 |
|
أسعار النفط تتبدل سريعا |
أثار تخطي سعر برميل البترول من خام "برنت" عتبة الـ75 دولارًا
للمرة الأولى، وتضاعف أسعاره في غضون خمسة أعوام فقط، مخاوف وتساؤلات عديدة
في الأوساط الاقتصادية والسياسية حول آثار هذا الارتفاع الصاروخي للوقود
على الدول العربية والإسلامية من جهة، والغرب والولايات المتحدة من جهة
أخرى.
ومع أن خبراء يرون أن ارتفاع أسعار النفط عمومًا سوف يضر العالم
كله، وأن خطره الأكبر ربما ينعكس على تخلي دول الخليج والدول العربية عمومًا
عن الإصلاحات الداخلية؛ بسبب الوفرة المالية التي تبرد المشكلات
الاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن تدميره للاقتصاد الغربي وإنهاء أطول
فترة نمو يشهدها الاقتصاد الأمريكي والأوروبي، بما قد ينعكس على تغير
معايير القوى الدولية، فهناك فريق آخر يرى أن ارتفاع أسعار الوقود له مزايا
ومساوئ معًا.
وزاد من خطورة أزمة ارتفاع الأسعار أنه واكبها تحذيرات من جانب دول
نفطية كبرى يعاديها الغرب، خصوصًا فنزويلا التي هددت بحرق نفطها في حالة
تعرضها لعدوان أمريكي، وإيران التي هددت باستخدام سلاح النفط في مواجهة
الغرب، واعتبرت أن السعر الحالي للنفط لا يزال غير كافٍ، ولا يعوض الدول
النفطية عن خسائر كبيرة إبان فترة انهيار أسعار النفط خصوصًا في
الثمانينيات من القرن الماضي والتي انخفض السعر خلالها إلى سبعة دولارات
فقط.
كما زادها اشتعالاً الأزمة الحالية الدائرة بين الولايات المتحدة
وإيران على خلفية دخول طهران نادي الدول التي نجحت في تخصيب اليورانيوم،
والمخاوف من ضربة عسكرية أو نووية أمريكية يتردد أن القرار صدر بشأنها وبقي
التوقيت والتحضير، واحتمالات الانتقام الإيراني الحتمية وما يمكن أن ينتج
عنها غلق مضيق هرمز وطرق إمداد النفط التي سوف يترتب عليها ارتفاع أسعار
النفط ربما إلى أكثر من 150 دولارًا، وبالتالي انهيار الاقتصاد العالمي.
ولأن ارتفاع أسعار النفط له شقان: (الأول)، متعلق بدول الإنتاج
النفطية خاصة الخليجية، وإيران بصفة خاصة التي ربما يكون ارتفاع النفط
سلاحًا هامًّا في يدها تستخدمه في تخفيف قبضة الضغوط الغربية ضد برنامجها
النووي، و(الآخر): متعلق بدول الاستهلاك الغربية التي ربما تنشط في مجال
الطاقة البديلة، فمن الضروري التطرق لكلا الشقين وبيان مزايا ومساوئ ارتفاع
أسعار النفط.
هل تنهار الإصلاحات في الخليج؟
أحد أهم سببين لطرح مفهوم "الإصلاحات في النظم العربية" كانا:
(الأول): تفجيرات 11 سبتمبر وتحول إدارة جورج بوش نحو فرض
الديمقراطية على النظم العربية قصرًا بهدف التنفيس السياسي الذي يمنع خروج
"إرهابيين" تحت وطأة الضغوط يوجهون أسلحتهم نحو الغرب الذي يحمي هذه
الأنظمة.
و(الآخر): تدهور اقتصاديات الدول العربية بسبب نقص عوائد البترول أو
ضياعها في تمويل حروب الخليج المتتالية، وتصاعد أرقام البطالة بين الشباب
بشكل أصبح يهدد بتوترات داخلية من قبل هذه القوى المهمشة سياسيًّا
والمطحونة اقتصاديًّا، بحيث تقاطع السببان وكانا مقدمة لخطط عربية بطيئة
للتغيير والإصلاح.
ولأن السبب الأول زال تقريبًا بعدما تكشفت القيادة الأمريكية أن
هذه الإصلاحات والديمقراطية تأتي بالإسلاميين الذين يمكن أن يهددوا مصالح
الغرب، كما أن السبب الثاني أيضا زال مع الصعود الصاروخي لعوائد النفط إلى
حد أنه أصبح لدى دول الخليج قرابة 128 مليار دولار مستثمرة في "صندوق
الأجيال" وفق تقرير سري لوزارة المالية الكويتية نشرته صحيفة "القبس"،
فمن المفترض أن يكون لتضاعف عوائد النفط في الدول المنتجة أثار سياسية عكسية
سلبية على ملف الإصلاحات التي سبق طرحها حين كانت هذه الدول مأزومة
اقتصاديًّا وسياسيًّا.
فالسعودية كانت تعاني من ارتفاع حاد في نسبة البطالة بلغت حوالي 15%
من قوة العمل، ومن عجز شديد في الميزانية، وهذا أثر على العديد من المشاريع
وأثار حالة جدل سياسي في البلاد نتج عنها فتح الباب لإصلاحات داخلية بداية
من الانتخابات البلدية وتشكيل مجلس شوري لأول مرة وحتى عقد مؤتمرات إصلاحية
داخلية وسلسلة حوارات بين السلطة وأطياف المعارضة الإصلاحية.
وقبل تدهور أسعار النفط وانهيار ميزانيات العديد من الدول
النفطية، خاصة في التسعينيات، كانت هذه الدول تعتمد على الفوائض المالية
الضخمة الناتجة عن بيع النفط في التعامل مع موجات السخط والمطالبات الملحّة
بتحقيق الإصلاح والديمقراطية وامتصاص الغضب الشعبي من أجل إيجاد حالة "استرخاء
اقتصادي"، ومن الطبيعي مع عودة هذه الفوائض الضخمة أن تعود سياسة إغداق
الأموال بصورة أكبر، ويتقلص حجم الإصلاحات.
وكمثال فقد أمن الارتفاع في أسعار النفط عام 2004 فقط من 35 إلى 55
دولارًا ما قيمته 100 مليار دولار للاقتصاد السعودي ومثل هذا فائض في
الموازنة تتراوح قيمته بين 30 و40 مليار دولار، كما ارتفعت عائدات دول مجلس
التعاون الخليجي الست من النفط إلى نحو 300 مليار دولار وهو ما يعادل ضعف
إيراداتها قبل سنتين، ومن الطبيعي أن يؤمن ارتفاعًا مماثلاً كما حدث بمقدار
20 دولارًا تقريبًا أضعاف هذه العوائد المنتظرة.
وطالما عادت الأجواء للتحسن اقتصاديًّا بعد الارتفاع الجنوني في
أسعار النفط، بشكل ضاعف عوائد هذه الدول من النفط، فسوف تعود معها الحكومات
لتقوى مرة أخرى سواء في مواجهة الشارع الداخلي الذي يمكن إرضاؤه بالمغريات
الاقتصادية (مشاريع لتعيين العاطلين وتوزيع عوائد الفائض النفطي وغيرها)،
أو في مواجهة الغرب والولايات المتحدة خصوصًا التي ستعود مرة أخرى لخطب ود
هذه الحكومات كي تعلب دورًا في زيادة الإنتاج وتخفيض أسعار النفط التي تؤذي
اقتصاديات الدول الصناعية، بل وتهدد مقاعد رؤساء هذه الدول الكبرى.
ومن غير المستبعد والحالة على هذا أن تدخل الإصلاحات السياسية التي
طرحتها هذه الحكومات من قبل في "الثلاجة"، وأن يتجمد الحديث عن توسيع
الحياة السياسية ليحل محله إصلاحات ومشاريع اقتصادية فقط، خاصة أن هناك
مخاوف منذ البداية من صعود أسهم التيار الإسلامي في أي انتخابات في هذه
الدول، مما سيضر بمصالح الأنظمة العربية الحاكمة والغربية على السواء.
خسائر للغرب.. ومكاسب!
ومثلما سوف تجني حكومات النفط مكاسب كبيرة من وراء ارتفاع أسعار
النفط، ستجني الشركات النفطية الغربية والأمريكية مكاسب هائلة، بيد أن
الحكومات سوف تجني خسائر رهيبة تتمثل في خفض معدلات النمو في الولايات
المتحدة والاتحاد الأوروبي (المنهارة أصلاً لصالح الدول الآسيوية)، مما قد
يترتب عليه تغيرًا مستقبليًّا في موازين القوى الدولية.
وسيكون هذا الارتفاع في الأسعار أقل تأثيرًا على الولايات المتحدة
التي تُعَدّ أكبر ثالث منتج للنفط بعد السعوديين والروس، مما يسمح لهم
بتلبية نحو نصف حاجاتهم.
ومع هذا فهناك توقعات أن يؤدي هذا الارتفاع الضخم في أسعار البترول
لمكاسب غربية على المدى الطويل تتمثل في تسريع الخطط الغربية لإنتاج مصادر
بديلة للطاقة وتحديدًا الهيدروجين، خصوصًا أن هناك خططًا أمريكية بالفعل في
هذا الصدد.
وسبق أن قدم السناتور جون كيري، المرشح الديمقراطي لانتخابات
الرئاسة الأمريكية الماضية 2004، خطة لتقليل الاعتماد الأمريكي على النفط
العربي تهدف لجعل الولايات المتحدة لا تعتمد بشكل كلي على نفط الشرق الأوسط
في غضون عشر سنوات من خلال إنفاق 20 مليار دولار سنويًّا (تنفق حاليًّا على
نفط الخليج)، على مشروعات البحث عن مصادر أخرى للطاقة وتطوير اقتصاد يعتمد
على الهيدروجين.
وهذه الخطط سار فيها أيضا الرئيس بوش خلال ولايته الثانية، ومع كل
ارتفاع في أسعار النفط يجري الحديث عن تسريع هذه الخطط، ولو نجحت هذه الخطط
فسوف يكون هذا هو المكسب الأهم للغرب من أزمة الصعود الصاروخي الحالي لأسعار
النفط التي تخطت حاجز الـ75 دولارًا لأول مرة في التاريخ.
وعلى الرغم من أن هناك أزمة حقيقية للطاقة عالميًّا، فإن قسمًا من
المحللين متفائلون ومقتنعون بأن اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية سوف
يشهد نموًّا، ويقولون إنه على الرغم من ارتفاع أسعار النفط فإن هذه الأسعار
لم تصل إلى الحد اللامعقول كما حدث في بداية الثمانينيات خلال الأشهر الأولى
من الحرب العراقية الإيرانية، حينما وصل سعر البرميل الواحد إلى أكثر من
ثمانين دولارًا، كما أن إعادة بناء المناطق المنكوبة من إعصار كاترينا
وتشغيل المنشآت النفطية في خليج المكسيك سيفتح العديد من المشاريع
الاستثمارية والوظائف للأفراد مما يساعد على نمو الاقتصاد.
ارتفاع أسعار النفط قد يعتبر بالتالي مكسبًا اقتصاديًّا مؤقتًا
لدول الخليج النفطية، ولكن آثاره قد تكون سلبية على الإصلاحات السياسية
وتجمدها، وقد يترتب عليه أيضا خسائر أخرى أهم مثل احتمالات تصاعد العنف
المحلي الشعبي، خصوصًا من القوى السياسية ذات الأيدلوجية الجذرية، طالما
أنه ليس هناك أمل في الإصلاح، ولكن هذا الارتفاع في الأسعار قد يكون مفيدًا
لدول نفطية أخرى في صراع مع الغرب مثل إيران والسودان وفنزويلا بحيث يقوّي
مواقفها عالميًّا ويعطل خطط العدوان الغربي عليها كي لا يرتفع السعر أكثر لو
تعطل إنتاجها النفطي.
أما على مستوى الغرب فالضرر يتوقف على استمرار ارتفاع الأسعار،
وتكلفة الطاقة البديلة التي يهدفون لتصنيعها، وفي كل الأحوال هناك حاجة
لسعي الدول العربية النفطية للاستفادة من الارتفاع الحالي ليس فقط في تعظيم
عوائدها النفطية خصوصًا أن التوقعات تشير لقرب نضوب المخزون النفطي السعودي
والخليجي عمومًا مقارنة بدول أخرى، ولكن أيضا في تحقيق مكاسب عربية عامة
باستغلال "سلاح النفط" في الضغط على الغرب، ونصرة القضايا العربية
خصوصًا القضية الفلسطينية.
|