 |
|
مياه
بالزرنيخ .. و لا بديل! |
التلوث
بالزرنيخ Arsenic مشكلة تتهدد الكثير من
دول العالم كأمريكا وكندا والمكسيك
وتايلاند والفليبين والصين ودول
أخرى، إلا أن المشكلة تأخذ حجمًا لا
مثيل له في بنجلاديش ومقاطعة غرب
البنجال الهندية المجاورة.
الأبحاث
المبدئية تشير إلى أن 59 مقاطعة في
بنجلاديش تمثل 15% من مساحة البلاد
معرضة لخطر التسمم بالزرنيخ.. كما أن
هناك 75 مليون شخص معرضون لخطر
الإصابة بالتسمم الزرنيخي من بين 120
مليونا هم عدد سكان بنجلاديش، يمثل
الأطفال تحت سن 15 عامًا، وهم الأكثر
عرضة دائمًا للخطر، خاصة لما
يتعرضون له من سوء التغذية والضعف
العام، حوالي 45% منهم.
وعن
أعداد المصابين، فلا توجد إحصائيات
دقيقة إلا أنها كلها تشير إلى أنهم
بالآلاف، فهناك بئر واحدة ملوّثة من
كل ثلاث آبار من إجمالي 5 ملايين بئر
في بنجلاديش وحدها. وتصل نسبة وجود
الزرنيخ في مياه الشرب في بنجلاديش
إلى 207 مج/ لتر.. (تقدر منظمة الصحة
العالمية WHO المستوى الآمن للزرنيخ
عند 0.01 مج/ لتر، بينما تقدرها حكومتا
الهند وبنجلاديش بـ0.05 مج/ لتر، أي
بنسبة أكبر خمس مرات من نسبة المنظمة).
أما
في ولاية غرب البنجال بالهند؛ فهناك
6 ملايين شخص يشربون المياه الملوثة
و300 ألف على أقل تقدير ظهرت عليهم
أعراض التسمم.
وقد
أعلن العلماء والمحللون دون تردد أن
هذا هو أكبر تسمم لمجتمع ما على مدى
التاريخ، كما كتبت صحيفة (الهيرالد
تربيون) على صفحتها الأولى.
من
أين يأتي الزرنيخ؟
تتواجد
مادة الزرنيخ بصورة طبيعية في بعض
الطبقات الجيولوجية للأرض.. وخاصة في
الطبقة الصخرية المائية.. وهو عنصر
كيميائي بلا لون أو طعم أو رائحة،
ولا يظهر إلا في اختبارات المعامل أو
على هيئة أعراض لمرض التسمم
بالزرنيخ.
ويظهر
الزرنيخ كمادة كيميائية في أشكال
عديدة، الشكل الثابت منه فضي اللون،
ويتفاعل مع عناصر كثيرة، مثل:
الهيدروجين ليكوِّن مادة الأرسين
Arsine، وهو غاز عالي التسمم. أما إذا
تفاعل مع الأوكسجين فيكون الأرسنيك
Arsinic .
تاريخ
اكتشاف التلوث
بدأت
المشكلة منذ 25 عامًا حينما قررت
حكومة بنجلاديش بالتعاون مع
اليونسيف ومنظمات الإغاثة مساعدة
القرويين لبناء نظام ضخم من
الأنابيب؛ لنقل المياه من الآبار
لتجنبهم ويلات الشرب من مياه البرك
بعدما تفشّت أمراض الإسهال الوبائية
والكوليرا، وقد مُدّت شبكة أنابيب
ضخمة للإمداد بمياه الشرب إلى
المنازل والماشية والزراعة… فكانت
الكارثة، ولم تَقُم هذه المنظمات
بالأبحاث المطلوبة لتحليل المياه
الجوفية المستخدمة والتي اكتشف فيما
بعد تلوثها الخطير بالزرنيخ.
في
زيارة لأهله في غرب البنجال، لاحظ
أستاذ الكيمياء التحليلية "ديبانكار"
Dipankar أعراض مرضية ظهرت على أهالي
قريته.. فأخذ عينة من المياه في عام
1988، وقام بتحليلها فاكتشف المشكلة..
وظلَّ ينادي ويبعث إلى كل من يهمه
الأمر دون جدوى.. حتى كان عام 93 حينما
اعترفت بنجلاديش رسميًّا بالمشكلة
ولم تَعْرف أبعادها الحقيقية إلا
بعد سنوات لاحقة.
وقد
تمت اختبارات على ما يقرب من 20.000 من
أنابيب الآبار، فوجد أن 25% بها
مستويات خطيرة من الزرنيخ، 40% في
مستوى غير آمن، بينما 35% منها فقط
كانت أقل من 0.01 مج/ لتر.
أعراض
التسمم بالزرنيخ
شرب
المياه الملوثة بالزرنيخ لفترات
طويلة بتركيزات بسيطة يؤدي إلى
الإصابة بتسمم الزرنيخ المزمن،
بينما يؤدي تناول كميات كبيرة منه في
وقت قصير إلى الشكل الحاد من المرض..
وعامة يأخذ المرض من 5 إلى عشر سنوات
حتى تظهر أعراضه.
 |
|
بقع
سوداء في الأطراف.. بداية أعراض
التسمم |
والزرنيخ
يتم التخلص منه طبيعيًّا بواسطة
الكليتين، ولكن بعد فترة من التعرض
له، لا يستطيع الجسم التخلص من السم
سريعًا، ويؤدي ذلك إلى تراكمه في
الجسم وارتفاع معدله ويتجمع بصفة
خاصة في الشعر والأظافر.
قبل
ظهور أعراض التسمم.. يظهر المرض في
اختبارات البول والأنسجة، أما أول
علامة لأعراضه هوMelanoma أو الورم
القتامي؛ حيث تظهر نقاط داكنة اللون
على الصدر والظهر والأطراف واللثة،
ثم تتفاقم إلى طفح جلدي على هيئة
نتوءات تظهر على اليد والقدم خاصة،
وهي حالة تسمى بالتقرن Keratosis، وتؤدي
غالبًا إلى سرطان الجلد.
هذا،
بالإضافة إلى الضعف، وفقدان الشهية،
والدوار، والإسهال، واضطرابات
الأعصاب، والتقلصات الكبيرة في
القدم والبطن. أما
المضاعفات الأخرى فهي تضخم الكبد
والكليتين والطحال، والأورام
الخبيثة في الرئة والجلد والمثانة..
كما يتعرض المريض إلى "الغرغرينا"،
وقد تؤدي المضاعفات أيضًا إلى السكر
والالتهاب الرئوي.
هذه
الأعراض المميتة لا علاج لها، غير أن
المريض ذا الأعراض الأولية قد يُشفى
تمامًا إذا ما توقف عن تناول المياه
الملوثة.
مسببات
التلوث
هناك
عدة نظريات تحاول تفسير أسباب هذا
النوع من التلوث، أهمها أن الطبقات
الجيولوجية في التربة بها أملاح
يدخل في مكوناتها مادة الزرنيخ،
وحيث إن الاستزادة من الحفر لأنابيب
الآبار العميقة ينتج عنه تعرية
التربة، فهو يعرّض الزرنيخ الموجود
للاختلاط بأوكسجين الجو؛ مما يؤدي
إلى تحول الزرنيخ إلى أكسيد الزرنيخ
Arsinic والذي يدخل بدوره إلى الماء
ويلوثه.
بالإضافة
إلى تلك النظرية هناك نظريات أخرى
تشير إلى أن هناك عمليات بيولوجية
تقف وراء هذا التلوث، كما يُعَدّ
استخدام المبيدات المفرط ومخلفات
الصناعة عوامل مساعدة.
المشكلة
الاجتماعية.. لا تقل خطرًا
لقد
أدت هذه المشكلة الصحية إلى مشاكل
اجتماعية عديدة، فهناك بعض القرى لا
تخلو عائلة فيها من وجود شخص فيها
على الأقل مصاب. قرية سماتا تقف
مثالاً واضحًا على ذلك.. و"رونو"
فتاة عمرها اثنا عشر ربيعًا، وهي
تعاني من المرض، وتُعدّ رمزًا لآلاف
المنازل التي تحولت إلى خراب؛ حيث
مات أبواها وأخواها.. واضطرت أن تعمل
كخادمة عند أسرة مصابة.
وقد
زادت حالات الانفصال الأسرى نتيجة
إصابة المرأة بهذا المرض وعزوف
زوجها عنها.. وكثيرًا ما تجد العائل
الأوحد لأسرة كبيرة على الفراش لا
يستطيع الحراك.. هذا ناهيك عن
المعاملة السيئة التي يلاقيها
المرضى من الأهل والجيران؛ ظنًّا
منهم أنه مرض مُعْد.
الحلول
الحائرة
الكارثة
كبيرة كما أوضحنا ويزيد من حجمها عدم
التعامل معها كما ينبغي من قبل
الحكومات والهيئات، وما زال الأمر
يمثل حساسية كبيرة لحكومة بنجلاديش
التي قد تهدد كل من يحاول الجهر
بالمشكلة، ومما يزيد الأمر تعقيدًا
زيادة مشكلة الجفاف في كثير من
الأماكن، وعدم الاعتماد الكبير على
مياه الأنهار.
 |
|
الأطفال
أكثر عرضة للخطر |
وفي
محاولة لإيجاد الحلول لإنقاذ ملايين
العائلات تقوم بعض الفرق والأفراد
بعمل بعض الاختبارات، مثل الفريق
الأسترالي الذي قام بدراسة تعتمد في
فكرتها على استخدام الأشعة فوق
البنفسجية لأكسدة الزرنيخ مع أملاح
الحديد المضافة، ويؤدي ذلك إلى
تفاعل الحديد مع الزرنيخ، وترسيبه
في قاع خزانات كبيرة يوضع بها الماء
لمدة ساعة في الشمس؛ لتعذر وجود
الكهرباء في الأماكن الريفية، ثم
تركه ليوم كامل، ثم التخلص من
الترسبات، وهذه الطريقة تساعد في
التخلص من 90% من الزرنيخ.
وقد
طوّر د. "عبد الودود خان" من
المعهد الدولي للطب الوقائي دلوًا
خشبيًّا لتنقية الماء من الزرنيخ،
ولكن هذه الطريقة ما زالت مكلّفة،
وتكلف القروي ما يوازي أجرة شهر
كامل، وهي تنقي كمية بسيطة.. كما أن
نظام الترشيح يقابله مشكلة التخلص
من الترسبات.
وقد
خصّص البنك الدولي لبنجلاديش 32.4
مليون دولار للمساهمة في حل
المشكلة، كما تحاول المنظمات
العالمية المساعدة المالية الهزيلة
وغير الكافية لمواجهة المشكلة؛ لذلك
يبدو الأمر مخيبًا للآمال خاصة في
وجود الرعاية الصحية المتهالكة في
بلد فقير كهذا، وما زالت المشكلة
تبحث عن حل!.
اقرأ
أيضًا:
|