 |
|
عقلية راعي البقر سيطرت
ولا تزال على كافة توجهات أمريكا
الداخلية والخارجية |
أثارت السياسات الخارجية
الأمريكية جدلا عالميا واسعا على مدى
الخمسة عشر عاما الأخيرة منذ أصبحت القوة
العظمى المنفردة في العالم، إلا أن
السياسات الأمريكية قد شهدت انتقادات
داخلية واسعة منذ أحداث الحادي عشر من
سبتمبر 2001 بشكل خاص، وانصبت الانتقادات
حول التوجه العسكري الأمريكي، والتدخل في
شئون الغير بشكل يؤثر في نظر الكثير من
الأمريكيين على مصالحهم.
ويرى البعض أن هذا التوجه
الأمريكي لممارسة القوة والهيمنة هو توجه
حديث ناتج عن الانحراف عن القيم المؤسسة
للأمة الأمريكية، لكن هذا الطرح يشكك فيه
المحلل الأمريكي روبرت كاجان في مقال له
نشره مركز كارنيجي للسلام الدولي تحت
عنوان: "أمة رعاة البقر Cowboy Nation"،
نقلا عن جريدة The New Republic Online الإلكترونية،
حيث يوضح فيه تجذر الميل للتوسع في ممارسة
القوة والنفوذ لدى الأمة الأمريكية منذ
نشأتها الأولى وحتى الآن، ويستعرض أسباب
هذه النزعة وتجلياتها على مر التاريخ
الأمريكي، والأوهام المحيطة بهذا التاريخ.
يبدأ كاجان مقاله باستعراض الجدل
الكبير على المستوى القومي في الولايات
المتحدة حول السياسة الخارجية الذي يرى
أنه ليس ناتجا فقط عن الصعوبات الواضحة في
العراق وأفغانستان، ولكن بالمعنى الأوسع
للسياسة الخارجية الأمريكية، حيث يرى
البعض أنها خرجت عن تقاليدها، فيقول
الكاتب: "لقد أصبحنا عسكريين جدا،
ومثاليين جدا، ومغرورين جدا، صرنا
إمبراطورية، ومعظم العالم يعتبرنا خطرا".
وفي مواجهة ذلك هناك دعوة للعودة إلى
تقاليد السياسة الخارجية الأمريكية، وكأن
هذا هو الحل، فما هذه التقاليد؟
صورة بنيت على أسطورة
رغم القوة الكبيرة التي أصبحت
الولايات المتحدة تتمتع بها فإن
الأمريكيين يفضلون أن يرونها قوة عظمى
متمنعة، قوة تحافظ على الأوضاع القائمة
وتسعى فقط لحفظ الاستقرار على الساحة
الدولية. وقد تبنى جيمس سليسنجر هذا
المنظور منذ سنوات عندما قال: "إن
الأمريكيين قد دُفعوا لموقع السيادة،
فإذا مارسوا القوة وتدخلوا في شئون
الآخرين فإن ذلك يكون إما لتعرضهم للهجوم،
أو لظهور قوى ثورية (مثل: النازية
الألمانية، والإمبريالية اليابانية،
والشيوعية الروسية، والراديكالية
الإسلامية)، فالأمريكيون لا يختارون
الحرب وإنما تفرض عليهم".
إلا أن هذه الصورة الذاتية مبنية
على أسطورة، فالولايات المتحدة كانت قوة
توسعية منذ خطا المهاجرون الأوائل على
القارة الأمريكية، ولم تتوقف عن التوسع
على مدى القرون الأربعة اللاحقة، سواء في
الأراضي أو التجارة أو الثقافة أو
الجغرافيا السياسية، فالولايات المتحدة
على عكس ما تصورها كتب التاريخ قوة ثورية
لا تحافظ على الأوضاع القائمة، بل توسع
باستمرار من دائرة مشاركتها وتأثيرها في
الشئون العالمية، فالنزعة الأمريكية
للتدخل في شئون الآخرين ليست ظاهرة حديثة
أو انحرافا عن الروح القومية، بل إنها
متجذرة في الـ"دي إن إيه" الأمريكي.
كان المستعمرون البريطانيون
مشغولين بطرد السكان الأصليين من ملايين
الأفدنة -ومن الوجود نفسه في كثير من
الأحيان- قبل نشأة الدولة الأمريكية، ثم
توسع الأمريكيون بعد ذلك في الفترة من 1740
إلى 1820 بلا توقف باتجاه الغرب حتى وادي
أوهايو، وتخطوا جبال روكي حتى المحيط
الباسيفيكي، وباتجاه الجنوب في فلوريدا
ومكسيكو، وشمالا باتجاه كندا، ولم يكونوا
في هذه الأثناء يطردون فقط الهنود الحمر،
وإنما يطردون الإمبراطوريات الكبرى:
الفرنسية والأسبانية والروسية.
وسيكون غريبا أن نقول: إن
الأمريكيين قد حصلوا على كل هذه الأراضي
وصاروا بمثل هذه القوة دون أن يرغبوا حقا
في ذلك، فجيفرسون -على سبيل المثال- تنبأ
بـ"إمبراطورية ليبرالية" كبيرة تمتد
بطول القارة وعرضها، أما جون كوينسي آدمز
فاعتبر أن الولايات المتحدة كُتب عليها من
الله وبحكم الطبيعة أن تمثل أكثر
المجموعات البشرية التي اجتمعت في نظام
اجتماعي موحد من حيث الشعبية والقوة، ولم
تشهد التطلعات الأمريكية سوى الزيادة على
مر العقود التالية بالتوازي مع تزايد قوة
وتأثير الولايات المتحدة، ففي خمسينيات
القرن التاسع عشر تنبأ وليام سيوارد بأن
الولايات المتحدة ستصبح القوة المسيطرة
في العالم، وستكون "أكبر الدول
الموجودة والتي وجدت سابقا"، وبعد قرن
من الزمان قال دين أكيسون -في وقت أصبحت
فيه الولايات المتحدة بالفعل هي المسيطرة
على العالم-: إن "الولايات المتحدة هي
قاطرة الإنسانية، وبقية العالم هو ذيل
القاطرة"، وفي وقت لاحق وصفها بل
كلينتون بأنها "أمة لا غنى للعالم عنها".
لم تكن القوى الأخرى ترى منذ
البداية أن الشعب الأمريكي شعب يسعى
لتحقيق الاستقرار، وإنما تراه كمصدر
للإخلال بالأوضاع القائمة، فهو "غير
قادر على العيش بهدوء أو على السماح
للآخرين بذلك"، وقد سجل جون كوينسي آدمز
في 1817 -طبقا لمتابعاته في لندن- أن إحساس
أوروبا وهي تتابع نمو قوة الأمريكيين
وتعدادهم كان الخشية من كونهم إذا توحدوا
سيصيرون عضوا خطرا جدا في المجتمع الدولي.
في القرون الماضية كان الحديث عن
الشرف القومي دافعا كافيا لدخول الولايات
المتحدة في الحرب، ورغم أن مثل هذا الخطاب
لم يعد قائما لدى الأمريكيين المعاصرين
فإن تغير توجهاتهم إزاء الحرب يعد أمرا
مشكوكا فيه، فالتقاليد الحربية الأمريكية
ما زالت قائمة خاصة إذا ما قورنت بمعظم
الديمقراطيات الموجودة في عالم ما بعد
الحرب العالمية الثانية، فقد مرت 14 سنة
على الولايات المتحدة -منذ 1989 وحتى 2003-
شهدت خلالها ثلاث إدارات شديدة الاختلاف،
وقامت فيها بنشر أعداد ضخمة من قواتها
المقاتلة، واشتركت في حملات قصف جوي موسعة
وهجوم بالصواريخ في تسع مناسبات مختلفة:
في بنما 1989، والصومال 1992، وهاييتي 1994،
والبوسنة 1995-1996، وكوسوفو 1999، وأفغانستان
2001، والعراق 1991 و1996 و2003، وبذلك سجلت
الولايات المتحدة متوسط لتدخلها العسكري
المؤثر كل 19 شهرا تقريبا، وهو أكبر معدل
تحقق في التاريخ الأمريكي، ويقف
الأمريكيون بمفردهم تقريبا في اعتقادهم
بفائدة -بل ضرورة- الحرب كوسيلة لتحقيق
العدالة، فاستطلاعات الرأي توضح أن 80% من
الأمريكيين يوافقون على أن الحرب في بعض
الأحيان تكون ضرورية لتحقيق العدالة،
بينما في فرنسا وألمانيا وإيطاليا
وأسبانيا وافق الثلث فقط على هذا الرأي.
لماذا نحن هكذا؟ الليبرالية
التوسعية
 |
|
روبرت كاجان |
ويسأل الكاتب: "كيف يمكن
التوفيق بين صورتنا الذاتية وهذه الحقائق؟"
هناك صعوبات، لقد كنا دائما غير مرتاحين
لقوتنا وطموحنا ورغبتنا في استخدام القوة
لتحقيق أهدافنا، ليبراليتنا المبنية على
عالمية الحقوق وحق تقرير المصير تجعلنا
غير مرتاحين لاستخدام نفوذنا في حرمان
الآخرين من حريتهم في التصرف، حتى لو كان
ذلك لأسباب جيدة في نظرنا، كذلك فإن وعينا
الديني يجعلنا غير مرتاحين للطموح سواء
الشخصي أو القومي، نظرتنا الحديثة للعالم
تعتبر الحرب من أجل الشرف مسألة غير
ديمقراطية عفا عليها الزمن، إلا أن هذه
التناقضات لا تمنعنا في النهاية من تحقيق
أهدافنا، لكنها تجعلنا نرفض أن نرى أنفسنا
كما يرانا الآخرون. وبدلا من ذلك نصنع نحن
قصصا مريحة عن ماضينا، ونتمنى أن نعود
للسياسات المتبعة في ذلك الماضي المتخيل،
فهذا أسهل من مواجهة الحقيقة المرة: إن
التوسع الأمريكي والميل للسيطرة سياسيا
واقتصاديا وإستراتيجيا ليست انحرافات عن
طبيعتنا الأصلية، وإنما هي نفسها طبيعتنا.
نحن نشترك مع الشعوب جميعا على مر
التاريخ في عدد من الخصائص، فالشعب
الأمريكي سعى للقوة لتحقيق الرخاء
والاستقلال والأمن، مثله مثل بقية الشعوب،
إلا أن تزايد القوة يغير الأمم كما يغير
الأشخاص، فيؤثر في تصورها عن العالم
ومكانها فيه، ويزيد من الاعتقاد بوجود
مهمة ملقاة على عاتقها، فالقوة تزيد
الطموح، لذلك فإن الأمريكيين عندما حصلوا
على أراضي لوزيانا الشاسعة في بداية القرن
التاسع عشر، مضاعفين بذلك حجم دولتهم
بأراض تتطلب عقودا من الزمن ليستوطنها
الناس، لم يجعلهم ذلك يقنعون بل بحثوا عن
المزيد من الأراضي فيما وراء تلك الحدود
الجديدة، وكأنهم كما قال عنهم أحد
الدبلوماسيين الأجانب: "لم يعودوا
يطيقون أي حدود حولهم".
لكن الشعب الأمريكي كان مدفوعا
بشيء آخر بالإضافة لهذه النزعة الإنسانية
للبحث عن المزيد من القوة والتأثير، إنها
الأيديولوجية الثورية الليبرالية التي
تبناها منذ البداية، الليبرالية كانت
العنصر الأكثر تأثيرا من أي عامل آخر في أن
تصبح الولايات المتحدة توسعية ومتطفلة
على مدى تاريخها.
الليبرالية هي التي غذت التوسع
الاستثنائي في الأراضي وفي التجارة في
القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهو ما
جعل الولايات المتحدة في البداية القوة
المسيطرة في أمريكا الشمالية، ثم قوة عظمى
في العالم في وقت لاحق، وقد حققت هذا عن
طريق تقديم حقوق الأفراد على الدولة،
والإعلان عن حقوق أساسية للأفراد، وجعل
المهمة الأساسية للحكومة هي الحفاظ على
تلك الحقوق.
ولذلك تعد وثيقة الاستقلال من
أهم محددات السياسة الخارجية الأمريكية،
بالإضافة للأفكار التنويرية التي وضعت في
قلب مفهوم الأمة الأمريكية، فقد كان وضع
هذه المبادئ موضع التنفيذ تغييرا
راديكاليا في الحكم أنتج نوعا جديدا من
السياسة الخارجية.
فالليبرالية لم تكن فقط دافعا
للتوسع، وإنما وفرت تبريرا لهذا التوسع،
وقد اعتقد الأمريكيون أنهم من خلال التوسع
الجغرافي والتجاري والاقتصادي والثقافي
ينشرون الحضارة الحديثة و"بركات
الليبرالية" في كل بقعة يصلون إليها في
سعيهم وراء الفرص، أي كما قال جيفرسون
لأحد قادة الهنود الحمر: "إننا نريد قبل
أي شيء أن نعلمكم كل ما تعلمناه، نريد أن
نعلمكم كل فنوننا لنجعلكم أكثر حكمة وثراء".
ونظر الأمريكيون للعالم منذ البداية طبقا
لافتراضات الليبرالية، فحسب إعلان
الاستقلال الأمريكي هناك حقائق أساسية
عالمية بطبيعتها، ليس فقط أن الناس قد
خلقوا متساوين ولهم حقوق أساسية ممنوحة من
الله، ولكن أيضا أن الحكومة العادلة التي
تحظى بالشرعية هي فقط تلك التي تستمد
قوتها من رضا المحكومين، ومن ثم "إذا
صار أي شكل للحكم غير محقق لهذه الغايات،
فمن حق الشعب أن يغيرها"، هذه النظرة
للعالم لا تقبل بإمكانية وجود حقائق بديلة.
نظرة تطورية للتاريخ
يعد مفهوم التقدم مفهوما مركزيا
في الليبرالية، وقد تبنى الأمريكيون أكثر
من أي شعب آخر نظرة تطورية للتاريخ،
يقيمون طبقا لها الأمم الأخرى حسب ما
حققوه من تقدم، فالروس كما قال روزفلت
مثلا: كانوا "أقل من الألمان، مثلما
الألمان أقل منا"، "إننا جميعا نسير
في نفس الطريق، البعض أسرع والبعض الآخر
أبطأ"، ورغم اختلاف الأمريكيين حول
سرعة التقدم المطلوبة فإنهم جميعا يؤمنون
أنه حتمي ومرغوب، ولذلك هناك اعتقاد
بضرورة مساعدة الأمم الأخرى في تطورهم
السياسي والاقتصادي، ولكن التقدم باتجاه
أي شيء إذا لم يكن باتجاه الليبرالية
الديمقراطية التي تقوم عليها قوميتهم
نفسها، ولهذا كان هناك اعتقاد بأن مصالح
الولايات المتحدة، وبشكل عملي جدا، لا
تختلف عن مصالح العالم، وكانت هذه خطوة
للاعتقاد بوجود مهمة خاصة وفريدة
للولايات المتحدة وهي تحفيز تطور البشرية،
فقد رأى سيوارد -أحد الآباء الأوائل للأمة
الأمريكية- أن الحقوق المنصوص عليها ليست
خاصة بهذا الشعب وحده وإنما بالبشرية كلها.
وقد واجهت التوجهات الليبرالية
في الماضي كما تواجه الآن الانتقادات
الداخلية، والتحذيرات من الغرور،
والمثالية المفرطة، والإمبريالية، وحذر
المحافظون بشكل خاص من مخاطر التوسع
الخارجي، متنبئين بأنها ستؤدي لخلق
حكومات فيدرالية قوية، الأمر الذي سيؤدي
بالضرورة إلى تضييق الحقوق والحريات
الفردية، إلا أن الانتقادات التي وُجهت
إلى الاتجاه الليبرالي في السياسة
الخارجية الأمريكية -سواء من المحافظين أو
الواقعيين أو من اليسار- نادرا ما أثرت في
توجيه الولايات المتحدة في اتجاه آخر.
لقد أدت هذه السياسة على مر
التاريخ إلى تحقيق عدد من الإنجازات ذات
الأهمية التاريخية، مثل: هزيمة النازية
الألمانية والإمبريالية اليابانية
والشيوعية الروسية، وعدد من الإخفاقات
المؤثرة أيضا. وكل من النجاحات والإخفاقات
كانت نتاجا لنفس الولايات المتحدة،
ومصدرها تلك الخصائص التي تجعل
الأمريكيين مقلقين للعالم: الرغبة في
مراكمة القوة واستخدامها، والطموح
والإحساس بالكرامة القومية، والحماس في
الدفاع عن المصالح والمبادئ، وعدم الرضا
عن الأوضاع القائمة، والإيمان بإمكانية
التغيير، وعلى مدار الوقت، ظلت الأمة
الأمريكية "خطرا" بالنسبة
للديكتاتوريات، ولهؤلاء الذين لا يريدون
الاتجاه الأمريكي في الليبرالية، ولمن
يخافون من التوجه العسكري الأمريكي،
وبالنسبة لمن يفضلون نظاما دوليا غير مبني
على قوة وحيدة مسيطرة ومستبدة في كثير من
الأحيان هي الولايات المتحدة الأمريكية.
ويختتم روبرت كاجان مقاله بأن:
هناك جدلا آخر حول احتياج العالم لنظام
دولي جديد أو لولايات متحدة أمريكية من
نوع مختلف، لكن الدخول في مثل هذا الجدل
حول المستقبل يقتضي أولا التحرر من
الأوهام حول الماضي الأمريكي.
|