 |
|
جنود أمريكيون يقاتلون في قلب جبال تورا بورا بأفغانستان |
لم يلتفت أحد في خضم الاحتفالات
الأمريكية المتكررة بذكرى اعتداءات 11
سبتمبر 2001 الخامسة الشهر الماضي،
والاتهامات الغربية لبعض العرب والمسلمين
بشن "حملة إرهابية" على أمريكا
والغرب منذ ذلك التاريخ، إلى حقيقة أخرى
باتت مؤكدة وربما كانت معدة وجاهزة
للتنفيذ من قبل، واتخذت من هجمات سبتمبر
حافزا ومبررا لها.
هذه الحقيقة هي أن الولايات
المتحدة الأمريكية دشنت بدورها "حربا
إرهابية" عقيدية ضد العرب والمسلمين،
بدأتها في 7 أكتوبر 2001 بغزو أفغانستان
وأتبعتها بغزو العراق في إبريل 2003، إضافة
إلى دعم إسرائيل في حربها الأخيرة على
لبنان، وتوشك على استكمال ذلك بضرب إيران
وإرسال قوات دولية للسودان، ربما لا يعرقل
تسريع تنفيذهما سوى حالة الفشل التي نتجت
عن الحربين الأوليين، وانعكاسهما علي
الداخل الأمريكي.
فلم يعد سرا الآن بعد مرور 5 أعوام
على تدشين "حرب الإرهاب الأمريكية"
أن الجناح المسيحي اليميني المتطرف في
حكومة بوش كان يخطط لحملات إستراتيجية
عسكرية لإعادة بناء العالم وفق رؤية
أمريكية دينية متطرفة تصنف العالم لمحوري
أو معسكرين (الخير والشر)، وأن هذه الرؤية
انعكست بالفعل على العديد من المشاريع مثل
"الإعلان الإمبراطوري الأمريكي" و"إستراتيجية
الأمن القومي الأمريكية" وغيرها من
الخطط الخارجية لنشر الهيمنة الأمريكية.
وفي الوقت الذين يجري الترويج
فيه لما يسمى "محاربة الإرهاب"،
وتقدم دعاوى -ثبت كذبها- عن خطر أسلحة
الدمار الشامل أو إنقاذ الإنسانية لتبرير
الحروب الأمريكية، وإحصاء ضحايا هجمات
سبتمبر 2001، لا يلتفت أحد للنتائج المدمرة
لحرب الإرهاب الأمريكية هذه ماديا
ومعنويا وسياسيا وحتى دينيا.
فإذا كانت هجمات 11 سبتمبر 2001
خلّفت آثارا مادية وسياسية على أمريكا
وزادت كراهية الغربيين للإسلام كما قيل،
فقد أدت حروب الإرهاب وتوسيع النفوذ
الأمريكية ليس فقط لدمار إنساني وبشري،
ولكن لهدم قيم العدالة في العالم وهدم دور
الأمم المتحدة وتطويعها أداة في يد واشنطن
وخرق الشرعية الدولية بعدما أصبحت الأمور
تقاس بالقوة العسكرية، فضلا عن إشعال حرب
الحضارات وفق أسس دينية، وبذر بذور فتن
دينية وطائفية وعرقية في كل أنحاء المنطقة
العربية ستستمر نتائجها تتفاعل سنوات
طويلة مستقبلا.
70 ألف ضحايا حروب بوش
فاعتداءات سبتمبر على أمريكا
خلّفت 2973 قتيلا أمريكيا فقط، في حين أن حرب
بوش الإرهابية خلّفت أكثر من 72 ألف قتيل في
أفغانستان والعراق، غير 3 آلاف جندي
أمريكي قتيل في العراق وأفغانستان، ناهيك
عن عشرات الآلاف من الجرحى والمعطوبين
والمعوقين والمدمرين نفسيا و"غير
القابلين لاستئناف الخدمة العسكرية" في
أمريكا والعراق وأفغانستان، كما عمقت
الكراهية في العالم الإسلامي تجاه الغرب،
وشجعت سلسلة اعتداءات صهيونية غير محدودة
قلصت فرص التسوية السلمية في الشرق الأوسط.
إن حصيلة 5 سنوات من "الحرب
الشاملة على الإرهاب" التي استتبعت
ضربتي نيويورك وواشنطن، أفرزت واقعا
جديدا في العالم تم بموجبه حصار وتوظيف كل
شيء سياسيا أو اقتصاديا وحتى الديمقراطية
وحقوق الإنسان لصالح (الأمن) الذي بات
الهاجس الأول في العالم وبموجبه تصادر
الحريات، ويجري قتل آلاف الأبرياء بدعوى
الاشتباه، بل وازدواجية المعايير دوليا
بشكل يمنع مثلا خضوع الأمريكيين لمحكمة
الجرائم الدولية التابعة للأمم المتحدة.
وقد حاولت صحيفة "الإندبندنت"
البريطانية أن ترصد في الذكرى الخامسة
لاعتداءات سبتمبر حصيلة رد الفعل
الأمريكي المبالغ فيه ضمن حرب الإرهاب،
فأكدت أن 70 ألف شخص حول العالم قد لقوا
حتفهم نتيجة للحرب على الإرهاب التي
أطلقها الرئيس الأمريكي جورج بوش نتيجة
لانهيار برجي مركز التجارة العالمي في
نيويورك، وأن تلك الحرب كلّفت أمريكا
أموالا تكفي لسداد جميع ديون الدول
الفقيرة على وجه الأرض، ومع ذلك يصر
الرئيس بوش أن حروبه في العراق وضد
الإرهاب "تبقي الأمريكيين في أمان".
وربما كانت انتخابات التجديد
النصفي المقررة في نوفمبر 2006 فرصة ثمينة
لكشف حساب هذه الحرب الإرهابية الأمريكية
من الداخل الأمريكي نفسه، دفعت بزعيم
الديمقراطيين بمجلس الشيوخ السناتور "هاري
ريد" إلى القول "إنه بعد 5 أعوام منذ 11
سبتمبر لا يزال الشعب الأمريكي بعيدا عن
حالة الأمن التي يتعين أن نكون عليها".
وتلك الحرب الأمريكية لم تقضِ
على "الإرهاب" المزعوم، بل على العكس
زادت حدته ووسعته، فعقب بدء تلك الحرب
المزعومة شهد العالم حوادث مأساوية في
كثير من الدول بعضها حليف لواشنطن، مثل
"تفجيرات بالي" بإندونيسيا 2002،
تفجيرات الرياض بالسعودية في مايو 2003 وبعد
أقل من شهر تفجيرات أخرى في الدار البيضاء
بالمغرب، وتفجيرات مترو لندن ومترو
مدريد، وتفجيرات الأردن 2005، وتفجيرات مصر
2005.
كما أن محاولات الولايات المتحدة
تغيير الخريطة السياسية لدول المنطقة
تارة تحت اسم "الشرق الأوسط الكبير"،
وأخرى بمسمى "الشرق الأوسط الجديد"،
بدعوى أن الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة
في تلك المنطقة إضافة لغياب الديمقراطية
يشكلان أهم روافد الإرهاب في تلك المنطقة،
قد باءت بدورها بالفشل، بل وأنتجت آثارا
عكسية في صورة تحالف وثيق أكبر بين واشنطن
وهذه "الأنظمة الديكتاتورية" بعدما
ظهر لها أن الديمقراطية والحرية جاءت بهذه
القوى الإسلامية التي تخشاها أمريكا
والأنظمة على حد سواء، وهو ما رفع حدة
الغضب الشعبي ضد الأنظمة وأمريكا على
السواء.
اعترافات أمريكية متأخرة
ويبدو أن هذا التخبط الأمريكي
وإشعال الحروب العسكرية والدينية
والاقتصادية في العالم نتيجة مغامرات
حكومة بوش اليمينية المتطرف وبشكل ينذر
بفوضى عالمية، أنتج اعترافات أمريكية
متأخرة بفشل هذه الحرب الأمريكية على
الإرهاب ومخاطرها خصوصا بعدما استخدمت
مصطلحات مثل "الحروب الصليبية" و"الفاشية
الإسلامية" وبعدما ظهرت معالم الورطة
في أوحال العراق وأفغانستان، وهو ما ظهر
في حالتين:
(الأولى) اتجاه سياسي يتمثل في
محاولات أمريكية رسمية لتنشيط الجانب
الدبلوماسي ودور وزارة الخارجية والظهور
بشكل أكثر برجماتية -لا عقيدي كما هو الحال
في السنوات الخمس الماضية- وذلك على حساب
دور المحافظين الجدد من أمثال تشيني
ورامسفيلد الذين تصاعدت الأصوات للمطالبة
بإقالتهم نتيجة فشلهم. وضمن هذا جاء تنشيط
دور "كارين هيوز" ثالثة مسئولة
أمريكية تتولي منصب مساعد وزير الخارجية
"للدبلوماسية العامة" المسئولة بهدف
"تحسين" صورة الولايات المتحدة في
العالم الإسلامي.
(الثاني) اتجاه بحثي إستراتيجي
يسعي لطرح مشروعات جديدة وإستراتيجية
أمريكية كبرى (مختلفة في العلاقات
الخارجية عن أفكار "الإمبراطورية
الأمريكية" وتغيير العالم)، ويعمل على
إصلاح الوجه الأمريكي القبيح في الخارج،
ومعالجة التهديدات التي باتت تواجه
أمريكا وتزايدت في أعقاب تدشين حرب بوش
الإرهابية في أكتوبر 2001.
وربما كانت أبرز هذه المشاريع
البحثية هو (مشروع برينستون للأمن القومي)
ذلك المشروع الذي كشف عنه مؤخرا وخرج
للنور بعد عامين من المشاورات مع أكثر من
400 عضو من نخبة السياسة الخارجية
الأمريكية والذي يعد أحد المشروعات التي
يرأسها اثنان من الأكاديميين البارزين
على المستوى الدولي يدعو لتبني
إستراتيجية أمريكية كبرى في العلاقات
الخارجية، لمعالجة التهديدات المتعددة
وتقوية التزام واشنطن بنظام إصلاحي قوي
ومتعدد الجوانب.
فهذا التقرير المهم أكد أن
سياسات ما بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001
التي اتبعها الرئيس جورج دبليو بوش لم تكن
فقط "سطحية" للغاية، ولكنها جاءت
بنتائج عكسية، في مقابل التحديات التي
تواجه الولايات المتحدة في القرن الحادي
والعشرين، وشدد على أن السياسة الأمريكية
يتعين عليها -حتى تكون أكثر فاعلية- أن
تعتمد بشكل أقل على القوة العسكرية وبشكل
أكبر على أدوات الدبلوماسية الأخرى.
ولأن الإفراط الأمريكي في
استخدام القوة هو المعضلة الحقيقية ومربط
الفرس ومصدر المشاكل، فقد حرص تقرير
برينستون -الذي جاء بعنوان "تشكيل عالم
من الحرية في ظل القانون: الأمن القومي
للولايات المتحدة في القرن الواحد
والعشرين"- على التوصية بأنه يتعين على
الولايات المتحدة أن تعتمد بصورة أقل على
ممارسة قوتها بشكل أحادي الجانب وبشكل
أكثر على التعاون مع الدول الديمقراطية
الأخرى، وبشكل أقل على عمليات التحول
السريعة نحو الديمقراطية المرتكزة على
الانتخابات الشعبية وبشكل أكبر على بناء
ما يسمى بـ"الحكومات الشعبية المسئولة
والتي تراعي للحقوق".
ويدعو التقرير أيضا إلى عمل "جراحة
جذرية" للمؤسسات الدولية التي تم
إنشاؤها في أعقاب الحرب العالمية
الثانية، تتضمن عضوية أكبر في مجلس الأمن
وتطوير "ديمقراطيات متناغمة" تقدم
منتدى بديلا للتحرك الجماعي، بما في ذلك
استخدام القوة، و"أخذ الصدارة في
القيام بكل ما هو ممكن" للتوصل إلى حل
شامل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي على
أساس وجود دولتين، كما يدعو إلى تقديم
الضمانات الأمنية لإيران في مقابل
موافقتها على عدم تطوير قدراتها لامتلاك
أسلحة نووية.
هذا ويطالب التقرير واشنطن بألا
تقوم بمنع أو احتواء الصين، بل أن تساعدها
في تحقيق طموحاتها المشروعة داخل النظام
الدولي الحالي.
وما يلفت النظر هو أن المجموعة
التي وضعت التقرير هم من المسئولين
الأمريكيين رفيعي المستوى مثل جورج شولتز
الذي عمل في منصب وزير الخارجية في عهد
الرئيس الأسبق رونالد ريجان، ووزيرة
الخارجية الحالية كوندوليزا رايس،
وأنتوني ليك مستشار الأمن القومي في إدارة
الرئيس السابق بيل كلينتون.
إن حرب أكتوبر 2001 الأمريكية التي
بدأت بغزو أفغانستان ولم تنته بغزو العراق
حتي الآن جاءت بالتالي بنتائج أكثر خطورة
من اعتداءات 11 سبتمبر 2001، وجعلت العالم
أقل أمنا واستقرارا، ومخاطرها الحقيقية
تمثلت في أن من قام بها هي أكبر وأقوى دولة
في العالم، ولذلك سعت لتجنيد المؤسسات
والمنظمات الدولية وحكومات العالم في
ركابها لتنفيذ رغباتها.
أما أبرز وأهم معلم كشفت عنه هذه
الحرب الإرهابية الأمريكية، ونوه به ضمنا
تقرير برينستون الأخير، فقد تمثل في نجاح
"المقاومة الشعبية" في فرض نفسها،
وإفشال الخطط الأمريكية لتغيير العالم...
بعد كل ذلك هل تأخذ إدارة بوش العبرة أم
يزداد العالم فوضى فوق فوضاه؟.
|