 |
|
تأميم موراليس للنفط البوليفي كان محورا لإثارة القمة الأوروبية اللاتينية |
في أثناء انعقاد مؤتمر القمة
الرابع بين الاتحاد الأوروبي ودول أمريكا
الجنوبية الوسطى في فيينا يومي 11 و12 مايو
2006، نقلت وكالات الأنباء ووسائل الإعلام
خبر موت زهاء 200 شخص في نيجيريا في أثناء
محاولة "سرقة" النفط الخام من أحد
أنابيب نقله، ولم تكن هذه "السرقة"
الأولى من نوعها؛ فمرتكبوها من الفئات
الفقيرة في دولة تحتل مكانة متقدمة بين
الدول المصدرة للنفط الخام، غير أن معظم
ما تملكه من ثروات نفطية تسيطر عليها
شركات غربية، ومنها شركة "شِل" التي
سبق أن شهدت حملة مقاطعة داخل أوروبا
نفسها بسبب استغلالها لتلك الثروة في
نيجيريا بالذات، تستغل هذه الثروات دون أن
تعبأ بتوصيل العائدات المالية لتحسين
الأوضاع المعيشية في المناطق المستحقة،
بما يفضي إلى نتائج مأساوية، ليس أضخمها
انفجار أنبوب غاز وسقوط مئات الضحايا.
يساريون مزعجون
حالة بوليفيا في أمريكا الجنوبية
مع ثروتها من الغاز الطبيعي لا تختلف
كثيرا عن حالة نيجيريا في إفريقيا مع
نفطها، ولكن رئيس بوليفيا الجديد المنتخب
ديمقراطيا، إيفو موراليس، أقدم بعد قليل
من اعتلائه السلطة على تأميم ثروة الغاز،
رافضا -في قمة فيينا- تعويض الشركات
الغربية والأمريكية الجنوبية المتضررة من
التأميم. وخطوته هذه جلبت غضب الأوروبيين
وانزعاجهم، بل وغضب الأمين العام للأمم
المتحدة كوفي عنان الذي أكد في القمة التي
حضرها لأول مرة أن المستثمرين الأجانب في
دول أمريكا الجنوبية يريدون الاطمئنان
على مصير استثماراتهم في المستقبل
المتوسط والبعيد، في إشارة واضحة إلى عدم
القدرة على الإقدام على مثل تلك
الاستثمارات ما دام "التأميم" يهددها.
على أن الانزعاج من الرئيس
البوليفي جزء من الانزعاج الغربي عموما
تجاه بروز الاتجاهات اليسارية في العديد
من البلدان الأمريكية الجنوبية، فلم يعد
كاسترو في كوبا أو شافيز في فنزويلا في "عزلة"
تفرضها عليهما السيطرة الأمريكية على
القارة الأمريكية الجنوبية، سياسيا
وعسكريا واقتصاديا، بصورة مباشرة في بعض
الأحيان، كالتدخلات العسكرية وانقلابات
تساهم المخابرات الأمريكية في صنعها،
وغير مباشرة في غالب الحالات، ولكن بوسائل
ذات نتائج مشابهة، بما في ذلك التحالفات
"المصلحية" بين الشركات الغربية
وطبقة المنتفعين ماليا في الدول
الأمريكية الوسطى والجنوبية.
وإذا كانت ظاهرة التمرد على
الهيمنة الأمريكية واضحة للعيان منذ
أواخر الثمانينيات من القرن العشرين،
فإنها لم تكن سبب قلق للأوروبيين آنذاك،
بل على النقيض من ذلك كانت منطلقا إلى
تعزيز علاقات الاتحاد الأوروبي بتلك
المنطقة التي وجد فيها حليفا على طريق
تخفيف وطأة قبضة الهيمنة الأمريكية
عالميا، وكان هذا من منطلقات لقاء أول قمة
جامعة للطرفين عام 1999، لتنعقد منذ ذلك
الحين دوريا كل عامين.
أوروبا كأمريكا تبغي السيطرة
تجاريا
 |
|
الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز يرفض الهيمنة الأمريكية الاقتصادية على القارة اللاتينية |
وما برز بصورة استعراضية في
فيينا بصدد الانزعاج الأوروبي من سياسات
بوليفيا وفنزويلا -أكثر من سواهما- يعكس ما
يجمعه التقاء الطرفين من تناقضات؛
فالأوروبيون في تحركهم دوليا للتميز عن
السياسات الأمريكية، لا يعني أن تنافسهم
الاقتصادي والمالي عالميا مع الأمريكيين
سيوصل في المستقبل المنظور إلى خروجهم على
النهج الرأسمالي الغربي، والذي يدور في
"عصر العولمة" حول هدف رفع القيود
والحواجز جميعا في وجه الاستثمارات
والصادرات الغربية، وهو هدف ينطلق من
افتقاد التوازن المالي عالميا، وبالتالي
إدراك الغربيين أن رفع الحواجز يخدم
استمرار تحرك الاستثمارات في اتجاه واحد،
ومعظمها لا ينطوي على تحقيق فوائد
اقتصادية تطويرية للبلد الأصغر في جنوب
الكرة الأرضية قدر ما يحقق من فوائد لصالح
الشركات الغربية، بما في ذلك ما يصل إلى
درجة استغلال الثروات، لتبقى بلدان عديدة
بعد عشرات السنين من هذا "الانفتاح"
تحتل مرتبة متقدمة من حيث حجم ثرواتها
الطبيعية كالنفط والغاز، وتحتل في الوقت
نفسه مرتبة متخلفة للغاية من حيث انتشار
الفقر والمرض على صعيد الشعوب، المالك
الأصلي لتلك الثروات.
وشبيه ذلك التطور الأشبه بشارع
ذي اتجاه واحد ما يسري على صعيد "تحرير"
التبادل التجاري، سواء باتفاقات ثنائية
أو جماعية، فبقدر ما تريد الدول الأوروبية
-كالولايات المتحدة أيضا- فتح أبواب الدول
النامية أمام منتجاتها الصناعية دون
حماية جمركية أو ضرائبية، تصر تلك الدول
الغربية نفسها على بقاء إجراءاتها
الذاتية هي لحماية أسواقها، بعد أن بلغت
حد الإشباع ودرجة إتلاف المنتجات للحفاظ
على ارتفاع الأسعار، لا سيما في ميدان
المزروعات والمنسوجات، أي القسط الأهم من
منتجات البلدان النامية. ولعل هذا أحد
الأسباب الرئيسية في العجز عن الوصول إلى
اتفاقية للتجارة الحرة مع بعض الدول
الأمريكية الجنوبية التي يجري الأوروبيون
مفاوضات معها منذ عدة سنوات.
ومفاوضات "تحرير" التجارة
نفسها تجري بصورة انتقائية، لا تنطلق دوما
من مستوى الأوضاع الاقتصادية لإيجاد
توازن بين الطرفين، بل تنطلق غالبا من
العمل على اختراق حواجز الحماية الجمركية
في مجموعة من الدول بعد أخرى، وهو ما لم
يتحقق مع أمريكا الجنوبية والوسطى حتى
اللحظة، مثلما تحقق إلى حد كبير مع
البلدان العربية، فأصبح مع مرور الزمن من
العقبات الرئيسية المانعة لتنمية التجارة
البينية، دون أن يحقق أدنى درجات التوازن
في التجارة الخارجية مع القوى الدولية
الكبرى اقتصاديا.
قمة التناقضات والمنطلقات
لقد كان مجرى قمة فيينا حافلا
بالتناقضات بين فريقين حريصين -رغم
التناقضات- على عدم انقطاع حبل التعاون
الذي بدأ يتنامى منذ سنوات، ويمكن إيجاز
الحصيلة في أربع نقاط:
1- الخلاف بين دول أمريكية جنوبية
متشبثة -كالمكسيك- بالنهج الاقتصادي
المرتبط بالغرب، وبين أخرى يسارية
الاتجاه، سواء في ذلك الشيوعية مثل كوبا،
أو تلك التي تدعو إلى "الرأسمالية
الاجتماعية" كما عرفتها غالبية دول
أوروبا الغربية نفسها في أثناء الحرب
الباردة.
2- حرص غالبية الدول الأمريكية
الجنوبية والوسطى على تعزيز التعاون مع
الاتحاد الأوروبي، على أمل إيجاد توازن
سياسي واقتصادي مع نفوذ الولايات المتحدة
الأمريكية المجاورة جغرافيا.
3- تركيز دول الاتحاد الأوروبي
على التعاون في الميادين الأبعد نسبيا عن
الاختلاف في النهج الاقتصادي، مثل مكافحة
المخدرات والفقر وحقوق الإنسان وحماية
البيئة.
4- تركيز الاتحاد الأوروبي على
تنمية التعاون اقتصاديا وتجاريا مع دول
دون أخرى من المنطقة، ومن ذلك التعاون
المتنامي مع البرازيل والمكسيك، ومفاوضات
التجارة الحرة مع مجموعة كوستاريكا
وجواتيمالا وهندوراس ونيكاراجوا
والسلفادور وباناما، مع تأكيد تنمية
التعاون السياسي معها أيضا، مقابل تعليق
مستقبل التعاون مع دول مجموعة "آندن"
التي بدأت الروابط الاقتصادية فيما بينها
تنهار أيضا، بسبب إقدام بعضها على تحرير
التبادل التجاري مع الولايات المتحدة
الأمريكية؛ وهو ما دفع فنزويلا إلى الخروج
منها.
لقد وضع المؤتمر الرابع في فيينا
الطرفين أمام منطلقات جديدة تختلف عما كان
سائدا قبل 7 أعوام، ولكنها منطلقات جد
متناقضة، من شأن بعضها أن يستدعي الاعتقاد
بدعم مسيرة التعاون، ومن شأن بعضها الآخر
أن يعرقله. فعلى الصعيد السياسي كان
الاتحاد الأوروبي بعد حقبة التسعينيات
الحافلة بالعمل على استقلالية دولية عن
الولايات المتحدة الأمريكية، يبحث عن
موطئ قدم في أمريكا الجنوبية والوسطى،
ومعظم دولها على ارتباط وثيق بالولايات
المتحدة، بينما يجد الاتحاد الأوروبي
نفسه الآن أمام ميل الكفة بصورة واضحة
لصالح من يتمردون على هذا الارتباط بما
ينطوي عليه من هيمنة.
وقد يكون ذلك ما ظهر بصورة
استعراضية في إخفاق محاولة بوش في آخر
مؤتمر أمريكي مشترك للتوصل إلى اتفاقية
على حرية التجارة بين الأمريكتين. ولكن
هذا الميل الذي يوجد فرصا جديدة لتعزيز
التعاون مع الاتحاد الأوروبي، يعرقله
متغيران جديدان، أولهما اقتصادي، ويتمثل
في أوروبا التي عززت "الليبرالية
الجديدة" فيها سيطرتها، بينما يعتبرها
موراليس من بوليفيا على وشك الاندثار بعد
إخفاقها في أمريكا الجنوبية. وثانيهما
سياسي، ذلك بعد أن تراجعت حدة التناقضات
الأوروبية-الأمريكية نسبيا، وأصبح
الاتحاد الأوروبي يبحث عن نقاط التقاء
أطلسية جديدة، لإيجاد توازن آخر في
العلاقات الدولية، بعد التراجع الأمريكي
عالميا عبر حرب الاحتلال في العراق.
وأمام خلفيات كهذه لا يُنتظر أن
تتسارع خطوات تحالف ما بين الأوروبيين
والدول الأمريكية الجنوبية والوسطى، بيد
أنه من المستبعد أيضا أن يتراجع أحد
الطرفين عن السعي لذلك بخطوات وئيدة.
|