بريدك الالكتروني


English

 

11:00 مكة - الإثنين 30 جمادى الأولى 1427 هـ - 26/6/2006 م

قراءات أمريكية » إستراتيجيات » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
 أهم الأخبار

 

أمريكا.. الجهد التطوعي في ذيل الأولويات

ليكس ريفل وسارة زالود* ترجمة: مروى صبري**

شعار وكالة المعونة الأمريكية

يمكن للولايات المتحدة أن تخلق حوارًا أكثر نشاطًا بين الثقافات المختلفة من شأنه تقليل اعتمادها على "القوة الصلبة" التي تشكل عبئا كبيرا على الميزانية، وذلك بتشجيع الأمريكيين على المشاركة في العمل التطوعي داخل الدول الأخرى، الأمر الذي يخلق توجهات إيجابية حيال الولايات المتحدة وقدرا أكبر من التفهم بين الأمريكيين حيال وجهات النظر الأجنبية.

ومن الناحية التاريخية نجد أن الوجه التطوعي للولايات المتحدة قد لقي ترحيبا من العالم على مدى عقود طويلة، مثل مد يد العون لجهود الإغاثة من الكوارث، وبناء المنازل للأسر الفقيرة، وتدريس اللغة الإنجليزية لطلاب الجامعة، والكثير من الجهود الأخرى المشابهة.

وواقعيا تسهم برامج التطوع الدولية بصورة مباشرة وغير مباشرة في أمن وسلامة الولايات المتحدة، وتمثل أحد أفضل السبل التي بمقدور الأمريكيين من خلالها تحسين علاقاتهم بباقي العالم.

بيد أن حجم هذه البرامج أدنى بكثير من الفوائد التي تعود على الولايات المتحدة، فمثلا نجد أن الميزانية الفيدرالية للسنة المالية 2005 / 2006 تدعم 75.000 من متطوعي برنامج "أمريكوربس" Americorps (الفيالق الأمريكية) العاملين على الصعيد الداخلي، بينما لا تدعم سوى 7.800 من متطوعي "فيالق السلام" العاملين في دول أجنبية، وذلك رغم إدراك الأمريكيين لأهمية التطوع في الدول الأجنبية بدليل التنامي الكبير الذي شهدته مثل تلك النوعية من البرامج التي يضطلع بها القطاع الخاص على مدار السنوات العشر الماضية، حيث شارك نحو 50 ألف أمريكي في عام 2005 في برامج تابعة لمنظمات غير حكومية وشركات.

التطوع الدولي قوة ناعمة ذكية

إن الوقت يعتبر الآن ملائما لإحداث ثورة في هذا المجال التطوعي الدولي الذي يمكنه أن يحقق نتائج مبهرة حتى لدى مقارنته بالبرامج الأخرى التابعة للحكومة الأمريكية في إطار استخدام "القوة الناعمة". ويتم ذلك من خلال إقرار سياسات ترمي لتعزيز البرامج القائمة بالفعل مثل زيادة التمويل الموجه لـ"فيالق السلام" وإثارة الوعي العام بالبرامج التطوعية في الخارج وتحديد مستوى كفاءة هذه البرامج؛ لأن هذه البرامج تمثل طريقة ذكية لترسيخ جذور الولايات المتحدة في هيكل هذا العالم الآخذ في التغير بسرعة.

وبصورة عامة، فالولايات المتحدة تسعى للاضطلاع بدور قيادي من أجل حماية مصالحها القومية الحيوية، وفي الوقت ذاته التعاون بصورة فعالة مع الدول الأخرى باعتبارهم شركاء لها، إذ تتطلب التحديات العالمية القائمة مثل الإرهاب والفقر والإيدز اتباع سياسات جديدة لتعزيز التعاون والتفاهم المتبادل مع مواطني الدول الأخرى.

وقد كشفت السنوات الأخيرة عن مساوئ العمل الفردي أو في إطار تحالفات صغيرة، علاوة على ذلك، فإن تجربة العراق زادت من وعي الرأي العام الأمريكي بحدود "القوة الصلبة" التي بمقدورها الإطاحة بالأنظمة غير الصديقة، لكنها تعجز عن بناء دول تتميز بالاستقرار والرخاء.

ويعد تولية "كارين هيوز" منصب وكيل وزارة الخارجية لشئون الدبلوماسية العامة والشئون العامة مؤشرا على التزام إدارة "بوش" بزيادة الاعتماد على نمط "القوة الناعمة" الذي ظل "جوزيف ناي" البروفسير بجامعة "هارفارد" يدعو إليه لمدة تزيد على العقد والخاص بأن تمارس حكومة الولايات المتحدة "القوة الناعمة" من خلال مجموعة واسعة من النشاطات المرتبطة بالقطاع العام بدءًا من برنامج "فولبرايت" لتبادل البعثات الأكاديمية وحتى "برنامج تحديات الألفية" المنشأة حديثا.

ومما لا شك فيه أن العمل التطوعي بالخارج يعد أحد صور "القوة الناعمة" التي تسهم بصورة كبيرة في تحقيق أمن وسلامة الأمريكيين، حيث نجد أن المتطوعين العاملين بالدول الأخرى يوطدون علاقات طويلة الأمد مع أبناء هذه الدول، ويعززون إمكانية التفاهم بين الثقافات بدرجة تعجز غالبية البرامج الأخرى ذات التمويل الفيدرالي عن تحقيقها، كما ينقل هؤلاء المتطوعون إلى أمريكا قدرا كبيرا من التفهم تجاه الثقافات الأجنبية، ويسهمون في بناء القدرة المؤسساتية ورأس المال الاجتماعي والحكم الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان، وهو ما يساعد على جعل العالم أكثر أمنا بالنسبة للأمريكيين على الصعيدين الداخلي والخارجي.

وبمقدور المنظمات غير الحكومية والشركات التحرك من تلقاء نفسها لتوسيع نطاق برامجها التطوعية الدولية وزيادة مستوى كفاءتها، لكن من الممكن أن تنمو هذه البرامج بصورة أسرع عبر حملة لإثارة الوعي العام بشأن فوائد العمل التطوعي الدولي وزيادة مستوى نمط الدعم الذي توليه الحكومة الفيدرالية لـ"أمريكوربس" والبرامج التطوعية المحلية الأخرى.

برامج التطوع الدولية.. دعم أمريكي محدود

لقد أعطت إدارة "بوش" للبرامج التطوعية دفعة كبيرة بصورة عامة بإنشائها "فيالق الحرية الأمريكية" USA Freedom Corps عام 2002 و"متطوعي الرخاء" Volunteers For Prosperity عام 2003، إلا أن الدعم كان في معظمه خطابي، حيث جاء دعم ميزانية هذين البرنامجين محدود للغاية.

وبشكل أشمل، قمنا في هذه الدراسة بتقسيم البرامج التطوعية، والتي بلغ عدد المشاركين بها عام 2005 نحو 38.500 متطوعا في 52 برنامجا، إلى أربع فئات هي:

1 -  البرامج العامة: وبها يختار المتطوعون بصورة رئيسية على أساس التزامهم بالخدمة في الخارج وتوفير درجات متنوعة من التدريب. ويعتبر معهد "إيرث ووتش"Earthwatch Institute أحد أكبر البرامج في هذه الفئة، ويقوم بتوفير متطوعين للعمل مع العلماء في برامج بحثية داخل الدول الأجنبية.

2 -  البرامج المهنية: وتجذب تلك النوعية من البرامج المتطوعين الذين يتمتعون بخبرة كبيرة في مجال العمل المهني، وتعد منظمة "أطباء بلا حدود" أحد أشهر هذه البرامج.

3 - البرامج المرتبطة بالشركات: ربما تكون أسرع فئات البرامج التطوعية نموًّا، حيث يشجع عدد كبير من الشركات متعددة الجنسيات الموظفين على المشاركة في العمل التطوعي داخل مجتمعاتهم المحلية أو في المناطق التي يكون بها طلب شديد على المهارات التي يتمتعون بها، بما في ذلك الدول الأجنبية.

4 -  البرامج المرتبطة بالدين: وتستثني الدراسة البرامج التي ترسل متطوعين إلى الخارج بصورة رئيسية من أجل التبشير بدين ما بحيث لا ترتبط هذه النوعية من البرامج بديانة بعينها، وتقبل جميع البرامج التي تغطيها الدراسة متطوعين من جميع الديانات. وينتمي إلى هذه الفئة أكبر برنامج لا يحصل على دعم حكومي وهو "هابيتات فور هيومانيتي إنترناشونال" (Habitat For Humanity International).

وعند النظر إلى التمويل المخصص للبرامج التطوعية الدولية في إطار الميزانية الفيدرالية، نجد أنه يكاد يكون غير ملحوظ على الإطلاق، حيث يبلغ ما يقرب من 350 مليون دولار، وهو ما يقل عن 1% من إجمالي الميزانية المخصصة للشئون الدولية في عام 2005. وتجدر الإشارة إلى أن الإنفاق الفيدرالي للسنة المالية 2005 بلغ 2.5 تريليون دولار، وبلغ الإنفاق الفيدرالي على الدفاع القومي 456 مليار دولار، بما يعادل 18.4% من إجمالي الإنفاق الفيدرالي.

تقييم برامج التطوع الدولي

والآن كيف يمكن مقارنة الفوائد التي تعود من وراء الإنفاق على الجهود التطوعية الدولية بتلك التي تعود من الإنفاق على البرامج الأخرى تحت مظلة "القوة الناعمة"؟.

للأسف لا تتوافر أدوات متفق عليها على نطاق واسع للمقارنة بين البرامج التي تتنافس فيما بينها للحصول على التمويل الفيدرالي؛ نظرًا للاختلاف الجوهري القائم بين توجهاتها وصعوبة قياس التأثير الناجم عنها.

ومن أجل تيسير هذه المهمة، قمنا في إطار هذه الدراسة بتقسيم تلك البرامج إلى سبع فئات وقمنا بتقييم الفوائد التي تترتب على كل فئة.

الفئة الأولى: البرامج الإستراتيجية (10.018 مليارات دولار): تم تخصيص 51% من إجمالي الميزانية الفيدرالية الخاصة بالبرامج "الإستراتيجية" في السنة المالية 2005 لبيع معدات عسكرية وتوفير التدريب العسكري، أما النسبة المتبقية فتمثل أموالا تم منحها لحكومات أجنبية لتعزيز عدد من الأهداف الاقتصادية وأخرى مرتبطة بالسياسة الخارجية.

ويمكن القول بأن النتائج التي حققتها هذه النوعية من البرامج على مدار الفترة التي تتراوح بين 30 و40 عامًا ماضية تعد معقدة في أفضل الأحوال.

الفئة الثانية: برامج "المساعدات الثنائية" (9.336 مليارات دولار): تنتمي لتلك الفئة البرامج الصحية والمعنية بالإغاثة في حالات الكوارث والمجاعات، وهي أنشطة تحتل مكانة رفيعة. أما البرامج الأخرى التي تنتمي إلى هذه الفئة مثل البرامج الزراعية وما يسمى "برنامج التحديات الألفية"، فقد أسفرت عن نتائج مختلطة ما بين إيجابي وسلبي.

الفئة الثالثة: البرامج "السياسية" (2.155 مليار دولار): تتضمن الأموال المستحقة للأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى ونصيب الولايات المتحدة من مهام حفظ السلام التي تضطلع بها الأمم المتحدة والمساعدات في مجالات الهجرة واللاجئين والعديد من البرامج الأخرى الصغيرة التابعة للأمم المتحدة، وترتب على هذه البرامج قدر كبير من الفوائد والإيجابيات، نظرا لطابعها الدولي.

الفئة الرابعة: البرامج "المعنية بالمخدرات" (1.672 مليار دولار): من العسير للغاية تقييم الفوائد المترتبة على برامج مكافحة المخدرات في إطار هذه الدراسة.

الفئة الخامسة: برامج "المساعدات الدولية" (1.219 مليار دولار): شكلت في غالبيتها الإسهامات الأمريكية في القروض التي يقدمها البنك الدولي، وتتميز المساهمات الأمريكية في وكالات الإغاثة الدولية بأهمية كبيرة؛ لأنها تمثل أضعاف المساهمات التي تقدمها الجهات المانحة الأخرى.

الفئة السادسة: إدارة وزارة الخارجية (7 مليارات دولار): تشمل تكلفة الإبقاء على مجموعة من مسئولي وزارة الخارجية على استعداد للعمل في الخارج واستغلال مهاراتهم الدبلوماسية في تعزيز أهداف السياسة الخارجية الأمريكية، وقد وجهت ثلث الأموال المخصصة لبرامج هذه الفئة تقريبا إلى الإنفاق على التعزيزات الأمنية للسفارات الأمريكية في الخارج.

الفئة السابعة: برامج وزارة الخارجية (3.9 مليارات دولار): تتضمن هذه الفئة مجموعة من البرامج التعليمية والثقافية التي قدمت الكثير من الخدمات الرائعة على مدار عدة سنوات، مثل برنامج "فولبرايت" التعليمي.

وبعد هذا العرض، فإن ثمة قيودًا على زيادة أعداد المتطوعين، فرضتها قيود الميزانية، وجعلت من المتعذر تحقيق الهدف الذي حدده الرئيس "بوش" والمتعلق بمضاعفة "فيالق السلام" ليصل عدد المشاركين بها إلى 14.000 متطوع، وبالمثل تعاني معظم البرامج التابعة للمنظمات غير الحكومية بسبب التمويل الخاص بالمنظمات الراعية والمتطوعين أنفسهم، حيث تتطلب العديد من البرامج تحمل المتطوعين تكاليف الانتقال والتأمين الطبي.

أما على مستوى فاعلية المتطوعين، فمن العسير للغاية تقييم مستوى فاعلية المتطوعين بخلاف ما تقدمه استطلاعات الرأي. ويتسم التأثير المرتبط بالعمل التطوعي بجانبين متميزين هما: التأثير الذي يخلفه داخل الدولة التي يجري بها العمل، والتأثير داخل الولايات المتحدة بعد عودة المتطوع. جدير بالذكر أن نسبة كبيرة من متطوعي "فيالق السلام" الذين عادوا إلى الوطن أشاروا إلى أن تجربة العمل التطوعي بالخارج أحدثت تحولا كبيرا في حياتهم من حيث التزامهم بالعمل التطوعي ووجهات نظرهم.

وبصورة عامة يرتبط مستوى الفاعلية بالانتقاء والتدريب والدعم، حيث تتميز أكثر البرامج التطوعية نجاحًا بحرصها على تحقيق توافق بين المتقدمين للعمل التطوعي ومهام بعينها وتوفير التدريبات اللغوية ووجود عاملين لديها في حقل العمل لمساعدة المتطوعين على التعامل مع المشكلات التي قد تظهر، علاوة على ذلك فإن مستوى فاعلية عمل المتطوعين تزداد عامة مع طول أمد المهمة التي يضطلعون بها.

ومن أجل تفعيل هذه النوعية من البرامج التي تؤدي إلى فاعلية السياسة الأمريكية وتعزيز قوتها الرخوة بدلا من المزيد على الاعتماد على القوة الصلبة، يمكن اتباع الآتي:

  • زيادة الوعي العام: لا يدرك سوى عدد ضئيل للغاية من الأمريكيين وجود فرص للعمل التطوعي بالخارج فيما وراء "فيالق السلام".

  • تعزيز البرامج القائمة: من شأن زيادة التمويل الفيدرالي ضمان دعم المتطوعين العائدين الذين يزيد عددهم الآن على 182.000.

  • حل عقبات معينة: يبدو أن العقبة الكبرى أمام الأمريكيين فيما يتصل بالعمل التطوعي في الخارج تتمثل في تكاليف السفر والتأمين الطبي، وبالتالي سوف يرتفع عدد المتطوعين في الخارج من الطبقات المتوسطة والفقيرة بصورة كبيرة إذا ما ساعدت الحكومة الفيدرالية في تغطية هذه النفقات.

  • تقييم مستوى الفاعلية: تسعى جميع البرامج نحو سبل أفضل لتقييم مستوى فاعلية المتطوعين لديها، ومن شأن إقرار قدر أكبر من التعاون بين البرامج في هذا المجال تحقيق إنجازات من شأنها تعزيز الدعوات لزيادة التمويل الموجه إلى القطاعين العام والخاص.

  • تعزيز التجارب التي أثبتت نجاحها: على الرغم من كون الولايات المتحدة رائدة على مستوى العالم في العمل التطوعي، فإن القيود التشريعية تحول دون استجابتها بالشكل الملائم للاستفسارات التي تطرحها الدول الأخرى حول تجاربنا في هذا المجال.

  • الربط بين الخدمة والدراسة: يسافر كل عام ما يزيد على 190.000 أمريكيا في سن الالتحاق بالجامعة إلى الخارج للدراسة، ومن شأن تنمية روابط أقوى بين الخدمة في الخارج والدراسة في الخارج تعزيز تجربة الدراسة في الدول الأجنبية.

  • المساعدة في بناء قدرات البرامج التطوعية في الدول الأخرى: شرعت الكثير من الدول في برامج تطوعية يضطلع بها أبناؤها. وذلك يقتضي بذل جهود حثيثة لتدعيم البرامج التطوعية بالدول الأخرى، تنمية ثقافة عالمية للعمل التطوعي وخلق رأس مال اجتماعي.


* موجز لدراسة نشرت على موقع معهد بروكينجز تحت عنوان "الجهود التطوعية الدولية: قوة ذكية"، سلسلة Policy Brief، العدد 155، يونيو 2006. طالع أصل المقال

** ليكس ريفل، زميل زائر بمركز الاقتصاد العالمي والتنمية التابع لمعهد بروكينجز، وسارة زالود مستشارة بنفس المركز.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع