 |
|
ستيوارت باتريك |
لم تَعُد التهديدات العسكرية من
جانب القوى الكبرى تمثل خطرًا حقيقيًّا
للأمن الأمريكي وللأمن العالمي سواء،
وإنما أضحى الخطر الحقيقي يتمثل في
التهديدات عبر القومية النابعة من أكثر
دول العالم فقرًا وضعفًا. فهي دول ترتبط في
النهاية بكم هائل من الأزمات التي تُفضي
بدورها إلى إرباك الأمن في أي موضع كان: من
الكوارث الإنسانية، إلى الهجرات
الجماعية، إلى الأمراض المستعصية، إلى
الإشكاليات البيئية، إلى الجرائم
المستفحلة. هذا فضلاً عن انعدام الاستقرار
الإقليمي، وانتشار أسلحة الدمار الشامل،
وبالطبع الإرهاب الذي صعد مؤخرًا ليتربع
على قمة التهديدات.
وقد أفصح عن ذلك أحد رواد الفكر
الغربي -"فرانسيس فوكاياما"- حينما
قال: "منذ نهاية الحرب الباردة أضحت
الدول الضعيفة والمتهالكة هي الإشكالية
الوحيدة والرئيسية للنظام الدولي". وقد
يوافق مسئولو البيت الأبيض على تلك
المقولة، بل يؤيدونها من خلال خطبهم
وتصريحاتهم الصحفية. فها هي وزيرة
الخارجية الأمريكية "كوندليزا رايس"
تعلن قائلة: إن الدول غير المتمكنة من
ممارسة "السيادة المسئولة" لها "أثر
مترامي الأطراف ومتعدد الأبعاد"، يتمثل
إما في الإرهاب أو في نشر أسلحة الدمار
الشامل أو في أية مخاطر أخرى.
توجه إستراتيجي جديد
إن التركيز الجديد على الدول
الضعيفة والمتهالكة يشكل تحولاً جذريًّا
في الرؤى الأمريكية لمكامن الخطر
والتهديد. فقبل أحداث الحادي عشر من
سبتمبر 2001 كان صناع السياسة الأمريكية
ينظرون إلى الدول ذات العجز "السيادي"
من منظور إنساني بحت، بمعنى أن تلك الدول
كانت تستحوذ على الاهتمام الإنساني -فقط-
لدى صناع السياسة الأمريكية، ولم تكن
تستحوذ على الاهتمام الإستراتيجي إلا في
أضيق الحدود.
أما بعد تجلي "القاعدة" على
المسرح الدولي، إبان أحداث سبتمبر، فقد
تغيرت مواطن الاستحواذ كلية. بلغة أخرى إن
قدرة "القاعدة" على التحرك بجرأة
وبدون خوف من عقاب أو ردع أقنع الرئيس
الأمريكي "جورج دبليو. بوش" وإدارته
بأن "عُرضة الولايات المتحدة للتهديد
من جانب الدول القوية أصبح أقل من عُرضتها
للتهديد من جانب الدول الضعيفة".
وبالطبع أسفر هذا التوجه
الإستراتيجي الجديد عن تبعات سياسية
ومؤسساتية، كما بدا في المبادرات
الأمريكية الأخيرة، سواء على مستوى
الدفاع أو الاستخبارات أو التنمية أو حتى
التجارة. ومنها ما دعت به الإدارة
الأمريكية مؤخرًا -من خلال "إستراتيجية
الدفاع القومي" لعام 2006- بخصوص دعم
القدرات "السيادية" للدول الضعيفة،
وقيام القوات الأمريكية بتمكين تلك الدول
من مكافحة التهديدات الداخلية المتمثلة
في الإرهاب و"المقاومة" والجرائم
المنظمة.
ومن ناحية أخرى أبدت وزارة
الدفاع الأمريكية "البنتاجون"
رغبتها في بث تلك الإستراتيجية الجديدة في
"المناطق غير المحكومة" عالميًّا.
وقد أحصت "الاستخبارات المركزية
الأمريكية" عدد تلك المناطق، فوجدتها
حوالي 50 منطقة. وهو الأمر الذي لا يستلزم
فقط وجود القوات الأمنية الأمريكية في تلك
المناطق، بل يستلزم أيضًا "بيع"
الإستراتيجية الأمريكية لسكان تلك
المناطق.
ومن ناحية ثالثة قام "المجلس
القومي للاستخبارات" بمساعدة "مكتب
التنسيق لإعادة التعمير والاستقرار" -وهو
المكتب الجديد التابع لوزارة الخارجية
الأمريكية- في التعرف على تلك الدول
المتهاوية المُعرضة للسقوط، حتى يتسنى
للمكتب البدء في الأخذ بالوسائل والجهود
اللازمة، سواء وسائل منع الصراع أو وسائل
الوساطة والتحكيم.
ومن ناحية رابعة قامت "الوكالة
الأمريكية للتنمية الدولية" USAID بتشكيل
إستراتيجيتها المتعلقة بالدول الضعيفة،
وهي "إستراتيجية الدول الضعيفة" Fragile
States Strategy.
وتقوم هذه الإستراتيجية على دفع
تلك الدول نحو الأمام، حتى لا تفرز
المخاطر المعروفة: الإرهاب والجرائم
والأمراض. ولا غرابة بعد ذلك أن نجد إدارة
"بوش" تبرر تدشينها لـ"منطقة
التجارة الحرة الأمريكية المركزية" على
كونها وسيلة لمنع انهيار الدول، وما يتبعه
من عواقب متراكمة ومتطايرة.
انشغال أكبر بالدول الصغرى
لا يقتصر هذا الانشغال الجديد
بالدول الضعيفة على الولايات المتحدة، بل
يمتد إلى المملكة المتحدة التي لا تقل
توجسًا وتخوفًا من تلك الدول. فها هو رئيس
الوزراء البريطاني "توني بلير" يعلن
عن إستراتيجيته الجديدة Strategy Unit التي تنص
على مساندة الدول الضعيفة، عبر توجه موسع
للحكومة البريطانية. وكذلك تستعد كل من
كندا وأستراليا لانتهاج نفس الخطى
البريطانية.
بل قد امتد هذا الانشغال الجديد
إلى المؤسسات الدولية، مثل "الأمم
المتحدة". ففي نهاية العام الماضي 2005،
كان من ضمن العناوين الكبيرة التي اقترحت
لإصلاح المؤسسة هو كيفية التعامل مع أجندة
الأمن العالمي الحالي. وقد لفت "كوفي
عنان" الانتباه من قبل -في عام 2004- إلى
ذلك الشأن، حينما خاطب "مجلس العلاقات
الدولية" بولاية "نيويورك"
الأمريكية، قائلاً: "سواء كان التهديد
إرهابًا أو إيدزًا، فإن التهديد لواحد هو
تهديد للجميع".
وفي سبتمبر 2005 أوصت "الأمم
المتحدة" بتدشين "لجنة بناء السلام"
لمساعدة الدول الخارجة من الحروب على
الامتثال للنهوض من جديد. وفي يناير 2005
قامت "لجنة المساعدة التنموية" DAC
التابعة لـ"منظمة التنمية والتعاون
الدولي" OCED بتدشين مبادرة "الدول
الضعيفة"، في شراكة مع برنامج "البنك
الدولي للدول ذات الدخل المنخفض والواقعة
تحت الضغط" LICUS.
وعلى الرغم من كل هذه السياسات
والافتراضات فإنه ينقصها الحجج
الإمبيريقية والعلمية الكافية. فقد افترض
صناع القرار والمتخصصون الغربيون علاقة
صماء بين الحكومات الضعيفة والتهديدات
عبر القومية، بل وبدءوا في تنفيذ السياسات
المواجِهة تباعًا، دون التفريق بين
المصنفات المختلفة للدول الضعيفة، ودون
السؤال عن مدى وكيفية ارتباط أصناف معينة
من تلك الدول بتهديدات معينة.
ومن ثَم فقد تبدو السياسات
الغربية بأكملها وكأنها رد فعل لقصص قصيرة
ومثيرة أو لأمثلة منعزلة، مثل عمليات "القاعدة"
في أفغانستان، أو تجارة الكوكايين في
كولومبيا. وهو الأمر الذي سيؤدي إلى إنفاق
وتبذير الجهود الغربية بوجه عام -والأمريكية
بوجه خاص- بطريقة عشوائية ومتشعبة، دون
تركيز أو تدقيق. وتكون النتيجة، استهداف
الدول الضعيفة حيثما كانت دون الانتباه
إلى مواضع الأولويات. ومن ثَم، يصير طرح
السؤال حول مدى مصداقية العلاقة بين الدول
الضعيفة والتهديدات العالمية سؤالاً
مهمًّا... دون شك.
|