظر في هذه الأسواق هو وجود هذا
الكم الهائل من مستحضرات التجميل التي تباع
في كل مكان، بل ويقبل عليها رواد السوق بشكل
كبير. فهناك كريمات العناية بالبشرة، وكذلك
مثبتات الشعر إلى جانب الشامبوهات وأنواع
الصابون والزيوت المختلفة، سواء كانت ضد
القشرة أو لتغذية الشعر، بالإضافة إلى بعض
الدهانات.
تحدثت
مع أحد الباعة ويدعى "أحمد عيسى"، فقال
بأنه وجد في هذه المستحضرات تجارة سريعة
ومربحة، فهي استعمالات شخصية لازمة لكل إنسان
سواء كان رجلا أو امرأة.
وعن
إقبال رواد السوق على بضاعته قال: الناس تثق
بهذه المنتجات فهي مغلقة مثل التي يجدونها في
الصيدليات، كما أن هذه المستحضرات تصلنا من
نفس التجار الموردين للصيدليات، ولكننا هنا
في السوق الشعبية نتفوق في الأسعار الرخيصة
التي تجذب الزبائن!
وعن
هذه المستحضرات تساءلت السيدة "كريمة
محروس" والتي كانت تتجول في السوق، فقالت:
"أين وزارة الصحة المهتمة بصحة الناس؟ كيف
تنتشر مثل هذه المستحضرات على الأرصفة وفي
الأسواق والميادين العامة والشوارع دون أدنى
رقابة؟" وتضيف: "لقد عانت إحدى جاراتي من
هذه المستحضرات عندما اشترت علبة كريم للشعر
بمبلغ 3 جنيهات فقط، وقد أقدمت على ذلك؛ لأن
العلبة كان مكتوبا عليها بالإنجليزية ولا
توجد أي كلمات عربية فوثقت بها؛ وفي النهاية
أدى هذا الكريم -المجهول المصدر– إلى تساقط
شعر رأسها بعد أيام من استعمالها له".
فياجرا
وأقراص مخدرة
|

|
|
العشش .. صيدلية مفتوحة للحبوب المخدرة
|
إذا كان كل ما سبق يباع في العلن وأمام
الجميع، فهناك صفقات أخرى سرية تعقد في
الخفاء. فعندما بدأت رحلتي داخل سوق البساتين
توجهت لأحد التجار وسألته عن مكان بيع
الأدوية في السوق. فأجاب بأن الأدوية قليلة في
السوق. ثم خفض صوته وقال: إذا كنت تقصد أقراص
الفياجرا فعليك أن تتوجه إلى منطقة العشش
أسفل كوبري التونسي وسط السوق. ولكن عليك
الحذر فهذا يتم بشكل سري!!
وكان
ذلك حافزًا لي لأن أساله إذا ما كانت هذه
الأقراص أصلية، فقال: بالطبع لا، فهي مهربة من
الخارج. ولا تبيع هذه العشش الفياجرا فقط،
فهناك بعض الشباب يقصدونها للبحث عن الأقراص
المخدرة والتي لا يستطيعون الحصول عليها من
الصيدليات.
حاولت
الاقتراب من هذه العشش، ولكنني توقفت على بعد
أمتار منها عندما شاهدت العديد من الشباب
تبدو عليهم علامات التشرد. ولم أحاول
الاقتراب أكثر من ذلك؛ لأنني علمت من التاجر
أن أصحاب هذه العشش أشقياء وخطرون. وطالما أنه
لا يوجد من يمنعهم من الاتجار في المخدرات،
فلن يوجد من يمنعهم من قتلي.
عطور
"بير السلم"
وبين
أرجاء السوق تشاهد أيضا العديد من باعة
العطور وأدوات التجميل الخاصة بالمرأة.
والغريب أن هذه العطور تحمل ماركات عالمية
شهيرة ولكنها بالطبع مزورة وغير معلومة
المصدر، وتتراوح أسعارها بين جنيه واحد إلى 10
جنيهات.
"إبراهيم"
يبيع العطور والفواحات وماء الكولونيا في
أشكال العينات الصغيرة والزجاجات المتعددة
الأشكال. يقول إبراهيم: "تجد هذه العطور
إقبالا من كافة المستويات، وخاصة زجاجات
العينات التي أبيعها بسعر جنيه واحد أو
جنيهين فقط".
ويضيف:
"أنا لا أهتم بمصدر هذه العطور فهناك بعض
الشركات الصغيرة تنتجها ونحن نشتريها منهم،
كما أن الناس لا تهتم بالمصدر، فهم فقط يهتمون
بالرائحة والشكل الجذاب والسعر الرخيص".
وهذه
الشركات الصغيرة التي أشار إليها إبراهيم هي
مصانع "بير السلم" (ورش مجهولة تقام خفية
أسفل سلالم العمارات) التي تنتشر في القاهرة
في ظل غياب الرقابة الطبية والأمنية!
صيدليات
مفتوحة
في
هذه السوق الشعبية أيضا نجد مكانا كبيرا
لتجارة الطيور وخاصة الحمام. وعلى بعد خطوات
قليلة يوجد من يبيع الأدوية البيطرية التي
تعالج بعض الأمراض التي قد تصيب الطيور. "عادل"
أشهر من يبيع هذه الأدوية في السوق، يفترش
مائدة عليها أنواع عديدة من البودرة
والفيتامينات بلا رقابة من أحد، والشيء
اللافت للنظر أن مثل هذه الأدوية المجهولة
تباع أمام مخازن الوحدة البيطرية بالقاهرة!!
المستلزمات
الطبية أيضا لها نصيبها في صيدليات الأرصفة؛
فسوق إمبابة تشهد تجمعات لبيع حفاظات الأطفال
والفوط الصحية والمناديل الورقية، والملاحظ
أن هذه المنتجات لا تحمل أي ماركات أو علامات
للجودة.
هذه
الصيدليات المفتوحة لم تنس أيضا أن تبيع
الضمادات الطبية والأقراص الطاردة للناموس.
فزيارة واحدة إلى أي رصيف وستشاهد ذلك
وبأسعار زهيدة للغاية، فيكفي أن تعرف أن 15
قطعة من هذا البلاستر (الضمادات) تباع بـ 25
قرشا ولا تحمل أي ماركة مسجلة.
بعد
هذه الزيارة وجدت لسان حالي يقول: "إذا كنت
تريد أن تتسوق تحت رعاية القانون ووزارة
الصحة؛ فعليك أن تدفع ثمن ذلك، وتتحمل عدم
توافر الدواء تارة، وارتفاع أسعاره بلا مبرر
تارة أخرى". وكأن زبائن أدوية الأرصفة قد
أجمعوا على أنهم سيتحملون المخاطرة ويتداوون
بأدوية غير مضمونة طالما أنها متوفرة وبعيدة
عن سيطرة الدولار.
اقرأ
أيضًا:
*
والبساتين لمن لا يعرف هي أشهر منطقة تمتزج
فيها المقابر بالمساكن في القاهرة
|