إسلام أون لاين
 
         

الأربعاء 19 رمضان 1427هـ - 11/10/2006م

شهر طاعة ونشاط أم إسراف وكسل؟!!

أميرة إبراهيم**

مخطط الإنتاج اليومي

شهر رمضان هو شهر العبادة والتقوى والتقرب إلى المولى عز وجل بالفرائض والنوافل وفعل الخيرات.. ولكن للأسف هناك من ينصرفون عن كل ذلك إلى أمور دنيوية أخرى، حيث جعلوه شهرًا للإسراف والبذخ والكسل وإهدار الوقت، كما يتسم سلوكهم بالعصبية وضيق الخلق بحجة تأثير الصيام عليهم، وهم بذلك يبتعدون كل البعد عن حقيقية الصيام ويضيعون أهدافه التي شرع من أجلها...

عادات اجتماعية مرفوضة

يقول الدكتور حمدي طلبة أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة بالزقازيق: للأسف الشديد جرت العادة على الإسراف في الطعام والشراب خلال شهر رمضان، حيث ينظر البعض إلى فترة الإمساك على أنها فترة حرمان يجب تعويضها عقب انطلاق مدفع الإفطار مباشرة؛ ولذلك فهم يحرصون على أن تكون المائدة الرمضانية زاخرة بأشكال وأنواع لا حصر لها من الأطعمة والحلويات والفاكهة والمشروبات، هذا بخلاف الياميش والمكسرات وما يلزم فترة السهرة، وفي معظم الأوقات لا يتم إلا تناول أقل القليل من كل هذا ويكون مصير المتبقي سلة المهملات!!.

د. حمدي طلبة

كذلك فمن العادات الاجتماعية والتقاليد الخاصة بهذا الشهر إقامة الولائم والعزومات والموائد، وهذا الأمر طيب ومرغوب فيه إذا تم في إطار الترشيد والاعتدال فهو يقوي الروابط الإنسانية والاجتماعية وهو صورة للتكافل، كما يدعم صلات الرحم ويزيد من حميميتها، لكن هذه العادات تأخذ شكلاً سلبيًّا لدى البعض، حيث يدفعهم حب التباهي والتفاخر إلى الإسراف المبالغ فيه وتكديس الموائد بأنواع وكميات كثيرة من الطعام في صورة إسرافية مرفوضة تمامًا، فالدين الإسلامي حث على الوسطية والاعتدال ووضع الأموال في نصابها الصحيح. يقول سبحانه: "والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا"، أي وسطاء فلا للإسراف ولا للتقتير... ويرى الدكتور طلبة أنه من غير المعقول أن تكون ميزانية الأسرة عاجزة عن مواجهة تكاليف الحياة العادية، ونقوم بزيادة بنودها في شهر رمضان من أجل الإنفاق على الطعام والشراب وإضاعة الحكم الجليلة التي شرع من أجلها الصيام. ويضيف: بل إن هناك بعض الأسر التي تقوم بالاقتراض والاستدانة في هذا الشهر، في حين أنه الشهر الوحيد الذي يمكن الاقتصاد فيه لو جعلنا احتفالنا به يتم بصورة صحيحة بعيدًا عن الإسراف وعن العادات الاجتماعية المرفوضة.

المحافظة على الصحة

د. مصطفى نوفل

الدكتور مصطفى نوفل أستاذ علوم التغذية كلية الزراعة بجامعة الأزهر يشدد على أهمية: أن يعي الجميع أن من الحكم التي شرع من أجلها الصيام المحافظة على الصحة والحيوية لكافة أجهزة الجسم، وكذلك الشفاء من الأمراض التي يصاب بها الإنسان نتيجة لتخمة البطن والإسراف في تناول الطعام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرًّا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه"..

ويبين الدكتور نوفل: أن الصوم فرصة عظيمة لراحة المعدة، وأن تقليل كمية الطعام المتناولة من أهم الأسباب التي تحقق الصفاء الروحي في الصلاة وقراءة القران وأداء العبادات والمولى يقول في الكتاب الحكيم: "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين".. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "وكلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير مخلية ولا سرف".. كما يقول صلى الله عليه وسلم: "نحن لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع".. ويتساءل الدكتور نوفل ويقول: لماذا أصبح التعبير عن الفرحة برمضان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالإسراف في الأكل؟!.

مشيرًا إلى: إن الإسراف مرفوض بكل صوره، ولا يصح أن نفسد شهر رمضان بالسلوكية الغذائية البغيضة التي تتنافى مع حكمة الصوم والذي يُعَدّ نوعًا من التأديب للنفس البشرية وتهذيبًا لها.

لا للعصيبة والانفعال

وينفي الدكتور/ محمد محمود نجيب أستاذ علم النفس بكلية الآداب جامعة حلوان: الاعتقاد بأن الصيام وراء زيادة معدلات العصبية والانفعال بين الصائمين. ويقول: من الخطأ الاعتقاد بأن الصيام هو السبب وراء الانفعال والعصبية الزائدة لدى الصائم، بل على العكس فالصيام شعيرة دينية تدعم الجهاز النفسي للإنسان فتساعده على السيطرة والتحكم في سلوكه، والقدرة على ضبط النفس عند الغضب. كما يساعد على تقوية وشحذ الضمير والذات المثالية. فالتزام الصائم بالامتناع عن الطعام والشراب والملذات يتطلب جهدًا إيجابيًّا قويًّا يصدر عن ضمير صاف للجمع بين التزام الأعضاء وضبط المشاعر. والصوم يزيد من قوة الضمير الذي يُعَدّ أكبر نعمة منحها الله للإنسان. ويرجع الدكتور/ محمد نجيب السبب هذا السلوك السلبي خلال هذا الشهر الروحاني الكريم إلى عدة أسباب، منها أن تكون البنية النفسية للصائم نفسه مشتعلة دائمًا، وبالتالي تكون مهيأة للانفعال في كل الأوقات. فيمارس هذا الشخص ميكانيزم الإسقاط بطريقة لا شعورية فيأخذ من الصيام حجة لتحليل هذا الانفلات النفسي. إلا أن النصيب الأكبر من التوتر والعصبية الزائد يكون لأصحاب العادات السلوكية المتطرفة في تناول المشروبات الغنية بالمواد المنبهة والمخدرة كالنيكوتين والكفايين.. وهي مواد لها تأثير على الجهاز العصبي، خاصة إذا اعتاد الإنسان تناولها في أوقات منتظمة وبجرعات عالية في الأيام السابقة للصوم؛ لذلك تكون تلك الفئة من الصائمين هي الأكثر عرضة لتغيير المزاج العام فيثورون لأتفه الأسباب. ولعلّ السبب في ذلك أن هذه المواد المتوفرة في الشاي والقهوة والسجائر... إلخ مواد ذات طبيعة نفسية. فعندما يتعرض الجهاز العصبي لنقص تلك المواد تتغير إفرازات الغدد التي تحافظ على توازن وحدة الجسم - النفسي لذلك فأية تغييرات تؤثر على الجهاز العصبي (الجسمي) من المتوقع أن يكون للصيام تأثير سلبي واضح عليهم؛ لذلك أنصح كل فرد أن يمارس سلوكًا معتدلاً في تناول المنبهات خاصة قبل شهر رمضان. فقد أثبتت الدراسات الطبية الحديثة وجود علاقة طردية بين كمية المنبهات التي يتناولها الشخص وبين معدل التوتر والعصبية التي يصاب بها عند الامتناع عنها. وليضع كل إنسان نصب عينيه دائمًا أن الصيام من أعظم ساحات الجهاد الروحي للإنسان في الإسلام وعليه ألا يخرج من هذه الساحة مهزومًا لفشله في التحكم في توتراته وانفعالاته التي كثيرًا ما تفسد صوم الكثيرين.

الكسل وإهدار الوقت

د. عبد المقصود باشا

ويستنكر الدكتور عبد المقصود باشا أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية: حالة الكسل والخمول التي تصيب عدد غير قليل من الصائمين في رمضان، ويقول: بالرغم مما تؤكده النصوص الدينية والأبحاث العلمية من أهمية الصوم وآثاره الجليلة روحيًّا ونفسيًّا وصحيًّا فإن واقع المسلمين اليوم بعيد عن أهداف ومدلولات هذه الشعيرة الدينية الجليلة. فمن المؤسف والمخجل ألا يستوعب المسلمون مقاصد الصوم ونجد المجتمع صورة ماثلة للكسل وإهدار الطاقة والوقت والاستهلاك الفوضوي البعيد عن الوعي العقلاني. وقد أوضح الإمام أبو حامد الغزالي ما لجوع الصائم من فائدة فيقول: (الصيام زكاة للنفس ورياضة للجسم وداع للبر فهو للإنسان وقاية وللجماعة صيانة.. وفي جوع الجسم صفاء القلب وإيقاد القريحة وإنقاذ البصيرة؛ لأن الشبع يورث البلادة ويعمي القلب ويكثر الشجار في الدماغ فيتبلد الذهن...)، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتاكم رمضان شهر يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه ويباهي بكم ملائكته. فأروا الله من أنفسكم خيرًا فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله". فكيف يرى الله ما في أنفسنا من خير من دون عمل؟ وكيف تتنافس في العمل من دون جد ونشاط؟ فالصائم الحق هو من كان الصوم دافعًا لإتقان العمل فيراقب الله في سره وجهره فلا يكسل أو يهدر الوقت بلا فائدة.

ويشير الدكتور عبد المقصود إلى أن التاريخ خير دليل على انتصار خواء البطن على إتخامها فيقول: كم من معركة حربية نشبت في رمضان والجنود المسلمون صائمون وكان النصر من نصيبهم؟؟، نتذكر منها موقعة بدر وفتح مكة وفتح الأندلس وغيرها وفي التاريخ الحديث نصر أكتوبر المجيد؛ لذلك فإن ما يفعله المسلمون اليوم يُعَدّ خروجًا عن منهج الدين القويم. فالإسلام يحارب الكسل؛ لقوله تعالى: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون". كما يدل إهدارنا للوقت على غياب مفهوم ثقافة الإيمان بالعمل، وهو ما جعل الصيام مجرد شعيرة نؤديها دون إتقان للعمل وعلى رأسه الصيام. قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"؛ لذا أناشد كل مسلم بألا يأخذ من الصوم مظهره دون مخبره، وليكن رمضان معسكرًا إيمانيًّا لتجنيد الطاقات وشحذ الهمم وتقوية العزائم. لتحقيق الآمال. ولنكن ممن جعلهم الله ضوءًا يقتدي به فيكون إحساننا لصومنا باستثمار كل دقيقة في الشهر الكريم.

احترام آداب الصيام

أما فضيلة الشيخ ناجي يادم عضو لجنة الفتوى بالأزهر فيقول: رمضان هو شهر العبادة وتفتح فيه أبواب الجنة وتغلق أبواب النار، والمسلم عليه أن يكثر فيه من أداء الفرائض والنوافل ويصل رحمة ويساعد كل محتاج، ويحرص على فعل كل ما من شأنه أن يقربه من المولى عز وجل.. كما أن عليه ألا يقع فريسة سهلة لوسائل الإعلام، فالقنوات المحلية والفضائية ما إن يبدأ شهر رمضان حتى يبدأ التنافس بينها لجذب أكبر عدد من المشاهدين، وتكون الشاشات مكتظة بأعداد لا حصر لها من البرامج والمسابقات والأعمال الدرامية.

وما يشاهده المسلم على تلك الشاشات إن كان من الأمور المباحة ولا يشغل عن العبادة والعمل فلا بأس به ولا يوجد ما يمنع من المشاهدة، خاصة أن هناك قنوات أخرى تقدم العري والفساد والانحلال، وتفرغ الصائم لمشاهدة تلك القنوات أمر مرفوض تمامًا ويخرج بالمسلم عن لياقة وآداب الصيام كما أنه يضر بالصيام وقد يفسده.

ويقول يادم: والأجدر بالمسلم في هذا الشهر الكريم أن يقضي وقته في العمل والعبادة، وأن يثابر على قراءة القرآن؛ إذ إن فيها هدى وطمأنينة وهداية للنفس، وأن يتذكر أن للشياطين وساوس إن رضخ لها فليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ومشاهدة ما يحرم النظر إليه بلا شك يؤثر على صيامه وينقصه، فالحكمة من الصيام هي التقوى يقول سبحانه وتعالى: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كُُتب على الذين قبلكم لعلكم تتقون".

وعلى المسلم أن يحفظ صيامه عما حرم الله ويجعل شهر رمضان مصرفًا للطاعة والعبادة وفعل الخير، ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا يقومون بالاستعداد لاستقبال الشهر الكريم بعقد حلقات الذكر وحلقات العلم النافع وبالسؤال عن كيفية أداء صلاة التراويح والتهجد، وما هي الأعمال التي يجب أن يحرص المسلم على أدائها.. وكانوا يحرصون كل الحرص على عدم إضاعة الوقت فيما لا يفيد ولا يعود على المجتمع الإسلامي بالنفع... إن الصيام تهذيب وتقويم للنفس وعمل وعبادة وليس مجرد امتناع عن تناول الطعام.

الضيق من الصيام

ويوضح الدكتور أحمد محمود كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية والعربية للبنين جامعة الأزهر: إن من السلوكيات المرفوضة شرعًا وعقلاً وعرفًا التبرم والضيق من الصيام. ويقول: يلجأ فاعل هذا إلى تصرفات تدل على ذلك، منها النوم دون داعٍ أو لفترات طويلة أو القيام بالتسكع في الطرقات وإضاعة الوقت وإهداره بصورة سلبية لا تفيد، وعدم ضبط تصرفاته، وسوء معاملته للآخرين والتعلل بأن ذلك نتاج الصيام، وكل ذلك من صور سلبية مرفوضة يناقض حكم وأهداف الصيام، ويتنافى والأداء الصحيح للصيام والذي يختل بهذه التصرفات أو يبطل شرعًا فقد ينقص مع صحته مقدار ثوابه، مع ما فيه أيضًا من إعطاء صورة سيئة ودعاية أكثر سوءًا للعبادات الإسلامية.

ويؤكد الدكتور كريمة أن كل مسلم عليه أن يعلم أن الفقهاء قد اتفقوا على أن المقصود من التكاليف الشرعية ابتلاء المكلف، فيرى هل يطيع الشارع فيؤدي المأمورات ويتجنب المنهيات؟ يقول المولى: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين".

والصوم من العبادات التي تقوّم السلوك وتهذب الطباع، وعلى هذا فالصائم يجب عليه مراعاة البعد السلوكي الصادر في أداء الشعيرة قال تبارك وتعالى: "ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب".

الصوم مدرسة

د. سعاد صالح

أما الدكتورة سعاد صالح أستاذة الفقه والعميد الأسبق لكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر فتؤكد أن الحكمة من الصوم هي الحصول على التقوى؛ لقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"، وفي هذا النص الكريم يبين المولى أن الحكمة من الصيام هي الحصول على التقوى، ومعنى التقوى أن يجعل المسلم بينه وبين عذاب الله وقاية، وذلك بالامتثال إلى أموره واجتناب نواهيه، ويجب أن نعلم أن الصوم مدرسة تجمع بين صنوف المناهج التربوية والتهذيبية والاجتماعية والاقتصادية، ومن أجل هذا فإن الله قد نسب عبادة الصوم له يقول الرسول صلى الله علية وسلم: "قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"، إلا أنه قد جد على الساحة الإسلامية الآن بعض المظاهر التي لا تتناسب مع معاني الصوم والحكمة المطلوبة من أجله والتي قد تتسبب في إنقاص الثواب والأجر المترتب على الصوم، وأهمها الإسراف والتبذير التبرم والضيق من الصيام، وإضاعة الوقت، والكسل، وعلينا أن نتقي الله في كل تصرف لنا، وأن نلتزم بمنهج الإسلام فيه، وأن نسارع بالاستفادة من مدرسة الصوم التي فيها مجاهدة للنفس ولشهوات الحياة الدنيا، ونبتعد عن كل السلوكيات التي تبعدنا عن جوهر وحقيقية الصوم حتى يتحقق لنا التقوى المرجوة من الصوم.


**صحفية مصرية بجريدة اللواء الإسلامي

رمضان في صور
حدث في رمضان
بطاقات تهنئة
إمساكية
أدعية
استشارات الزكاة
New Page 2