|
بدأ
السباق من أجل إنتاج أول جنين إنساني
مستنسخ يحتدم الأسبوع الماضي،
بإعلان إحدى الشركات الأمريكية
الخاصة عن تمكُّنها من إنتاج أول
جنين إنساني مستنسخ في العالم.
وقد
تلقفت جميع وسائل الإعلام الخبر
بالتحليل والتدقيق بعد أن قامت
الشركة –المعروفة باسم تكنولوجيا
الخلايا المتطورة ACT، والموجودة
بولاية "ماساتشوسيتس"
الأمريكية- بنشر أبحاثها بدورية
الطب التجديدي (وهي دورية إلكترونية)،
بالإضافة إلى نشر تقرير بمجلة Scientific
American. وقد أثار البحث -كما اعتدنا
في قضية الاستنساخ- الكثير من الجدل
في الأوساط السياسية والدينية
والعلمية.
إنتاج أول خلايا بشرية مستنسخة
أعلنت
الشركة الأمريكية يوم الأحد الماضي
25-11-2001 أنها استطاعت أن تنتج خلايا
بشرية مستنسخة باستخدام طريقتين: في
الأولى قام الباحثون باستخراج
المادة الجينية الموجودة داخل بويضة
متبرعة من إحدى السيدات، واستبدالها
بخلية غاية في الصغر تُسمَّى
بالخلايا النّغّاضيّة cumulus cells، وهي
خلايا توجد بطبيعة الحال ملتصقة
بالجزء الخارجي من جدار البويضة
أثناء نموها داخل المبيض من أجل
تغذيتها، وتستمر بالالتصاق بها بعد
التبويض. ومن بين ثماني بويضات تم
حقنها بتلك الخلايا النغّاضية،
انقسمت اثنتان لتكوّنا جنينًا
مبكرًا مكوّنًا من أربعة خلايا،
وواحدة انقسمت لتكوّن جنينًا مبكرًا
مكوّنًا من ستة خلايا ثم توقف نموها.
أما
الطريقة الثانية التي لجأ إليها
الباحثون، وهي أول مرة يتم تجربتها
بنجاح بالنسبة للاستنساخ البشري؛
فكانت العملية المعروفة باسم
التوالد البكري parthenogenesis، وهي عبارة
عن تنشيط البويضة المتبرعة لتقوم
بالانقسام دون حاجة لاستخراج المادة
الجينية الموجودة بداخلها
واستبدالها بأخرى.
والمعروف
أن البويضة بها نصف كمية المادة
الجينية الموجودة بأية خلية أخرى،
إلا أن تلك المادة الجينية لا تصل
إلى نصف الكمية إلا قبل نضوج البويضة
مباشرة، وبالتالي أخذ الباحثون
البويضة شبه الناضجة، والتي بها
المادة الجينية الكاملة، من أجل عمل
تجربتهم. وكانت النتيجة أن من بين
22 بويضة من هذا النوع تم تعريضها
لمواد كيماوية معينة من أجل تغيير
تركيز الأيونات داخلها؛ فقد تطورت 6
منها لتصل إلى مرحلة الكيس البلاستي
blastocyst (وهي مرحلة جنينية
مكونة من حوالي 100 خلية)، إلا أنها لم
تظهر وجود أية خلايا جذرية.
جدل
وتساؤلات
وتعجب
الكثير من العلماء من استعجال
الشركة في إعلان نتائجها تلك، والتي
اعتبرها الكثير منهم غير دالة؛ لأن
نمو الجنين قد توقف مبكرًا عند وصوله
إلى مرحلة الست خلايا في الطريقة
الأولى، ولأن الطريقة الثانية لم
تنتج أية خلايا جذرية، وهو الهدف
الرئيسي للشركة من القيام بتلك
الأبحاث من أصله. غير أن البعض الآخر
قد علّق بأن نجاح التوالد البكري في
البويضة الإنسانية يعتبر تقدمًا
هامًّا وإن لم يصل إلى المراحل
المرجوّة في التطور.
وقد
تشكك أحد العلماء الذين أنتجوا
النعجة "دوللي" –إيان ولموت- من
كون بحث الشركة الأمريكية يدل على أن
الاستنساخ قد حدث بالفعل.
كما
علَّق العالم الأمريكي جون جيرهارت
–الذي كان من أوائل من استطاعوا عزل
الخلايا الجذرية من الأجنة البشرية-
بأنه يعتقد أن الشركة تحاول أن تقدم
هذا البحث على أنه تقدم علمي هام على
أساس أدلة بدائية وغير مقنعة،
وبالتالي يرى أن البحث لم يكن ينبغي
أن يتم نشره من الأصل.
وقد
تحوّل الرئيس الأمريكي "جورج بوش"
لحظات عن إصدار تهديداته العسكرية
لطالبان وتوعّداته العالية النبرة
للعراق؛ لإدانة البحث الجديد أثناء
مراسم استقبال لاثنين من عمّال
الإغاثة المسيحيين الذين كان قد تم
احتجازهم بأفغانستان. فقال الرئيس
الأمريكي: إن استخدام الأجنة
الإنسانية من أجل الاستنساخ هو عمل
خاطئ، وإن المجتمع لا ينبغي عليه
أبدا أن ينشأ حياة من أجل القيام
بقتلها.
أما
"المونسينيور تارتشيسيو برتوني"
من الفاتيكان فقد أعلن للتليفزيون
الإيطالي عن إدانته هو الآخر لإنتاج
إنسان من أجل تدميره، ولو كان الهدف
وراء ذلك هو علاج إنسان آخر فقال: إن
ما هو أمامنا هي أجنة إنسانية وليست
مجرد خلايا، وبالتالي هي حياة لا بد
لنا من حفظ كرامتها ككرامة أي إنسان
آخر.
أما
المفوضية الأوروبية فقد أعلنت
بدورها عن إدانتها لأبحاث الشركة
الأمريكية، وعدم نيتها في تمويل مثل
تلك الأبحاث. وقد قال مفوض البحث
العلمي الأوروبي "فيليب بوسكوان"
في بيان صحفي بأنه ليس كل ما يتمكن
العلم والتكنولوجيا من التوصل إليه،
والقيام به هو أمر مرغوب فيه أو
ينبغي علينا السماح به.
موقف
الدفاع
وكانت
الشركة الأمريكية تتوقع هذا الجدل
المثار حول نتائج أبحاثها، فقامت
بشرح بعض مواقفها من قضية
الاستنساخ؛ حيث أوضحت أنها تقوم
بأبحاثها تلك من أجل التوصل إلى ما
تم تسميته بالاستنساخ العلاجي، وهو
عبارة عن استنساخ أجنة بشرية من أجل
استخراج خلاياها الجذرية، والتي
يتوقع العلماء أن يكون لها شأن عظيم
في توفير أنسجة مطابقة جينيا
للإنسان الذي ستنتقل إليه تلك
الأنسجة (لأنه سيكون هو نفسه مصدر
المادة الجينية المحقونة داخل
البويضة)، وذلك من أجل علاج العديد
من الأمراض، مثل: مرض السكري، ومرض
الزهايمر، وشلل الرعاش، والكثير من
اضطرابات المناعة الذاتية، وأمراض
العظام والقلب والجهاز العصبي.
وقد
أنشأت الشركة الأمريكية آكت ACT لجنة
خاصة من أجل مناقشة القضايا
الأخلاقية المتعلقة بأبحاثها قبل أن
تقرر القيام الفعلي بها، وقد توصلت
اللجنة إلى إعادة تعريف الأجنة
البشرية المستنسخة من أجل العلاج
على أنها بويضات منشطة، وذلك على
أساس أن الجنين البشري هو عبارة عن
بويضة ملقحة من حيوان منوي. في حين أن
الأجنة البشرية المستنسخة ليست
كذلك، بل هي نوع جديد تماما من
الكائنات الحية لم نكن نعرفها من قبل.
كما أن الخلايا البشرية المستنسخة ولو
أنه به بعض القابلية النظرية للتطور
ليكون إنسانا مكتمل النمو، فإن تلك
القابلية محدودة للغاية. هذا
بالإضافة إلى أن مرحلة نمو الجنين
المستنسخ (أو البويضة المنشطة) الذي
يتم استخراج الخلايا الجذرية منه (أي
الكييس البلاستي) إذا قارنّاه بما
يحدث داخل الرحم، سنجد أن تلك
المرحلة تسبق مرحلة التصاق الجنين
بجدار رحم الأم. كما أن الجنين في هذه
المرحلة لا يملك من خصائص الإنسان
التي نعرفها من إحساس وتفكير ووجود
أعضاء.
أما
العالم الأمريكي "آرثر كابلان"
–مدير مركز الأخلاقيات الحيوية
بجامعة بنسيلفانيا الأمريكية- فيعلق
في مقال نشره بموقع msnbc.com بأنه
يستبعد تمكن العلم من إنتاج أطفال
مستنسخين بصحة جيدة؛ حيث إن الأبحاث
المنشورة في مجال الاستنساخ حتى
الآن تشير إلى حدوث الكثير من العيوب
والتشوهات في الحيوانات المستنسخة
بالفعل، كما أن العلم لم يتمكن حتى
الآن من استنساخ كلاب أو قطط أو أحد
الرئيسات primates باستخدام نفس أساليب
استنساخ النعجة دوللي، بل والقرد
الوحيد الذي تم استنساخه كان بحقن
خلايا من جنين قرد تعدى شهره الثالث
من النمو داخل البويضة المفرغة.
ولا
يعتقد العالم الأمريكي أن ذلك
المصدر من الخلايا سيلقى أي نوع من
أنواع الرواج؛ إذ من أين لنا أن نحصل
على خلايا من جنين قد تعدى شهره
الثالث؟ ويشرح د. كابلان أنه كلما
كانت الخلية التي يتم حقنها داخل
البويضة المفرغة هي خلية "كبيرة
السن" فإن احتمالات وجود تشوهات
أو وفاة الجنين تزداد بشدة.
وبالتالي
يتساءل: هل إذا علمنا مستقبلا أن
تكوين إنسان مكتمل النمو من خلال
استنساخ جنين إنساني عملية غير
محتملة، ألا يشير ذلك إلى أن الخلايا
الجنينية المستنسخة تعدو أفضل مصدر
للخلايا الجذرية بالمقارنة
باستخدام أجنة بشرية من معامل
الإخصاب قد تقرر التخلص منها مثلا؟
وكيف سنعلم إن كانت القابلية موجودة
لتطور الجنين المستنسخ إلى إنسان
مكتمل النمو أم لا إلا بالقيام
بالمزيد من الأبحاث؟ وبالتالي يطالب
العالم الأمريكي بالمزيد من التمهل
من جانب السياسيين الأمريكيين قبل
إصدار أية قوانين تمنع جميع أنواع
الاستنساخ، حتى الاستنساخ العلاجي.
وهكذا
تستمر حلقات مسلسل الاستنساخ البشري
في تتابع غريب لا نكاد نشم أنفاسنا
منها. وكلما زادت عدد الحلقات بان
أكثر مدى تعقيد السيناريو وتشابكه.
وكان الله في عون علماء الدين
والسياسيين الذين يحاولون جاهدين فك
الرموز من أجل التوصل إلى مواقف
ثابتة تجاه هذه القضية الشائكة.
اقرأ
أيضًا:
فتاوى:
|