 |
|
بابا الفاتيكان بنديكيت السادس عشر |
لم يختلف رد الفعل العربي الرسمي
كثيرا في أزمة إساءة بابا الفاتيكان
للإسلام في خطابه يوم 12 سبتمبر 2006، عن ذات
رد الفعل الذي حدث إبان أزمة الإساءة
الدانماركية (أواخر عام 2005)، حيث تلخص
الموقف -في الحالتين- في مسارعة عدد من
قادة وحكومات ووزراء الخارجية لتوظيف "الحدث"
سياسيا، سواء للمزايدة على التيارات
الإسلامية في بلادهم والظهور بمظهر حامي
حمى الإسلام، أو للاستفادة من هذه الأزمات
في معادلة الضغوط الغربية عموما على
الحكومات، والتي تصاعدت ولا تزال منذ 11
سبتمبر 2001.
ومع أن الفارق بين الإساءتين لا
يتعدى قرابة العام، وبرغم أن الإساءة
الثانية –لبابا روما– كانت أخطر من
الأولى –لصحيفة دانماركية– خصوصا أنها
جاءت أشبه بالتبرير الديني لما يسمى "حملة
الإرهاب" الأمريكية، فقد أظهر رد الفعل
العربي الرسمي اهتماما أقل في الحالة
الثانية، ولم تستفد الحكومات من أخطائها
في الحالة الأولى، بل ودافع قادة مثل رئيس
موريتانيا عن البابا ونفوا أنه أساء
للإسلام، الأمر الذي ربما يبرر سر هذه
الجرأة من جانب البابا وأطراف غربية أخرى
للتطاول على الإسلام.
الموقف الرسمي يزايد على
الشعبي
والأكثر إثارة للقلق –من
استقراء ردود الأفعال الحكومية العربية
والإسلامية - أن التحركات الرسمية التي
زايدت بعض الحكومات فيها على التحركات
الشعبية أحيانا، لم تسع لتوظيف الحدث
سياسيا، بمعنى الاستفادة منه خارجيا
لصالح المسلمين ككل، بقدر ما سعت كل حكومة
لتوظيفه داخليا لتحقيق مصلحة داخلية
للحكم أو لرئيس منتخب، ما يكشف أن هناك
فارقا مرعبا بين التوظيف السياسي الحقيقي
للحدث والاستفادة منه في تحقيق أهداف عامة
للمسلمين في مواجهة الغير، وبين
التوظيفات الذرائعية لتحقيق مصالح مؤقتة
زائلة تنصب على منافسة قوى أخرى سياسية
داخلية.
فرد الفعل العربي الرسمي الأهم
جاء من اليمن والسعودية ومصر، حيث طالب
الرئيس اليمني علي عبد الله صالح بابا
الفاتيكان بينديكت السادس عشر بالاعتذار
للأمة الإسلامية عن تصريحاته التي أساء
فيها إلى الإسلام، وقال في مهرجان انتخابي
في استاد "ذمار الرياضي" إنه إذا لم
يقدم البابا اعتذارا عن هذه التصريحات فإن
بلاده ستعيد النظر في علاقاتها مع
الفاتيكان.
فيما أعربت المملكة السعودية -في
رسالة وجهها وزير الخارجية السعودي
الأمير سعود الفيصل إلى وزير خارجية
الفاتيكان- عن استيائها وألمها لما تحدث
به البابا و"شعورها بعميق الأسف"
للاقتباس الذي أورده عن سيرة الرسول
الكريم وعما أسماه بنشر الإسلام بحد السيف
وما تضمنته المحاضرة من منطق استخدم كمبرر
للحروب الصليبية التي شنت على العالم
الإسلامي في نفس الوقت الذي تسعى فيه
الأمة الإسلامية جاهدة لفتح حوار حقيقي
وفاعل بين الأديان والحضارات وعلى رأسها
الديانة المسيحية.
وفيما يتعلق بمصر، فنقل متحدث
باسم وزارة الخارجية المصرية عن وزير
الخارجية أحمد أبو الغيط دعوته لـ"تكثيف
الجهود الجارية لتعزيز الحوار والتقارب
بين الحضارات والأديان وتفادي كل ما من
شأنه إذكاء الخلافات المذهبية والعقائدية".
وإذا استثنينا الموقف اليمني؛
لأنه جاء في مناسبة انتخابية بحتة، وكان
موظفا لصالح الحملة الانتخابية للرئيس؛
ولأن تهديدات الرئيس اليمني بقطع
العلاقات مع الفاتيكان لم تتحقق رغم رفض
البابا الاعتذار، سوف نلاحظ أن الموقفين
المصري والسعودي سعيا للتعامل مع الحدث
سياسيا عبر وزارتي خارجية البلدين وليس
عبر قادة البلدين، كما تم الدفع
بالمؤسستين الدينيتين فيهما (مفتي
السعودية وشيخ الأزهر) للتصدي لإساءة
البابا دون أن يصدر رد فعل رسمي قوي مشابه
لمواقفهما إبان أزمة إساءة "صحيفة"
دانماركية للإسلام.
بل إن التحرك الرسمي الإسلامي
الذي قاده وزراء خارجية دول منظمة المؤتمر
الإسلامي الـ57 في 26 سبتمبر 2006، والذي طالب
بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر بسحب أو
تعديل خطابه المسيء للإسلام وللنبي محمد
صلى الله عليه وسلم في محاضرته بألمانيا،
جاء متأخرا –شأن الموقف من الإساءة
الدانماركية- بأسبوعين، ولم يسع بدوره
لتوظيف الإساءة لصالح العالم الإسلامي
بقدر ما سعى للحصول على اعتذار فقط "خشية
حدوث نوع من التوتر بين العالم الإسلامي
والفاتيكان، مما يعوق المصالح الحقيقية
للطرفين".
البابا.. وتوظيف الإساءة!
والأغرب وعلى عكس المأمول تماما،
أن البابا بنديكت هو الذي نجح في توظيف
خطابه وإساءته للمسلمين لصالح الكنيسة
ولصالح الغرب وإظهار أن العنف وغياب العقل
أمران مرتبطان بالمسلمين، ومن ثم الضغط
على العرب والمسلمين كي ينبذوا العنف
والإرهاب، بل وفرض شروط للكنيسة لما يسمى
"حوار الأديان".
فالهدف الرئيسي لخطاب وإساءة
البابا كان إظهار أن الإسلام لا يعرف سوى
لغة السيف ولا يؤمن بالعقل، وعندما ألقى
خطابه تعمد أن يأتي هذا الكلام في اليوم
الثاني للذكرى الخامسة لتفجيرات 11 سبتمبر
في أمريكا عام 2001 لينقل رسالة مباشرة بأن
الإسلام دين عنف وإرهاب، وحتى حينما التقى
سفراء الدول الإسلامية ركز على ضرورة "نبذ
العنف" ودعاهم للحوار، ما يؤكد قناعته
أن الإسلام دين عنف ولا يصلح للحوار!.
بعبارة أخرى نجح البابا في فرض
شروط الكنيسة الكاثوليكية لحوار الأديان
مع العالم الإسلامي حينما ربط بين عنف
المسلمين وبين الحوار وكأنه يقول إن سبب
فشل الحوار هو تشدد المسلمين، وظهر هذا
حينما قال لاحقا: إن نيته الحقيقية كانت
"شرح أن الدين والعنف لا يتوافقان لكن
الدين والعقل متفقان". وكذلك حينما
استغل خطابه في إظهار تفوق المسيحية على
الإسلام من الناحية العقائدية فيما قاله
عن اعتزاز المسيحية بالكلمة (الحوار)
واتباع الإسلام طريقة السيف، والأخطر أنه
نجح في النهاية في توفير الغطاء الديني
لحرب أمريكا السياسية والعسكرية على
العالم الإسلامي وأعطى الضوء الأخضر
لتواصلها واتساعها لتشمل دول أخرى غير
العراق وأفغانستان وبصورة ما السودان!.
أسباب فشل التوظيف الرسمي
العربي
ويمكن القول إن محاولة العديد من
الأنظمة العربية الاستفادة من إساءة
البابا وتوظيفها سياسيا قد فشلت هذه المرة
بصورة ذريعة لأسباب تتعلق بضعف الأداء
السياسي العربي للأنظمة من جهة، وأخرى
تتعلق بجوهر عملية التوظيف السياسي
والهدف منها، حيث انصب التوظيف –كالعادة–
على تحقيق مكسب مؤقت لتلميع الأنظمة،
والمزايدة على رد الفعل الشعبي، دون تخطي
هذا لمرحلة الاستفادة من الأزمة في توظيف
طويل الأمد يفيد الأمة الإسلامية ككل أو
يشرح حقيقة الإسلام.
ففيما يخص ضعف الأداء العربي
الرسمي يلاحظ أن:
- رد الفعل العربي الذي تمثل في
إصدار عدد من رؤساء وقادة وحكومات ووزارات
خارجية عدة دول عربية بيانات استنكار
ودعوات لاعتذار البابا، لم يختلف كثيرا عن
ذات الدعوات الطالبة باعتذار دانماركي
رسمي إبان أزمة الرسوم المسيئة، فكلاهما
جاء متأخرا عن سياق الحدث الأصلي، وفي
أعقاب تصاعد رد الفعل الشعبي بأسابيع، وفي
أعقاب خروج مظاهرات شعبية، ما سبب حرجا
للحكومات وأظهرها بمظهر الضعيف المتساهل
مع الإهانة الغربية للإسلام.
- أن رد فعل المؤسسات الدينية
الرسمية تأخر كثيرا، وأعقب صدور تصريحات
رسمية، وهو ما ظهر بوضوح في مصر والسعودية،
حينما تأخر رد المؤسسة الدينية ما دفع
نواب في البرلمان المصري لاتهام شيخ
الأزهر بالتخاذل، ولذلك حينما ردت
المؤسسات الدينية ردت بغضب وقوة ورفضت أي
لقاءات مع البابا لتبرير تصريحاته وأصرت
على الاعتذار، وجمدت حوار الأديان القائم.
 |
|
مظاهرات في العاصمة المصرية ضد تصريحات بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر |
- رد الفعل الرسمي العربي كان
قويا في الدول التي تشهد انتخابات وتنافسا
من قبل التيار الإسلامي للحكومة، مثل
اليمن التي صدر منها أعنف رد فعل لحد
الحديث عن قطع العلاقات مع الفاتيكان،
وعلى العكس ضعف رد الفعل الرسمي في الدول
التي حسمت فيها نتائج الانتخابات أو التي
تشهد هدوءا سياسيا مثل مصر، مقارنة برد
الفعل الأقوى خلال أزمة الرسوم
الدانماركية التي جاءت في خضم انتخابات
البرلمان المصري.
توظيف الحدث لخدمة
الأهداف الإسلامية
ويثار هنا تساؤل حول فشل عملية
توظيف الحدث بشكل صحيح، والاستفادة منه في
دفع الفاتيكان والضغط عليه مثلا لإصدار
بيان يعتذر فيه عن مآسي الحروب الصليبية
في الشرق العربي، بعدما رفض تقديم أي
اعتذار في هذا الصدد رغم تقديم طلب رسمي من
الأزهر عام 2001، وتجديده أثناء زيارة
البابا السابق لمصر.
وهنا تثار شبهة أن يكون التحرك
الحكومي العربي -ولو بدون قصد- استهدف
التوظيف السياسي للحدث بطريقة خطأ؛ لأنه
استهدف في الأساس توظيف الحدث داخليا
لصالح الحكومات، وبالتالي المزايدة على
التيارات والقوى الإسلامية بقدر أكبر من
التوظيف الخارجي وهو الأهم.
فقد كان المتوقع أن يتم
الاستفادة من حادث الإساءة الدانماركية،
وإساءة البابا معا في التخفف من حملة
الضغوط الغربية على العالم الإسلامي
عموما، وأيضا لشن حملة مضادة للتعريف
بالإسلام الحقيقي، ورفض العنصرية
والإرهاب الغربي الذي تصاعد منذ هجمات 11
سبتمبر وتحول إلى حملة إرهاب فكرية
وسياسية واقتصادية حقيقية ضد العرب
والمسلمين.
ويمكن أن ترصد بعض جوانب
الفشل في التوظيف الحقيقي لإساءة على
النحو التالي:
- كان من الممكن أن يتم الضغط على
البابا باتجاه تقديم اعتذار بديل عن
الحروب الصليبية، وإعادة تجديد طلب
الأزهر وجهات إسلامية أخرى للبابا الجديد،
وتحديدا في جلسات حوارات الأديان، خصوصا
أن رئيس لجنة حوار الأديان بالأزهر أعلن
تجميد الحوار ثم أكد الدكتور محمد سيد
طنطاوي شيخ الأزهر أن سقطة بابا الفاتيكان
"لن توقف حوار الأديان"!!.
- كان من الممكن دراسة أسلوب
اللوبي الصهيوني في التعامل مع ما يسمى
قضية "العداء للسامية" والاستفادة
منها في الضغط لتحقيق أهداف صهيونية أكبر
وابتزاز الدول العربية، وكذلك دراسة
أساليب التعامل الأمريكية مع العالم
الإسلامي عقب 11 سبتمبر وحملة "لماذا
يكرهوننا؟"، بهدف فتح أفاق التعلم
المضاد من "الإساءة الدانماركية" و"الإساءة
البابوية"، حيث وظفت أمريكا اعتداءات 11
سبتمبر لفرض نوع من التضييق على التعليم
الديني في الكثير من الدول العربية
والإسلامية، والتدخل في قضية التعليم
الديني، وعلى العكس لم يتحرك المسلمون
للمطالبة بوقف حملات التشويه للإسلام في
الكتب الدراسية الأمريكية أو على الأقل
طلب إلقاء أي رمز إسلامي محاضرة عن العقل
في الإسلام –بالمثل- في نفس الجامعة التي
تحدث فيها البابا لتوضيح الصورة المشوهة
عنه.
- المفترض في حالة الإساءة
البابوية أن يجري جهد مضاعف لإزالة ما
وفرته من غطاء ديني لحملة الإرهاب
الأمريكية، عبر الضغط على الفاتيكان
لإعادة الاعتبار للمسلمين وتبرئتهم من
العنف، والاستفادة من الضغط على
الفاتيكان لنصرة قضايا عربية وإسلامية
مثل فلسطين.
- أما أكبر فشل في التوظيف الرسمي
العربي والإسلامي لإساءة البابا فظهر في
حالة التشرذم التي ظهر عليها موقف الدول
الإسلامية والعربية، حيث أصر البعض على
اعتذار البابا واعتبار ما قاله ليس
اعتذارًا، وقبل آخرون ما قاله البابا على
أنه اعتذار، وبين الطرفين ضاع التضامن
والوحدة الإسلامية، وقد استفاد البابا من
هذا التشرذم، مثلما استفاد الأوروبيون
منه في قضية الإساءة الدانماركية، حينما
تضامنوا مع الدانمارك من خلال إعادة نشر
صحف في هذه الدول لنفس الرسوم المسيئة
لنبي الإسلام بهدف تشتيت رد الفعل العربي (المقاطعة)
وإرباكها حتى ولو كشف هذا التضامن
الأوروبي في هذه القضية سخونة صراع
الحضارات بين العالم الإسلامي والغرب!
وهذا الدرس الأخير تحديدا كان من
الممكن الاستفادة منه من "زاوية ضيقة"
تتمثل في نوع من تنسيق الأدوار بين
الحكومات العربية وبين التيارات والقوى
والمؤسسات الإسلامية التي انتفضت للدفاع
عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بحيث تضغط
الحكومات على الغرب أو البابا للاعتذار،
ونستفيد منه من زاوية أخرى "أكبر"
تتمثل في إثارة قضية الصراع الحضاري
والحوار بين الحضارات وكيف أن مثل هذه
الهجمات على الرموز الإسلامية ترفع حرارة
صراع الحضارات بأكثر مما تشير لحالة حوار
بين الأديان.
رد الفعل الرسمي العربي جاء
بالتالي - في أزمة إساءة البابا - أضعف من
سابقة في أزمة الرسوم الدانماركية، رغم
خطورة الإساءة الثانية؛ لأنها صادرة من
رأس أكبر كنيسة في العالم، وبدلا من أن
يأتي قويًّا كما حدث في أزمة الرسوم لحد
غلق سفارة ليبيا واستدعاء سفير السعودية،
جاء أضعف بمراحل واقتصر على طلب اعتذار
البابا، ربما لأن رد فعل المجتمع المدني
العربي نفسه جاء ضعيفا بعدما أدمن
المسلمون الإساءات الغربية المتتالية!.
وعليه، فإن التوظيف السياسي
للإساءة الدانماركية أو إساءة البابا كان
يتطلب حنكة سياسية وأهداف وطنية عامة لا
تقتصر على تحقيق أهداف داخلية للأنظمة
بقدر الاستفادة من الحدث في مواجهة الخارج
الذي أساء للإسلام ونبي الإسلام، وبغرض
تحقيق أهداف أعظم لصالح الإسلام ككل.
|