|

|
|
ضحايا حلبجة |
"رمتني
بدائها وانسلت".. مثل عربي قديم قفز
إلى رأسي.. والسبب كان في الهم الثقيل
البادي على وجه زميلي خالد، سألته ما
لك؟ فرد قائلاً والحنق يملأ نبرات صوته:
"إن أمريكا سوف تضرب العراقيين
بالأسلحة الكيماوية، وتلصق التهمة
بالنظام العراقي لتؤكد للعالم أن صدام
لن يتورع عن ضرب شعبه بتلك الغازات
المميتة كما فعلها من قبل في أهالي قرية
حلبجة العراقية"، ثم أردف: "وهو
دليل عملي على حيازة نظام الرئيس
العراقي لأسلحة الدمار الشامل"، ثم
لخص المسألة قائلاً: "عصفوران بحجر".
تابعت
السؤال بسؤال: وما الذي حملك على هذا
الظن؟ فقال لي: "إن وزارة الخارجية
الأمريكية حذرت من كارثة استخدام صدام
لأسلحة الحرب الكيماوية"، وهذا يعني
–في رأيه– أن العسكرية الأمريكية قد
تلجأ بالفعل لذلك الحل؛ حسمًا للمعركة
الدائرة على أرض الرافدين إذا اضطرتها
الظروف، خاصة بعد المقاومة الباسلة
التي أبداها العراقيون، وها هي أمريكا
تبدأ في تهيئة الرأي العام العالمي بهذا
التحذير.
ولو
صح ما ذهبت إليه الظنون -لا قدر الله-
فالمكاسب التي ستجنيها الولايات
المتحدة لا تعد ولا تحصى، فمن ناحية
ستكون قد حسمت ميدانيًا ما تسميه بـ"جيوب"
المقاومة العراقية، أو تقوم من خلاله
بتعديل كفة المواجهة مع الحرس الجمهوري
مرهوب الجانب؛ فالقوات الأمريكية رغم
تفوقها النوعي، واختلال ميزان القوى
لصالحها، قد تعجز عن تحقيق حلمها في
ضربات خاطفة وقاضية، وهنا سيتطلب الأمر
"وصفة سحرية" لا تعدو إطلاق
الغازات القاتلة مثلاً.
طبقاً
لهذه الفرضية؛ فسوف يخرج ملوك صناعة
السينما السيناريو بصورة "محبوكة"،
ولا تسل عن رادع من تنفيذه، فهو خيار لا
يمكن استبعاده من الأجندة العسكرية
المفتوحة على كل الاحتمالات؛ فلطالما
لجأت الولايات المتحدة الأمريكية لمثل
تلك الحلول الحاسمة، إذا أعياها الداء،
ولم تجد له دواء سوى الكي كما حدث في
حروب سابقة لها، وحربها ضد فيتنام خير
شاهد.
سيناريو
لفيلم أمريكي
إذن
دعونا نغص بعض الشيء في التفاصيل الفنية
والعملية التي يمكن أن تكتنف سيناريو
الفيلم الذي ننتظر عرضه على مسرح الحرب
التي يضحي السيدان بوش وصدام فيها بشعب
العراق، كل على مذبحه.
وكما
سبق، بوش يروج لرواية مفادها أن صدام
قصف أهالي قرية "حلبجة" بغازات
كيماوية سامة في مارس 1988، قضت على
الآلاف من شعبه البائس، وقد كثر الحديث
عن الجريمة التي أقدم عليها صدام. وصارت
القرية البائسة التي لا يعلم أحد حقيقة
ما حدث بها حديث العالم مجددًا بعدما
اتخذها السيد بوش ذريعة مضافة لمجموعة
المبررات التي ساقها في محاولة
مستميتة، لإضفاء جانب أخلاقي على الحرب
التي تشنها قواته.
لكن
لسوء حظه أن رجلاً كان مطلعًا، بل
وضالعًا في التحقيقات التي أجرتها
وكالات الاستخبارات الأمريكية حول ذلك
الحادث المشئوم، أثارته هذه المحاولة
فكتب مقالا مطولا برأ فيه نفسه بداية من
الدفاع عن صدام، ولكنه انبرى لكشف ما
اعتبره الحقيقة.
لخص
هذا الخبير شهادته في عنوان مقاله
الذي نشرته صحيفة نيويورك
تايمز الأمريكية الجمعة 31-1-2003، وأكد
من البداية أن المسألة برمتها لم تكن
"جريمة حرب" بقدر ما هي "عمل حربي"،
لكن لماذا هو بالذات يمكنه كشف الحقيقة؟
يؤكد
ستيفين بيليتيري أنه يحق له أن يفصل في
تلك المسألة باعتبار أنه يحتل مكانًا
يسمح له بالجزم والفصل، أولا لأنه محلل
سياسي رفيع بوكالة الاستخبارات
الأمريكية، ثم إنه اطلع على تقارير سرية
تشير إلى أن الإيرانيين هم الذين قتلوا
أهالي حلبجة، كما أنه ترأس لجنة تحقيق
حول هذه المسألة بالذات عام 1991، لبحث
سبل المواجهة مع الجيش العراقي قبل
اندلاع حرب الخليج الثانية، بالطبع
خوفًا من أن يقدم صدام على إطلاق
الغازات الكيماوية المميتة على قوات
التحالف آنذاك.
المهم
في الموضوع، أن ستيفين يقول ويجزم أن
كافة التحقيقات والتقارير السرية تؤكد
أن كلا من الجانبين العراقي والإيراني
أطلق غازات سامة ضمن سياق معركة دائرة،
وبؤرة الاهتمام في تلك الأثناء كانت
قرية "حلبجة" لكن الأعراض التي
ظهرت على ضحايا هذه المذبحة الإنسانية
المروعة ناتجة عن الإصابة بغاز
هيدروجين السيانيد الذي عرفت به ترسانة
الأسلحة الإيرانية في ذاك الوقت، وليست
ناجمة عن الإصابة بغاز الخردل الذي كان
العراق ينتجه كسلاح كيماوي.
عند
هذا الحد، ينبغي لنا أن نقف لنتوقع أن
الولايات المتحدة الأمريكية لو أقدمت
على هذا الخيار فسوف تدعمها وتمهد لها
آلة الإعلام الأمريكي الجبارة، وهي
بدأت بالفعل بالتحذير السالف ذكره،
والحبكة تستلزم منظومة دعائية هائلة،
لاغتنام الفرصة. سيقال للعالم: انظروا،
لم تصدقونا عندما حذرناكم من أسلحة
الدمار الشامل العراقية!!
إسرائيل:
سلاح كيماوي بالعراق
وتناغما
مع ذلك المذهب، وتمهيدا له، وتماهيا؛
بشرتنا وسائل الإعلام بالكشف عن مصنع
للأسلحة الكيماوية جنوبي العراق
الإثنين 24-3-2003، وأن تحقيقًا يُجرى
بشأنه، وهو النبأ الذي قابلته وسائل
الإعلام العالمية -بالطبع غير
الأمريكية والبريطانية- بكثير من
الفتور المحفوف بالشك -أو "التشكيك"
- على الأصح في مصداقيته.
لاحظوا
أن صحيفة "جيروزاليم بوست"
الإسرائيلية هي التي كانت المصدر لهذا
الخبر؛ لذا توقعوا معي عندما يكشف
النقاب عن طبيعة ونوعية الغاز أو السلاح
الكيماوي الذي ينتجه هذا المصنع، كم
ستكون درجة التوافق بينه وبين طبيعة
الغاز الذي ستضرب به الولايات المتحدة
لو لجأت لهذا الخيار؟!
أخيرًا،
يلزم التنويه إلى أن الأمر لن يتطلب
أكثر من إطلاق الغازات القاتلة مثلاً
عبر قاذفات معينة، وارتداء الأقنعة
الواقية لبعض الوقت؛ لذا فإن لهفة
القادة العسكريين الأمريكيين وحلفائهم
شديدة للجوء إلى هذا الحل العاجل،
للتخلص من الورطة الميدانية، ومعركة
بغداد على الأبواب بفاتورتها الباهظة.
وليس
خافياً على المراقبين أن أقنعة الوقاية
من الغازات الكيماوية متوفرة حصرًا لدى
القوات الغازية، أما فرق الإسعاف
المتخصصة في تقديم العلاج الضروري
بضحايا هجمات أسلحة الدمار الشامل فهي
متاحة لدى القوات الأمريكية
والبريطانية، فضلاً عن أن المدرعات
المتخصصة في قفاية أثر هذه الأسلحة بمن
فيها من فرق فنية عالية الكفاءة ليست
بعيدة عن الميدان. بهذا سيكون من السهل
إزهاق أرواح أعداد كبيرة من العراقيين،
عسكريين ومدنيين، بينما سيخرج الغزاة
أحياء من المحمصة الكيميائية، التي
سيُحمّل الجيش العراقي مسؤوليتها بكل
تأكيد.
السيناريو
الذي أتحدث عنه، يحتاج لشيء من التوسع
في بيان أن واشنطن سوف تعزف مجددا لتبرر
وتوفر المشروعية اللازمة لهذه الحرب،
وأقصر الطرق إلى ذلك هو بعث الحياة في
الحجج التي ساقها كولن باول لمجلس الأمن
في تقاريره المتعاقبة عن حيازة العراق
لأسلحة دمار شامل، وليس بعيداً عن ذلك
الرواية الأمريكية عن "اكتشاف"
مصنع هنا أو حاوية أو مخبأ لأسلحة
كيماوية هناك.
وأيًا
ما كان عليه الأمر فإن نبأ المصنع إياه
سيكون على الأرجح الحلقة الأولى من
سلسلة متوقعة سلفًا، تحاول واشنطن من
خلالها تخفيف حدة الموقف المناهض لها في
شوارع العالم وأروقة الدبلوماسية
الدولية.
بالمقابل
ستوظف الولايات المتحدة هذا التطور
المفتعل (إطلاق أسلحة دمار شامل) في
محاولة للتلاعب في الجبهة الداخلية
العراقية. إذ سيظهر الأمر امتدادًا
لذاكرة حلبجة المأساوية، ولكن على نطاق
أكثر ترويعًا. وسيقال حينها مجددًا بأن
"صدام يقتل شعبه بالغازات"، أو ما
يشبه ذلك.
اقرأ
أيضًا:
**
محرر
بقسم الأخبار بموقع إسلام أون لاين.نت
|