بريدك الالكتروني


English

 

الثلاثاء 15 ذي القعدة 1427هـ - 5/12/2006م

رواق الأفكار » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
 أهم الأخبار

 

إلى لبنان المقاوم.. رسالة من محب

د. نيفين مسعد**

د. نيفين مسعد

أنا من جيل نشَّأه عبد الناصر على ألا عدو للعرب إلا إسرائيل، حَفَرَت تضاريس الصراع العربي-الإسرائيلي أخاديد في عمري على اختلاف مراحله، ولدت في عام العدوان الثلاثي، وحصلت على شهادة الابتدائية سنة النكسة، وتوجت تعليمي الثانوي بنصر أكتوبر، وكونت أسرتي مع الاجتياح الإسرائيلي للجنوب، ورُزقت بابنتي مع إسقاط اتفاق أيار 83 بواسطة المقاومة الوطنية الشريفة... هل يعقل بعدها ألا أعي معنى أن ينغرس الكيان الصهيوني في قلب أمتي وعلى حدود بلادي؟!

لم يقنعني سلامهم كما لم يقتنع ملايين المصريين والأردنيين والموريتانيين ممن لم تستشرهم حكوماتهم وإن ادعت تمثيلهم، ولا تحليت يوما بكرم الضيافة مع أصحاب الطواقي السوداء والقلوب الأشد سواداً، لم أذق موالحهم التي تغمر الأسواق، وتفسد على فلاحينا ثمار جهدهم، فأنا من جنس تنتمي إليه دلال المغربي ووفاء إدريس ورجاء أبو عودة وأنغام سالم.

وعندما قُدر للمقاومة الإسلامية في فلسطين ولبنان أن تحمل عن الأمة عبء التحرير، كان طبيعيًّا أن أقف معها في المربع ذاته، تفرقنا الأيديولوجيا ويجمعنا العداء لإسرائيل. أذكر دائماً المرة اليتيمة التي التقيت فيها بالأمين العام لحزب الله، ولم يكن الجنوب قد تحرر، ولا كان هو حسن نصر الله الذي بات يعرفه كل طفل عربي، دعينا للقائه في إطار المؤتمر القومي العربي، ودار حوار حول ما إذا كان رجال الحزب سيطلبون منا وضع غطاء رأس قبل لقاء السيد، وكنت ممن قلن لو طلب فلن أذهب، لكن لم يطلب والتقينا، جمعتنا موائد طعام بسيط وكريم امتدت بطول القاعة في مكان لا نعرفه، استمعنا إليه باهتمام يحكي عن خبرة مقاتليه في مواجهة الصهاينة وهم يفرون أمامهم كالجرذان، يتحدث بثقة ويملك ناصية الكلام، يضغط على الحروف والكلمات، ويطمئننا على أن نصر الله قريب، وعندما جلس بيننا يأكل قلت لنفسي: في المرة القادمة إن طلبوا غطاء رأس قبل لقائه فلن أقاوم، وتأبطت ألبوم صور الشهيد هادي نصر الله وانصرفت.

خصوصية لبنان المقاوم

تلك هي منزلة المقاومة في نفوس ملايين العرب، ولست إلا واحدة منهم، وهذا هو المعنى الذي يجسده لنا حزب الله وحركة أمل كما تفعل حماس فلسطين وجهادها، ولذلك فقد كنت بين هؤلاء جميعاً وهم يتسمرون أمام شاشات الفضائيات تنقل إليهم دقيقة بدقيقة أحداث العدوان الهمجي الأخير على لبنان.. يا رب كن معهم.. شد على سواعدهم.. سدد طلقاتهم.. احفظ لبنان.. احفظ لبنان..

في حديث لبنان تختلط الذات مع الحدث، فأن يقولوا ما يقولون عن خصوصية هذا القطر أو ذاك لا أرى خصوصية إلا للبنان، ولا فرادة إلا لشعبه، تنوعاً وتوقداً والتصاقاً بالأرض وحباً للحياة، لكن لبنان أيضاً هو ثلاثون عاماً من الذكريات، منذ وطئته لأول مرة عام 1974، وحتى زرته في نهاية أغسطس 2006، ثلاثون عاماً رأيت فيها ما لم أره قط، الكهرباء تزين أحد مساجد بيروت الحبيبة ابتهاجاً بقرب أعياد الميلاد، تنتقل من حي لآخر كانتقالك من بلد لآخر، فلكل حي شخصيته، ولكل شخصية منطقها، لا تشعر أبداً بغربة في هذا الوطن، تمارس فيه كل ما تمارسه في وطنك، وبعض ما لا تقدر على ممارسته فيه، وذاك بعض أزمته، ثلاثون عاماً دُمر فيها لبنان وعُمر، ثم دُمر، فهل نعمره؟

بقدر ما أحبَّ ملايين العرب -ولست إلا واحدة منهم- التفافَ الشعب حول مقاومته طيلة ثلاثة وثلاثين يوماً دام خلالها العدوان على لبنان، فمثلهم كدت أجن وأنا أتابع السباق اللبناني المحموم نحو الهاوية، لا أملك علم بعض الساسة ولا أعرف حساباتهم، لكني لست مطمئنة كما هم مطمئنون إلى الزهو بأن الخلاف في لبنان بات سياسيًّا لا طائفيًّا، هل يمنع احتدام الخلاف -وبفرض أنه سياسي- الاندفاع نحو الهاوية؟ لا أملك علم بعض الساسة ولا أعرف حساباتهم، لكني لست واثقة مثلما هم واثقون من القدرة على ضبط الجموع وتوجيهها من عل، هل يحمل أي معنى من المثل السيار عن تأجج النار من مستصغر الشرر؟ لا أملك علم بعض الساسة ولا أعرف حساباتهم، لكني لا أضمن -وإن كانوا يضمنون- ألا يتحول انقلاب فريق على فريق إلى انقلاب من الخارج على كل لبنان.

خلل التوازنات يقود للاستعلاء

للبنان على كل من ينتمي إليه، والانتماء ليس حكماً بالنسب، حق في أن يقلق ويفكر. أفكر ومثلي كثيرون في أن إطاحة حكومة الأكثرية -وإن تكن ما تكون الملاحظات على أدائها- بالشارع لا بالمجلس تقدم المبرر للانقلاب على حكومات أكثرية منتخبة ما سبق من هذه الحكومات وما سوف يجيء، وفي ما يحدث في فلسطين خير شاهد.

أفكر في أن للمعارضة مطالبها كما أن للحكومة مطالبها، وأن لبنان لا يحكم إلا بالتوافق فلبنان ليس أوكرانيا كما قال السيد حسن نصر الله. أفكر في أن لبنان الذي عاش يوماً بلا رئيس للجمهورية وآخر برئيسين لحكومتين ليس واردا تكرار سوابقه، فالزمن صار غير الزمن، وما لم تحققه إسرائيل في الصيف الماضي تسعى إليه في شهور أُخَر. أفكر في أن لبنان الذي يقال عنه إن ضعفه سر قوته يحتاج أن يشعر جميع ساسته أنهم متساوون حتى يمارس تلك القوة، فخلل التوازنات يقود لاستعلاء.

يفكر كثيرون مثلي لكن ربما لا يعبرون عن تفكيرهم، أعبر وقد يتفاعل معي من أخاطبهم أو لا يتفاعلون، ومع ذلك فلدّي أمل في أن تنتقل الحكمة من إدارة معركة العدو إلى إدارة الخلاف السياسي مع الحكم، وبأن يفسح آلاف المعتصمين في طرقات بيروت الحبيبة مجالاً لحوار وطني، أعني حلقة جديدة من حلقات الحوار، أتصور أن القائمين عليه قد يكونون أحرص من ذي قبل على التوصل لنقطة وسط تجيء على خلفية أيام عصيبة مضت ومجهول لا يعلم مداه إلا الله.


** أستاذ العلوم السياسية-جامعة القاهرة، والمدير الأكاديمي لمعهد الدراسات العربية- جامعة الدول العربية-القاهرة.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع