بريدك الالكتروني


English

 

 الثلاثاء 23 شوال 1427 هـ -14/11/2006 م

قراءات أمريكية » إستراتيجيات » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
 أهم الأخبار

 

حرب العراق 2003.. نهاية حقبة أمريكية*

نهاية عصر

ريتشارد هاس**
ترجمة: مروى صبري

احتلال العراق كان إيذانا ببداية الحقبة الخامسة لتاريخ الشرق الأوسط الحديث

كان وصول "نابليون" على رأس جيشه إلى مصر منذ زهاء قرنين ماضيين، إيذانا ببدء التاريخ الحديث لمنطقة الشرق الأوسط. والآن وبعد مرور قرابة 80 عاما على سقوط الإمبراطورية العثمانية، و50 عاما على نهاية الحقبة الاستعمارية، وأقل من 20 عاما على انتهاء الحرب الباردة، انتهت الحقبة الأمريكية التي تمثل الحقبة الرابعة في التاريخ الحديث للمنطقة، وبات من المؤكد أن الرؤى الرامية لإقرار السلام والرخاء والديمقراطية بالمنطقة على غرار ما تم في أوروبا لن تتحقق.

وبدلا من ذلك، أصبح الاحتمال الأكبر أن يظهر "شرق أوسط" يخلف تداعيات سلبية على دُوله، والولايات المتحدة، والعالم بأسره.

بصورة عامة، اتسمت جميع الحقب سالفة الذكر في تاريخ المنطقة بتفاعل العديد من العوامل الداخلية والخارجية، أما العامل المتغير فكان مدى التوازن بينها، وعلى ما يبدو ستتميز العوامل الخارجية بتأثير ضئيل نسبيا خلال الحقبة القادمة من تاريخ المنطقة، بينما ستكون اليد العليا للعوامل الداخلية، وستتمثل العناصر الداخلية التي ستفوز بالسلطة في الراديكاليين العازمين على تغيير الأوضاع القائمة. وفي الواقع، ستنطوي محاولات تغيير المنطقة من الخارج على صعوبة بالغة، وستشكل إلى جانب التعامل مع آسيا المتغيرة، التحدي الأول في مجال السياسة الخارجية أمام واشنطن لعدة عقود قادمة.

تاريخيا، ولد الشرق الأوسط الحديث في أواخر القرن الثامن عشر، ويرى بعض المؤرخين أن الحدث الأبرز في هذا الإطار كان توقيع الإمبراطورية العثمانية وروسيا عام 1774 لمعاهدة إنهاء الحرب بينهما. إلا أن الحدث الأهم كان دخول "نابليون" مصر عام 1798 بصورة يسيرة نسبيا، ما شجع الأوروبيين على التحرك نحو غزو المنطقة، ودفع المفكرين المسلمين والعرب على التفكير بشأن أسباب تداعي حضارتهم وتراجعها بهذه الدرجة الكبيرة أمام أوروبا المسيحية، وهي تساؤلات ما تزال مثارة حتى اليوم.

وكان من شأن أفول نجم الإمبراطورية العثمانية والاختراق الأوروبي للمنطقة إثارة ما بات يطلق عليه "القضية الشرقية" والمتعلقة بكيفية التعامل مع تداعيات انهيار الحضارة العثمانية، والتي عمدت الكثير من الأطراف للإجابة عنها بما يخدم مصالحها منذ ذلك الحين.

انتهت الحقبة الأولى من التاريخ الحديث للشرق الأوسط باندلاع الحرب العالمية الأولى، وسقوط الإمبراطورية العثمانية، وإقرار النظام الجمهوري بتركيا، وتقسيم غنائم الحرب بين الدول الأوروبية المنتصرة. أعقب ذلك بدء الحقبة الاستعمارية من تاريخ المنطقة التي كانت الهيمنة الكبرى فيها لفرنسا والمملكة المتحدة.

وقد استمرت هذه الحقبة على امتداد أربعة عقود بعد أن استنفدت حرب عالمية أخرى قوى الدول الأوروبية في الوقت الذي تصاعدت حركة القومية العربية وبدأ التنافس بين قوتين عظميين.

من جانبه، أشار المؤرخ "ألبرت هوراني" إلى أن "من يحكم الشرق الأدنى يحكم العالم، ومن له مصالح عالمية يتحتم عليه الاهتمام بالشرق الأدنى". ويعتبر "هوراني"- عن حق- أزمة السويس عام 1956 الخط الفاصل بين نهاية الحقبة الاستعمارية وبداية حقبة الحرب الباردة بالمنطقة.

وكما كان الحال في السابق، اضطلعت القوى الخارجية أثناء الحرب الباردة بدور مهيمن في الشرق الأوسط، لكن طبيعة التنافس الأمريكي ـ السوفيتي ذاتها منحت الدول الإقليمية مساحة كبيرة للمناورة.

وتعد حرب أكتوبر عام 1973 أبرز معالم هذه الفترة والتي تمكنت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي من إيقافها، ما مهد الطريق أمام الجهود الدبلوماسية الطموحة، بما في ذلك إبرام معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل.

إلا أنه من الخطأ النظر إلى تلك الحقبة الثالثة باعتبارها مجرد فترة تميزت بتنافس جرت السيطرة عليه بصورة جيدة بين القوتين العظميين، إذ أحدثت حرب يونيو عام 1967 تغييرا دائما في توازن القوى بالشرق الأوسط، ثم جاء استغلال النفط كسلاح اقتصادي وسياسي عام 1973 ليسلط الضوء على المخاطر التي تواجهها الولايات المتحدة والعالم جراء نقص الإمدادات النفطية وارتفاع أسعارها، كما أن عملية التوازن التي اتسمت بها الحرب الباردة خلقت إطارا تمتعت فيه دول المنطقة بقدر كبير من الاستقلالية في السعي وراء تطبيق أجنداتها. وأظهرت ثورة عام 1979 في إيران التي قضت على أحد أعمدة السياسة الأمريكية بالمنطقة، عجز القوى الخارجية عن السيطرة على الأحداث الجارية بالمنطقة، ومن ناحيتها، رفضت الدول العربية المحاولات الأمريكية لضمها للمعسكر المناوئ للاتحاد السوفيتي، وأدى الاحتلال الإسرائيلي للبنان عام 1982 إلى ظهور جماعة "حزب الله"، بينما استنفدت الحرب الإيرانية - العراقية قوى هاتين الدولتين على مدار عقد كامل.

الرعاية الأمريكية

وضعت الحرب الباردة أوزارها وأفل نجم الاتحاد السوفيتي لتبدأ حقبة جديدة في المنطقة تمتعت خلالها واشنطن بنفوذ غير مسبوق وحرية بالغة في التصرف. وكان أبرز ملامح هذه الحقبة الأمريكية تحرير الكويت بقيادة الولايات المتحدة، وتمركز قواتها البرية والجوية على امتداد فترة طويلة داخل شبه الجزيرة العربية، والاهتمام الدبلوماسي النشط بمحاولة تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي الذي بلغ ذروته في جهود إدارة "كلينتون" المكثفة التي لم يحالفها النجاح في كامب دافيد. وقد اتضحت أثناء هذه الفترة أكثر من أي وقت ملامح ما ينظر إليه الآن باعتباره "الشرق الأوسط القديم"، حيث اتسمت بعراق عدائي ولكنه محبط، وإيران راديكالية لكنها منقسمة على نفسها وضعيفة، وإسرائيل باعتبارها أقوى دول المنطقة والقوة النووية الوحيدة بها، علاوة على أسعار النفط المتقلبة وأنظمة عربية تقمع شعوبها، وتعايش غير مريح بين إسرائيل وكل من الفلسطينيين والعرب، وهيمنة الولايات المتحدة على المنطقة بصورة عامة.

بيد أن عددا من العوامل أدى إلى إنهاء هذه الحقبة بعد أقل من عقدين على بدايتها، كان على رأسها قرار إدارة "بوش" بمهاجمة العراق عام 2003 وأسلوب إدارتها لهذه العملية العسكرية والاحتلال الذي أعقبها. وسقط العراق -الذي يهيمن عليه السُّنة- بين ضحايا هذه الحرب وهو الذي تميز بقوة وعزيمة كافيين لتحقيق توازن مع إيران الشيعية. وشهد العراق والمنطقة بأسرها تصاعد التوترات السنية ـ الشيعية التي ظلت خامدة لفترة. ووجد الإرهابيون في العراق قاعدة جديدة لهم تمكنوا من خلالها من تطوير تكتيكات جديدة قاموا بتصديرها للخارج. وأصبحت الديمقراطية في أجزاء كثيرة من المنطقة مرادفا لانعدام النظام العام وإنهاء الهيمنة السنية وتأجيج مشاعر كراهية الولايات المتحدة. ونتيجة تخصيص جزء كبير من المؤسسة العسكرية الأمريكية لخدمة هذه الحرب، تقلص حجم النفوذ الأمريكي على المستوى العالمي.

إن إحدى المفارقات التي ينطوي عليها التاريخ أن حرب العراق الأولى التي فرضتها الضرورة شكلت بداية الحقبة الأمريكية بالشرق الأوسط، بينما جاء اندلاع حرب العراق الثانية التي كانت محض اختيار من قبل واشنطن إيذانا بنهايتها.

من بين العوامل الأخرى ذات الصلة في هذا الشأن تداعي عملية السلام الشرق أوسطية. من المعروف أن واشنطن تفردت من الناحية التقليدية بالقدرة على التعامل مع العرب وإسرائيل، بيد أن قمة كامب دافيد عام 2000 كشفت النقاب عن حدود هذه القدرة. ومنذ ذلك الحين أسفر ضعف خلفاء "ياسر عرفات" وصعود "حماس" واتباع إسرائيل لسياسات انفرادية، عن تهميش واشنطن، وهو تحول عززه عدم رغبة إدارة "بوش" الحالية لبذل جهود دبلوماسية نشطة.

من العوامل الأخرى التي دفعت الحقبة الأمريكية إلى نهايتها فشل الأنظمة العربية التقليدية في التصدي لجاذبية التيارات الإسلامية الراديكالية، ففي مواجهة موقف يفرض عليهم الاختيار ما بين: إما القادة السياسيين الفاسدين والمنعزلين عنهم أو القادة الدينيين النشطاء، اختار الكثير من أبناء المنطقة الفريق الأخير. أما قادة الولايات المتحدة فلم ينتبهوا إلى الصلة القائمة بين المجتمعات المنغلقة وانتشار الفكر الراديكالي سوى بعد وقوع هجمات 11 سبتمبر 2001. إلا أن أسلوب استجابتهم الذي اعتمد على ممارسة الضغوط للإسراع من إجراء انتخابات بغض النظر عن الإطار السياسي المحلي منح الإرهابيين وأنصارهم فرصا أكبر مما كان عليه الحال في السابق.

وأخيرا، كان للعولمة هي الأخرى دور في تغيير المنطقة، حيث قللت من المصاعب القائمة أمام الإرهابيين فيما يخص الحصول على التمويل والأفكار والأسلحة والمجندين الجدد. علاوة على تحول العالم العربي إلى "قرية إقليمية" ذات طابع سياسي بفضل انتشار وسائل الإعلام الجديدة، خاصة القنوات الفضائية، وكان من شأن المواد التي تعرضها من مشاهد للعنف والدمار بالعراق، وصور تكشف سوء معاملة السجناء العراقيين والمسلمين، ومعاناة الأفراد في غزة والضفة الغربية والآن لبنان- تأجيج مشاعر السخط في نفوس الكثير من أبناء الشرق الأوسط تجاه واشنطن، ما أسفر بدوره عن مواجهة الحكومات الإقليمية صعوبة أكبر في التعاون العلني معها بينما تضاءل النفوذ الأمريكي بالمنطقة.


*دراسة نشرت تحت عنوان "الشرق الأوسط الجديد" بمجلة فورين أفيرز Foreign Affairs، عدد نوفمبر/ ديسمبر 2006. طالع أصل الدراسة

** ريتشارد هاس مدير تخطيط السياسات الأسبق بوزارة خارجية الولايات المتحدة ورئيس مجلس العلاقات الخارجية حاليا.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع