 |
|
بابا الفاتيكان |
جاءت تصريحات البابا بيندكت
السادس عشر لتلقي بالكنيسة خلف السياسة
ولتغلف أجواء من الماضي عمل الجانبان
الإسلامي والمسيحي طويلا على تلافيها
والتخلص من أعبائها التاريخية الثقيلة.
فهل جاء تصريح البابا عن جهل بالآخر، أم
جاء ليؤرخ لحقبة جديدة من علاقة الكنيسة
بالدولة في الغرب وعلاقة الغرب بالعالم
الإسلامي؟.
فقد ألقت تصريحات البابا بيندكت
السادس حول الإسلام بالضوء على الخلفية
العلمية والتوجهات المحافظة المنغلقة
للبابا بيندكت السادس عشر؛ فليس هذا
التصريح إلا قمة جبل الثلج التي تخفي
تحتها قناعات شخصية خاصة بالبابا وعلماء
اللاهوت والمتخصصين الأكاديميين في
المعاقل الدينية في الغرب، بشأن القرآن
والإسلام، كما أنها ليست أول ملاحظة سلبية
يبديها البابا حول الإسلام.
فقد روى الأب جوزيف د.فسيو تفاصيل
الحلقة الدراسية التي حضرها مع البابا
بيندكت في سبتمبر 2005 حول الإسلام. حيث قال
البابا –كما روى الأب جوزيف-: إنه في العرف
الإسلامي أعطى الله كلمته إلى محمد، لكن
هذه الكلمة أبدية، وهي ليست كلمة محمد،
فهي موجودة إلى الأبد مثلما نزلت من دون
تغيير ولا مجال لتعديلها أو تفسيرها، وهو -كما
يرى البابا- جوهر الخلاف بين الإسلام
والمسيحية واليهودية. وطبقا للأب د. فسيو
فإن بيندكت يفهم القرآن على أنه "شيء
سقط من السماء ولا يمكن تعديله أو تطبيقه"،
وهو نوع من الجمود.
قناعات مفارقة ورؤية منغلقة
ويتضح من رواية د. فسيو أن البابا
بيندكت ليس من طائفة الباباوات المنفتحين،
مثل البابا السابق يوحنا بولس الثاني،
وإنما هو من طائفة الباباوات المحافظين
المنغلقين على معارفهم بالآخر من خلال
تفاعلاتهم الذاتية والمعرفة المتوارثة من
الكتب التي تضمنت أسوأ خبرات الاحتكاك بين
الحضارتين وليس المعرفة المرتبطة بالعصر
والتي تتراكم من خلال الاحتكاك المعاصر
بالآخر.
وهذه القناعات الخاصة بالبابا
تمثل مفارقة تامة مع القناعات التي أرساها
البابا السابق، فبينما نأت الكنيسة
الكاثوليكية بنفسها عن السياسة وتمكن
البابا يوحنا بولس الثاني من رسم معالم
هذه السياسة وتجذيرها على امتداد عقود
بابويته، فإن البابا الجديد يضع
بتصريحاته ورؤاه المحافظة العلاقة بين
الكنيسة والدولة على محك قد يجعل الكنيسة
خادمة للسياسات الغربية أو الأمريكية
المحافظة تحديدا.
وعلى مستوى علاقة الكنيسة
بالدولة في الغرب، فإن هذه التصريحات تأتي
في ظل الإدارة الأمريكية الراهنة التي
يتحكم بها المحافظون الجدد، وصحيح أنه ليس
وراء السياسات الأمريكية توجيهات كنسية
مباشرة، إلا أنه من الملاحظ اتجاه عدد من
السياسيين الأمريكيين –وعلى رأسهم
الرئيس بوش نفسه- إلى إقحام المصطلح
الديني على قاموس العلاقات الدولية.
وتكثيف رؤية الآخر –وتحديدا العالم
الإسلامي- من منظور معين يحصره في معاني:
التأخر، والتخلف والإرهاب ومحدودية العقل،
ويسلط الضوء على لقطة من أسوأ لقطات
التماس بين الإسلام والمسيحية في العصور
الوسطى، وهي لقطة مشوهة أيضا في علاقة
الكنيسة بالدولة والسلطة الروحية بالسلطة
الزمنية في الغرب.
تصريحات بيندكت والسياسة
الأمريكية
وعلى مستوى السياسة الأمريكية،
فإن هذه التصريحات تأتي في ظل تكرار أكثر
من تجربة غزو واحتلال لبلد عربي إسلامي،
وقد حرصت الكنيسة الكاثوليكية في عهد
البابا السابق على النأي بنفسها عن كل ذلك.
وفي يوم ما حينما كانت الطائرات الأمريكية
تقصف كابول وبغداد، لم يحمل أي شخص عاقل في
العالم الإسلامي البابا السابق أي ذنب في
احتلال أي بلد عربي أو إسلامي، وكان
الجميع باستطاعتهم التفريق بين سلوك
إدارة بوش والبابا المعتدل يوحنا.
وفقط المهووسون بالصراع الديني
وبالعداء للآخر هم الذين كانوا يتحدثون عن
مؤامرة تبشيرية. لكن من شأن تصريحات
البابا الجديد أن تقذف بالكنيسة في قلب
الصراع الجاري بين السياسة الأمريكية
والعالم الإسلامي. وذلك قد يعمل على تقريب
الكنيسة في صورة العقل الإسلامي أكثر
بسياسة أمريكا في المنطقة العربية
والإسلامية وتوجهات المحافظين الجدد بشأن
تقسيم المنطقة علي أسس محض طائفية ومذهبية،
بدلا من كونها في قلب الغرب الأوروبي الذي
عقلنته خبرات الصراع والتجارب مع العالم
الإسلامي.
وعلى مستوى حوار الحضارات، فإن
تصريح البابا الجديد، قد يوجه ضربة لما
بذل من جهود في مجال حوار الحضارات، وقد
يفسح المجال لبروز أطروحات الصراع بين
الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية على
نحو خاص، ومن ثم يؤدي لتكريس أطروحة
صامويل هانتنجتون حول صدام الحضارات.
ولقد كانت تجربة حوار الحضارات
مفيدة جدا لكلا الجانبين، فبرزت معاقل
فكرية ومسارات أكاديمية وبرامج بحثية تحت
مسمى حوار الحضارات يتم دعمها من الجهات
المعنية ومن الحكومات، وهي برامج ومعاهد
استوعبت في إطارها كل المخاوف السابقة
التي كانت تدور حول الغزو الفكري أو الغزو
الثقافي، حيث أصبحت كل الأفكار تطرح
وتناقش من دون خوف وفي إطار من الشعور
بالندية وعلى قدم وساق. ولولا هذه البرامج
المتعقلة التي تم تأسيسها منذ سنين قليلة
لربما كانت نتائج تصريحات البابا أكثر
اتساعا في تداعياتها السلبية، لذلك كان من
اللافت أن الأطروحة الغالبة في العالم
الإسلامي -كرد على تصريحات البابا الأخيرة-
كانت أطروحة الاعتدال وليس أطروحة التطرف.
وقد كان على رأس تلك الدعوات من
دعا إلى مزيد من الحوار بين الحضارات
لمعرفة الآخر، ومن ألقى باللوم على الذات
لقصور التوجه إلى الآخر، وعلى الجانب
المسيحي هناك من انتقد البابا بشكل أكثر
وأشد من انتقادات بعض المسلمين له على أنه
لا يعرف التاريخ جيدا ولا يعرف علاقة
المسيحيين والمسلمين في الشرق، وليس على
دراية بعلم الأديان المقارنة، وحصر نفسه
في دراسة اللاهوت.
تكريس "الدورة الخبيثة"
وعلى مستوى التفاعلات داخل
العالم الإسلامي، فقد جاءت تصريحات
البابا في ظل مراجعات كبرى في العالم
الإسلامي، صحيح أنه لا تزال هناك جماعات
عنف يدعمها ويغذيها استمرار الصراع
والحرب في أفغانستان والعراق ولبنان
والسودان والصومال، ولكن بالمقابل فإن
صوت الاعتدال يزداد في العالم الإسلامي،
وهناك جماعات أعلنت مبادرات لوقف العنف في
مواجهة دولها وخطّأت طروحاتها السابقة في
إطار مراجعات شاملة لفكر قادتها الأوائل.
وهناك بعض الجماعات الإسلامية
المعتدلة التي شاركت في الحكم من خلال
انتخابات حرة نزيهة، وهناك موجة جديدة من
الدعاة الجدد ممن تفننوا في الخروج على
القنوات الفضائية من خلال تبسيط مفاهيم
الدعوة ولا يترددون في اقتناء كل جديد من
مظاهر الحضارة في اللبس والعادات، وهم في
الأغلب من جيل جديد يؤمن بالحوار في
الداخل والانفتاح على الخارج في إطار موجة
من عولمة الدين. وهذه كلها عوامل تجعل
الأطروحة المتسيدة في العالم الإسلامي
حاليا أطروحة الاعتدال أكثر منها أطروحة
الصراع والعنف.
هذه العوامل السابقة جميعها توضح
أن تصريحات البابا كانت منفصلة عن السياق
تماما فيما يتعلق بالعالم الإسلامي،
وجاءت في غير وقتها، ولكنها لم تكن منفصلة
عن السياق في العالم الغربي بعد 11 سبتمبر،
ولم تكن منفصلة عما يدور في الأروقة
الأكاديمية الدينية وغير الدينية في
الغرب أو لدى قطاعات من الرأي العام
الغربي.
ومن خلال تتبع التداعيات
المختلفة التي يمكن أن تخلفها تصريحات
البابا، يتضح أن هناك تسييس للدين وتديين
للسياسة تتضح أكثر ما تتضح في مواقف
البابا والسياسة الأمريكية؛ فهذه
التصريحات التي أطلقها البابا تخدم بقصد
أو من غير قصد السياسة الأمريكية في
الآونة الراهنة تحديدا، حيث تواجه
الولايات المتحدة مأزقا حادا في العراق
وأفغانستان، وتتنامى الدعوات بالانسحاب
مع تأكيد استطلاعات الرأي تراجع شعبية
الرئيس بوش، ومن ثم تلقي تصريحات البابا
بمزيد من الوقود الذي يبرر وجود الجيش
الأمريكي، ويخلق مسوغا آخر لاستمرار
الحملات الأمريكية على دول إسلامية مهما
كانت التكاليف بحجة تغيير الآخر والتدخل
لتغيير عقلية الآخر.
ومع إدراك ما لهذه التصريحات على
الجانب الآخر من تأثير يتمثل في إخراج
أسوأ ما في العالم الإسلامي؛ من مظاهر
الهمجية وسفك الدماء التي ترتكب باسم
الدين وردا على تصريحات البابا، ومن ثم
تكريس "الدورة الخبيثة"، فإذا كان
الإسلام يتهم بالتطرف والإرهاب وانتفاء
العقل فإن الاتهامات نفسها والشتائم
وردود الفعل عليها لا تسمح للمسلمين ولا
تدع لهم الفرصة لإظهار الوجه الحقيقي، أو
الوجه الآخر للإسلام.
وفي هذه الآونة تحتاج إدارة بوش
لدعم الرأي العام وتحتاج إلى فتح كل
الأورام في علاقة الإسلام بالغرب، والتي
تبرر بقاءها وتعطي مبررًا دينيًّا
للنقاوة في تغيير الآخر، وبينما تحبط قوى
الاعتدال في العالم الإسلامي مخطط أمريكا،
فإن قوى التطرف تطيل فترة بقائها ويحتاج
الرئيس بوش إلى ما يبرر بقاءه العسكري مع
استحكام فشله السياسي.
التداعيات الإقليمية.. مؤامرة
مقصودة
ومن يرى أن تصريحات البابا تأتي
في سياق مؤامرة مقصودة على الإسلام يعتقد
بأن دلائل هذه المؤامرة واضحة منذ 11
سبتمبر، متمثلة في "ذلة اللسان" التي
وقع فيها الرئيس بوش حول الحروب الصليبية،
وتصريحات رئيس الوزراء الإيطالي السابق
برلسكوني الذي كان قد قال عقب أحداث 11
سبتمبر 2001 مباشرة: "أن الحضارة الغربية
أرقى من الإسلام"، والرسوم
الكاريكاتورية الدانماركية المسيئة
للنبي محمد، وأخيرا تصريحات البابا.
وقبل هذا وذاك الحملات التي
قادتها الولايات المتحدة ضد دول إسلامية،
والتي يرى فيها الكثيرين في العالم
الإسلامي موجهة إلى الإسلام، ويرى هذا
الفريق أن الغرب متمثلا في الدولة
والكنيسة والرأي العام أعلن مواقف عدائية
تنم عن جهل بالإسلام، وعلى الرغم من أن هذا
الفريق يضم الأكثرية في العالم الإسلامي،
إلا أن تياراته تتوزع على مشارب مختلفة،
فهناك التيارات الدينية العنيفة وغير
العنيفة، وهناك جماعات الإسلام السياسي
التي وصلت للحكم، وهناك المفكرون وعامة
الرأي العام، وهذه الفئات جميعها تختلف في
ردود فعلها.
وضمن هذه الفئات يمكن أن تشهد
قيام بعض الجماعات المتطرفة بممارسة
العنف الداخلي ضد رموز مسيحية أو كنائس
مسيحية، وازدياد الفتنة الداخلية، وتعريض
الدول الإسلامية لمزيد من العنف والصراع
الداخلي والانفعالات الخارجة على العقل،
ومن ثم تقع في شرك تأكيد مقولة البابا،
وهذا يكرس العلاقة المتأزمة داخل العالم
الإسلامي، ويضغط على التركيبة الداخلية
للمجتمعات الإسلامية، ويزيد من حملة
تشويه الإسلام.
كما أن أشد ما يضغط هذا التصريح
على المسلمين المقيمين في البلدان غير
الإسلامية وخصوصا في أوروبا، حيث يمكن أن
يوضعوا في محل الشبهات وأن تُساء إلى
علاقاتهم في البلدان التي يقيمون فيها،
وأن يتجه خطابهم إلى مزيد من التطرف
والخصام مع مجتمعاتهم والانزواء عنها،
بدلا من التوازن والتصالح مع الآخر.
إن ما يظهر ذلك أن أول الإجراءات
التي اتخذت أو أعلن عن اتخاذها هو رفع
مستويات الاستعداد الأمني حول الفاتيكان
والمقر البابوي، مما يكرس صورة للتطرف
الإسلامي الذي يطال البابا الكاثوليكي
ومعقل الدين المسيحي! وقد قدمت جماعات
إسلامية ما يبرر ذلك بإطلاقها البيانات
والخطب التي تهدد الفاتيكان والبابا
شخصيا.
كل ذلك يوضح أنه في الوقت الذي
كان العالم في أحوج ما يكون إلى الأمن
الدولي بعد 11 سبتمبر، فيبدو أن متطلبات
السياسات الأمريكية في الميدان والرأي
العام الداخلي خلق حالة من الخدمة
المتبادلة غير المقصودة بين الكنيسة
والدولة في الغرب لتخدم الأولى في مد
الثانية بالطاقة الروحية للحملات
العسكرية، مما يكرس السياسات الرسمية
ويبررها لدى الرأي العام على أسس دينية،
وهذا يطرح منظورًا آخر للأمن العالمي غير
المنظور الذي يخدم السلام.
|