|
لا تزال ملامح الحقبة الخامسة من
التاريخ الحديث للشرق الأوسط آخذة في
التشكل، بيد أنه من الطبيعي أنها ستنبع من
العوامل المميزة لنهاية الحقبة الأمريكية.
ويمكن القول إن هناك عوامل عدة
ستسهم في تشكيل الإطار العام للأحداث
اليومية بالمنطقة، على رأسها:
أولا: أن واشنطن سوف تظل متمتعة
بقدر أكبر من النفوذ داخل المنطقة عن أي
قوة خارجية أخرى، ومع ذلك سينكمش هذا
النفوذ عن مستواه السابق جراء تأثير
مجموعة متنوعة من القوى الداخلية
والخارجية والقيود الكامنة في طبيعة
القوة الأمريكية والنتائج المترتبة على
السياسات الأمريكية.
ثانيا: ستواجه واشنطن تحديا
متزايدا من جانب السياسات التي تتبعها
القوى الخارجية الأخرى، على سبيل المثال،
لن يقدم الاتحاد الأوروبي سوى قدر ضئيل من
المساعدة في العراق، ومن المحتمل أن
يُدفَع نحو اتخاذ توجه جديد إزاء القضية
الفلسطينية. من ناحية أخرى، سترفض الصين
ممارسة ضغوط على إيران، وستسعى لضمان
توافر إمدادات الطاقة لها، وبالمثل سترفض
روسيا الدعوات المطالبة بفرض عقوبات ضد
طهران وستبحث عن فرص لإظهار استقلالها عن
الولايات المتحدة. وستعمد كل من بكين
وموسكو -بالإضافة إلى العديد من الدول
الأوروبية- لإبعاد نفسها عن الجهود
الأمريكية الرامية لتعزيز الإصلاح
السياسي بالدول الشرق-أوسطية غير
الديمقراطية.
ثالثا: ستشكل إيران واحدة من أقوى
دولتين بالمنطقة، وقد أخطأ من يظن أنها
على مشارف تغيير داخلي راديكالي، وإلى
جانب تمتعها بثروة ضخمة تتمتع طهران بأقوى
نفوذ خارجي داخل العراق، علاوة على نفوذها
القوي لدى كل من "حماس" و"حزب الله".
وفي واقع الأمر، تعد إيران قوة استعمارية
كلاسيكية تطمح إلى إعادة تشكيل المنطقة
على صورتها.
رابعا: ستمثل إسرائيل الدولة
القوية الأخرى بالمنطقة، والوحيدة
المتميزة باقتصاد حديث قادر على المنافسة
عالميا، وعلاوة على كونها الدولة
الإقليمية الوحيدة التي تملك ترسانة
نووية، تحظى إسرائيل أيضا بأفضل قوة
عسكرية تقليدية في المنطقة، إلا أنه ما
زال يتعين عليها تحمل تكاليف احتلالها
للضفة الغربية والتعامل مع تحد أمني متعدد
الأوجه والأبعاد. ومن الناحية
الإستراتيجية فإسرائيل حاليا في موقف
أضعف مما كانت عليه قبل اندلاع الأزمة مع
لبنان صيف 2006، وفي حال تطوير طهران لأسلحة
نووية سيزداد تدهور موقفها، وكذلك الحال
مع واشنطن.
خامسا: من غير المحتمل إقرار -ولو
أدنى حد من- عملية سلام حقيقية على امتداد
المستقبل المنظور، ففي أعقاب العملية
المثيرة للجدل بلبنان يكاد يكون من المؤكد
أن الحكومة الإسرائيلية بزعامة حزب
كاديما ستكون بدرجة من الضعف لا تسمح لها
بحشد التأييد الداخلي لأي سياسة تبدو
منطوية على مخاطر.. لقد ضاعت الثقة الآن في
حكومة خطة فك الارتباط أحادي الجانب نتيجة
الهجمات التي أعقبت الانسحاب الإسرائيلي
من لبنان وغزة، علاوة على عدم توافر شريك
واضح على الجانب الفلسطيني قادر ومستعد
للتسوية، الأمر الذي يعوق فرص انتهاج توجه
يقوم على التفاوض.
من ناحية أخرى، فقدت الولايات
المتحدة -على الأقل في الوقت الراهن- جزءا
كبيرا من مكانتها كوسيط أمين يمكن الوثوق
به في عملية السلام، وفي تلك الأثناء سوف
تستمر إسرائيل في التوسع الاستيطاني
وبناء الطرق، وهو ما يزيد الأوضاع تعقيدا
أمام الجهود الدبلوماسية.
سادسا: سيظل العراق -الذي يمثل من
الناحية التقليدية مركزا للقوة العربية-
في حالة من الفوضى لسنوات قادمة مع وجود
حكومة مركزية ضعيفة به، وانقسام مجتمعه
على نفسه، ووقوع أعمال العنف الطائفي
بصورة منتظمة، وفي أسوأ الأحوال، سوف
يتحول العراق إلى دولة منهارة تعصف به حرب
أهلية تجر إلى دوامتها الدول المجاورة.
سابعا: ستبقى أسعار النفط مرتفعة
نتيجة الطلب القوي من كل من الصين والهند،
مع استمرار احتمالات حدوث نقص في
الإمدادات، وتشير الاحتمالات الكبرى إلى
تجاوز سعر برميل النفط حاجز 100 دولار
للبرميل بدلا من انخفاضه إلى 40 دولارا
للبرميل، وبطبيعة الحال ستأتي السعودية
وإيران والدول الكبرى المنتجة للنفط على
رأس المستفيدين من هذا الوضع.
ثامنا: سوف تمضي عملية "عسكرة"
المنطقة قدما بخطى سريعة، وبالفعل تشهد
الفترة الراهنة تنامي قوة الجيوش الخاصة
داخل العراق ولبنان والمناطق الفلسطينية،
وستظهر الميليشيات -التي تعد نتاجا وسببا
في الوقت نفسه لوجود الدول الضعيفة- في أي
مكان به عجز في سلطة الدولة أو قدرتها، ومن
المتوقع أن يسفر القتال الذي شهده لبنان
مؤخرا عن تفاقم هذا التوجه، نظرا لأن "حزب
الله" حقق الانتصار من خلال تجنب التعرض
لهزيمة ساحقة، بينما خسرت إسرائيل الحرب
لعجزها عن تحقيق نصر كاسح، ومن المؤكد أن
ذلك سوف يزيد من جرأة "حزب الله"
والجماعات التي تحاكيه.
تاسعا: سيبقى الإرهاب -الذي تم
تعريفه باعتباره الاستخدام المتعمد للقوة
ضد المدنيين لتحقيق أهداف سياسية- أحد
الملامح المميزة للمنطقة، وسيقع الإرهاب
في المجتمعات المنقسمة على نفسها، مثل:
العراق، والمجتمعات التي تسعى فيها
الجماعات الراديكالية لإلحاق الضعف
بالحكومة وتشويه صورتها، مثل: السعودية
ومصر، وستزداد أعمال الإرهاب تعقيدا،
وستظل أداة يجري استخدامها ضد إسرائيل
ومظاهر التواجد الأمريكي والقوى الخارجية
الأخرى.
عاشرا: سيملأ الإسلام بصورة
متنامية الفراغ السياسي والفكري داخل
العالم العربي، وسيوفر أسس الحياة
السياسية بالنسبة لغالبية أبناء المنطقة،
وفي أفضل الأحوال، ستنظر شعوب المنطقة إلى
القومية والاشتراكية العربية باعتبارها
ماضيا ولى عهده، وإلى الديمقراطية
باعتبارها أمرا يرتبط بالمستقبل البعيد،
أما الوحدة العربية فليست سوى شعار.
وبالفعل تعزز نفوذ إيران والجماعات
المرتبطة بها، في الوقت الذي ازدادت فيه
جهود تحسين الروابط بين الحكومات العربية
وكل من إسرائيل والولايات المتحدة تعقيدا.
في تلك الأثناء من المتوقع تفاقم
التوترات بين السنة والشيعة بمختلف أنحاء
المنطقة، وهو ما يسبب مشكلات بالدول التي
تجمع مجتمعاتها بين الطائفتين، مثل:
البحرين ولبنان والسعودية.
ويتمثل العامل الحادي عشر في
احتمال أن تبقى الأنظمة العربية على
طابعها الاستبدادي مع تنامي تعصبها
الديني وعدائها للولايات المتحدة، وستكون
مصر والسعودية أبرز دول المنطقة في هذا
الشأن. فمن ناحيتها أقرت مصر التي يشكل
سكانها قرابة ثلث سكان العالم العربي بعض
الإصلاحات الاقتصادية البناءة، إلا أنها
أخفقت في دفع الحياة السياسية بها على نفس
النهج، بل على العكس، يبدو النظام عازما
على قمع القلة الليبرالية بالبلاد، ووضع
الشعب المصري أمام خيارين: إما
الاستبداديين التقليديين أو "الإخوان
المسلمين"، ويكمن الخطر في أن المصريين
سينتهي بهم الحال في يوم من الأيام
لاختيار الفريق الأخير، ليس لتأييدهم
إياه وإنما لسأمهم من الأول، وفي المقابل،
من الممكن أن يسعى النظام للتلون بلون
معارضيه الإسلاميين للحد من مستوى
الإقبال عليهم، وخلال القيام بذلك قد يعمد
النظام إلى الإبقاء على مسافة بينه وبين
واشنطن.
وبالنسبة للسعودية، تعتمد
الحكومة والصفوة الملكية على العوائد
النفطية الضخمة لتهدئة المطالب الداخلية
بالتغيير، بيد أن المشكلة تكمن في أن معظم
الضغوط التي استجابوا لها صدرت عن اليمين
الديني وليس اليسار الليبرالي، وهو ما
دفعهم لاعتناق أجندة السلطات الدينية.
وأخيرا، ستبقى المؤسسات
الإقليمية ضعيفة، وجدير بالذكر، أن أبرز
مؤسسة شرق-أوسطية وهي جامعة الدول العربية
تستثني من عضويتها أكبر قوتين بالمنطقة:
إسرائيل وإيران، وسيظل الصدع العربي-الإسرائيلي
حائلا دون مشاركة إسرائيل في أي علاقة
إقليمية دائمة، كما ستحول التوترات بين
إيران والدول العربية دون تنمية توجهات
إقليمية، وسوف يستمر النشاط التجاري
بالشرق الأوسط عند مستواه المتواضع؛ لأن
عددا ضئيلا من دول المنطقة يعرض سلعا
وخدمات تحتاجها الدول الأخرى بكميات
ضخمة، وسيستمر تدفق السلع المصنعة
المتطورة من خارج المنطقة، ولن تجني
المنطقة سوى القليل من ثمار التكامل
الاقتصادي العالمي رغم حاجتها الملحة
لذلك.
|