|
شهدت
سوق الدواء المصرية خلال الأسابيع
الماضية أحداثاً مثيرة، بعدما قامت
أكاديمية البحث العلمي المصرية بمنح
إحدى شركات الدواء الأمريكية شهادة
حق التسويق الاستشاري لأحد أدوية
علاج الفصام العقلي “Schizophrenia”.
وهذه
أول حالة ترخيص تمنحها الأكاديمية
لشركة دواء أجنبية بعد صدور قرار
رئيس الوزراء المصري في شهر مارس 2000
بمنح أكاديمية البحث العلمي حق
إصدار شهادة حق التسويق الاحتكاري
للشركات الأجنبية، على أن يتم تشكيل
لجنة من عدة أعضاء للنظر في إعطاء
هذه الشهادة، واتخاذ القرار.
وتشمل
اللجنة نائب رئيس قطاع التجارة
الخارجية بوزارة الاقتصاد المصرية،
ونائب رئيس أكاديمية البحث العلمي،
ورئيس اللجنة العليا لسلامة الغذاء،
ورئيس المعمل المركزي للبحوث
والأغذية بوزارة الزراعة، على أن
يرأس هذه اللجنة رئيس مركز تخطيط
السياسات الدوائية باعتباره
المسئول عن شئون الدواء في وزارة
الصحة المصرية.
يُذكر
أن الشهادة التي حصلت عليها شركة
ليللي “Lilly Olanzapine” والخاصة بعلاج
الفصام، قد أثارت العديد من
التساؤلات والمشاكل في سوق صناعة
الدواء المصرية؛ حيث ترى كل من وزارة
الصحة ونقابة الصيادلة أن أكاديمية
البحث العلمي قد أخطأت في هذا القرار
المتسرع، الذي يفتح الباب للعديد من
الشركات العالمية لاحتكار تسويق
أدويتها في السوق المصرية قبل
انتهاء المهلة الممنوحة لدول العالم
الثالث قبل تطبيق اتفاقية التريبس
"TRIPS"، وتعكس هذه القضية
التضارب الشديد في الآراء بين
الهيئات المختلفة بمصر والمنوط بها
تخطيط السياسة الدوائية فيما يتعلق
ببنود اتفاقية التريبس.
الجدير
بالذكر أن اتفاقية التريبس والناجمة
عن اتفاقية تحرير التجارة العالمية (الجات)
تمنح شركات الأدوية حق الملكية
الفكرية فيما يتعلق بتصنيع وإنتاج
وتسويق الدواء لمدة 20 عامًا، إلا أن
الاتفاقية قد منحت مهلة للدول
النامية حتى بداية عام 2005، يتم بعدها
تطبيق بنود الاتفاقية.
"كتف
قانوني" للشركات المصرية
يُذكر
أن هذا الدواء الأمريكي الذي تمت
الموافقة على احتكار تسويقه بمصر،
قد قامت 4 شركات مصرية بإنتاجه
محليًا، وسعت لتسجيله تمهيدًا
لتسويقه في السوق المصرية، وعلى
الرغم من الموافقة المبدئية من قبل
وزارة الصحة المصرية على إنتاج
الدواء محليًا تمهيدًا لتسويقه،
وقبل إعطاء هذه الشركات المصرية
الرقم الخاص بالتسجيل وهو آخر خطوات
التسجيل فوجئ الجميع بقرار أكاديمية
البحث العلمي بإعطاء شهادة حق
التسويق الاحتكاري للبديل الأجنبي
لشركة "إيلاي ليللي"
الأمريكية؛ وهو ما أدى إلى إيقاف
التسجيل المحلي للدواء المصري،
ونشوب خلاف حاد بين كل من وزارة
الصحة المصرية وأكاديمية البحث
العلمي.
ويرى
د. مجدي علبة، رئيس مجلس إدارة شركة
(APEX) إحدى الشركات المصرية
الأربع
المتضررة في هذا الأمر أنه سوف يفسح
المجال للشركة الأمريكية لتسويق
الدواء الأجنبي بسعر مبالغ فيه يصل
إلى 300 جنيه مصريًا، وهو ما يعادل 5
أضعاف السعر المقترح للبديل المصري.
ويستطرد
د. مجدي علبة أن قانون الملكية
الفكرية الخاص بصناعة الدواء ما زال
قيد المناقشة في مجلس الشعب المصري،
بل ولا تزال القضية محل نقاش في كافة
المحافل الدولية، وآخرها مؤتمر
منظمة التجارة العالمية والذي جرت
فعالياته في هذا الشهر في العاصمة
القطرية الدوحة؛ فلماذا تسرعت
الأكاديمية في التنفيذ، خاصة
والخاسر في النهاية هو شركات الدواء
المصرية والمريض المصري.
وعلى
الرغم من النتائج الإيجابية لمؤتمر
الدوحة فيما يتعلق بالملكية
الفكرية، فإن هناك العديد من الدول -وعلى
رأسها الولايات المتحدة- تتحفظ بشدة
على موافقة المؤتمر على السماح لدول
العالم النامي بإنتاج بعض العقاقير
الضرورية بصفة استثنائية مثل عقاقير
الإيدز، وهي موافقة -كما تبدو- جاءت
كرد فعل لما حدث في جنوب أفريقيا
العام الماضي، حين أقامت العديد من
شركات الدواء العملاقة دعوى قضائية
ضد حكومة جنوب أفريقيا التي أصدرت
تشريعًا تسمح بمقتضاه باستيراد بعض
عقاقير الإيدز من دول جنوب شرق آسيا
بدلا من مثيلاتها الأجنبية الباهظة
الثمن والتي تنتجها هذه الشركات.
وتستغل
الولايات المتحدة هذه الموافقة
للسماح لها بإنتاج الملكية الفكرية
لعقار السيبرو (Cipro) ciprofloxacin، وهو
العلاج الرئيسي للجمرة الخبيثة التي
تجتاح الولايات المتحدة حاليًا.
الجدير
بالذكر أن الملكية الفكرية لعقار
السيبرو تحتكرها شركة بايرن
الألمانية للأدوية، ودفاعًا عن حقوق
الملكية الفكرية لشركات الأدوية يرى
"مايكل لي"، المتحدث الرسمي
للاتحاد البريطاني للصناعات
الدوائية، أن إنتاج عقار واحد قد
يتكلف نحو 350 مليون جنيه إسترليني و10
سنوات على الأقل، وهي تكلفة تستدعي
حماية الملكية الفكرية لهذا الدواء،
وإلا سوف تنهار الاستثمارات في قطاع
الدواء.
سواد
عيون "ليللي"!
وحول
موقف نقابة الصيادلة المصرية من
المشكلة الحالية يرى د.
محمود عبد
المقصود، أمين عام نقابة الصيادلة،
أن ما حدث يعد بمثابة مفاجأة للجميع،
خاصة أن شركة ليللي هذه قد تمت
مقاطعتها من قبل لقيامها بدعم
المستوطنات الصهيونية، وسبق أن دعا
اتحاد نقابات المهن الطبية إلى
مقاطعة منتجات هذه الشركات، وقد
ساندت مصر في هذه الدعوة معظم
النقابات في الدول العربية؛ فكيف
تقوم أكاديمية البحث العلمي بإعطاء
هذه الشركة حق احتكار تسويق هذا
الدواء في السوق المصرية، وكأننا
نزيد من مكاسبها وأرباحها التي تدعم
بها الصهيونية؟! ويستطرد أمين عام
نقابة الصيادلة المصرية أن النقابة
بصدد القيام بحملة جديدة لمقاطعة
الشركة الأمريكية.
التريبس..
قبل الهنا بأكثر من سنة
وردًا
على هذا الهجوم على أكاديمية البحث
العلمي يقول د. فوزي الرفاعي نائب
رئيس أكاديمية البحث العلمي، وأحد
أعضاء اللجنة المقترحة من رئاسة
مجلس الوزراء: إن إعطاء شهادة حق
التسويق الاحتكاري ليس قرار
الأكاديمية بل قرار لجنة مشكلة من
عدة أعضاء يمثلون وزارات مختلفة،
وبناء على هذا القرار تقوم
الأكاديمية بمنح الشهادة.
ويستكمل
د. فوزي الرفاعي قوله: إن شركة ليللي
قد تقدمت بطلب الحصول على شهادة حق
التسويق الاحتكاري لعقار "الأولانزابين"
في شهر يونيو 2000، أي منذ أكثر من عام،
وقد انطبقت الشروط والمواصفات على
هذا الطلب، وهي:
1-
الحصول
على براءة اختراع في دولة أخرى.
2-
الحصول
على حق التسويق في دولة أخرى.
3-
الحصول
على حق تسويق الدواء من وزارة
الصحة.
4-
إيداع
طلب للحصول على براءة اختراع في
مصر.
وبعد
دراسة الطلب -يستطرد د. الرفاعي- تمت
الموافقة عليه؛ حيث لا نملك من
الوجهة القانونية الامتناع عن إعطاء
هذه الشهادة.
وردًا
على الدكتور الرفاعي يتحدث د. مصطفى
الحضري، رئيس مركز السياسات
الدوائية التابع لوزارة الصحة قائلا:
"إن قرار إعطاء مثل هذه الشهادة
كان قرارًا متسرعًا وخاطئا"؛ حيث
إن اللجنة المُشكَّلة من قِبل رئيس
الوزراء كانت برئاسة د. الحضري للبتّ
في مثل هذه الطلبات، وعلى هذا كان من
الضروري دراسة طلب الشركة الأمريكية
جيدا في مركز تخطيط السياسات
الدوائية بوزارة الصحة قبل الدعوة
لانعقاد اللجنة، ولكنه فوجئ باللجنة
تقرر الانعقاد من تلقاء نفسها مع
إرسال دعوة له للحضور، على الرغم من
كونه رئيس اللجنة، وله وحده مسئولية
تحديد الاجتماع.
لذا
امتنع د. مصطفي الحضري عن حضور
اجتماع اللجنة التي اتخذت قرارها
المتقدم بمنح الشركة الأمريكية هذا
الترخيص. وبرفع هذا الأمر للشئون
القانونية والإدارية بالوزارة تبين
قيام اللجنة المنعقدة بإجراءات
قانونية مخالفة لقرار رئيس الوزراء.
وبعيدا
عن ردود أفعال جميع الأطراف
المعنية، فإن هذا الأمر معروض الآن
على القضاء المصري بعد قيام الشركات
المصرية المتضررة برفع دعوى قضائية
عاجلة ضد قرار أكاديمية البحث
العلمي؛ فهل تصبح مصر أول دولة تطبق
اتفاقية "التريبس" قبل موعدها
دون النظر إلى فترة المهلة
الممنوحة، على اعتبار أنها مهلة
وهمية، كما تقول أكاديمية البحث
العلمي؟
يبدو
أن الإجابة على هذا السؤال سوف تكون
في ساحة القضاء.
اقرأ
أيضًا:
|