 |
|
جانب من مظاهرة للفلسطينيين في قطاع غزة للمطالبة بالإصلاح والقضاء على الفساد صورة أرشيفية 2004
|
على الرغم من تفشيه وشيوعه
وإمكانية العثور على تجلياته في كافة
الدول والمجتمعات، وإن بدرجات متفاوتة،
فإنه لم يتم تعريف الفساد كمفهوم وظاهرة
بشكل جامع مانع. وللتغلب على هذه الصعوبة
جرى التوافق فقهيا على توصيف الفساد عوضا
عن تصريفه. وعليه قيل إنه تندرج في هذا
الباب كل العمليات التي تحوي معاني
الانحراف عن المضامين الأخلاقية
والاجتماعية والاقتصادية والسياسية
السوية، المكفولة بالقوانين أو بالأعراف
أو بكليهما معا في دولة أو مجتمع ما.
والحال كذلك، يمكن تصور الصعوبة
التي ينطوي عليها تعريف الفساد بصرامة
وتحديد مداخله وأدواته وتجلياته في
الحالة الفلسطينية شديدة الخصوصية
والتقيد.. حالة مجتمع متشظي البنى
اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، أجبر على
معايشة أكثر من نمط قانوني ومؤسساتي، عاش
طويلا زمن الثورة بكل متقضياتها وهمومها
وإنجازاتها وإخفاقاتها، ويعيش راهنا
مرحلة يراوح فيها بين ما بقي من سيرة هذا
الزمن وبين طموح الدولة والاستقلال!.
والواقع أن تناول ظاهرة الفساد
ومعالجتها عبر "منهجية التوصيف"،
الأكثر مقبولية ورواجا في الاجتماع
السياسي، يعدو أمرا مناسبا تماما للسياق
الفلسطيني، فهذه المنهجية لا تنتظر قيام
الدولة أو تشترط وجودها من أجل تعيين
الفساد والعمل على محاربته ومغالبته. إنها
تفترض إطلال مظاهر الفساد في البنى
والمؤسسات والعلاقات مهما كانت درجة
تبلورها وطبيعتها ونوعيتها، ولا تستثنى
في هذا الإطار البنى والمؤسسات الثورية أو
التي نشأت على أرضية ثورية.
هذا يعني أن العمل تحت عناوين
وشعارات ثورية لا يبرئ القائمين به من
الوقوع في شبهة الفساد واحتمال اقتراف بعض
مظاهره المالية أو الإدارية أو حتى
السياسية.. يحدث هذا بالنظر إلى أن أطر
العمل، بما فيها الأطر التنظيمية في حركة
تحررية أو سلطة للحكم الذاتي على غرار
الحالة الفلسطينية، تتوفر بالضرورة على
موارد وأدوار وأنماط للعلاقات الداخلية.
وبالتداعي، ثمة مجال لئن تجري عمليات
انحراف وتلاعب أو انتهاكات للقواعد
الحاكمة أو الناظمة لتوزيع هذه الموارد
والأدوار.
ومع قناعتنا بهذه التعميمات التي
تساوي بين الدول المستقلة وبين حركات
التحرر، كالحركة الفلسطينية، في إمكانية
تعرضها لفتنة الفساد مع الاختلاف النسبي
في الحالتين، إلا أن قضية الفساد في هذه
الحركات تبقى محلا للدهشة أو الاستهجان.
ذلك لأن الأصل في أية حركة تحرر هو أن تكون
مثابة للقوى والعناصر الأكثر طهرية
ونزاهة وإيثارا ونزوعا للتضحية وتفضيلا
للمصالح العامة والمثل العليا وعدم
التهافت على حطام الدنيا، لاسيما المالي
منها. ولذا فإن الانحراف عن هذه القيم يظل
مدانا بصورة قوية في هذه الحالة، كما أن
أضراره تبدو فادحة للغاية بالنسبة لأهداف
الحركة والمجتمع على حد سواء. إذ يكاد
يستحيل منطقيا على حركة تحرير وطني
اعتورتها أيدي الفساد أن تصطلح بمهامها،
بعد أن فقدت جانبا من رأسمالها الأساسي
وهو تفوقها الأخلاقي والحقوقي والسلوكي
الإنساني على عدوها.
الفساد، بصيغة أخرى، يزيل جانبا
من المسافة الفاصلة بين حركة التحرر
والقوة الاستعمارية المراد مواجهتها، وهو
يفتح على المجتمع الواقع تحت الاستعمار
مداخل لإطالة أجل الاضطهاد والمظلم
الوطني.. ذلك لأنه يمكن المستعمر من
التلاعب بجبهة الحركة التحررية الداخلية
وإحداث صدوع بارزة فيها، وصولا في بعض
الأحايين والحالات إلى تشظيتها وتقسيمها،
والسعي إلى ابتزاز أو شراء جزء منها
واستخدامه في مواجهة شركاء النضال.. شيء من
هذه الأغراض حدث بالفعل على الصعيد
الفلسطيني في زمن سلطة الحكم الذاتي بخاصة.
الفساد فلسطينيا.. محددات
النشوء والتطور
في السيرة الذاتية لظاهرة الفساد
فلسطينيا، نلاحظ أن البدايات تعلقت أكثر
بقضايا بسيطة لا تشكل خطورة على سيرورة
الحركة الوطنية ولا تمس صورتها بسوء كبير..
ومن ذلك اتهام مؤسس منظمة التحرير
الفلسطينية أحمد الشقيري بالتسلط والجنوح
للدكتاتورية والانفراد بالقرارات بمعزل
عن الأطر المؤسسية، والقول بأن المنظمة
عانت سريعا من الشللية على أسس جهوية أو
عشائرية أو مصلحية زبائنية.. إن أحاديث من
هذا القبيل تبدو في الوقت الراهن ساذجة
وبلهاء، لضعف حجتها على وجود الفساد لكنها
في مرحلة إعادة تكوين الحقيقة الكيانية
الفلسطينية قبل أكثر من أربعين عاما، كانت
تثير شبهة الفساد السياسي بملء الفم، حتى
أن هناك من طالب في ذلك الحين بضرورة "الإصلاح
السياسي" لحال المنظمة، أي النظام
الفلسطيني، بعد قيامها بعامين اثنين فقط!.
والحق أن مرحلة النشأة الأولى
للمنظمة توشك أن تخلو من قضايا الفساد
المالي والإداري التي عرفها النظام
الفلسطيني بتوسع وإلحاح في مراحل النيوع
والفتوة، ربما عاد ذلك إلى محدودية
الموارد التي أتيحت للرواد المؤسسين،
وربما عاد إلى طهرية ونظافة هؤلاء الرواد،
أو إلى السببين معا، مضافا إليهما عدم
اختراق النظام ورواده عبر المدخل المالي
من جانب أطراف معينين آخرين.
على أن هذه المرحلة لم تدم طويلا،
فمنذ ما بعد معركة الكرامة 1968، استدرجت
الحركة الوطنية الفلسطينية تحت تأثير
تحولات بنيوية وأيديولوجية فارقة، ما سهل
على قوى وحلقات ضعيفة داخلها الوقوع في
أحابيل الفساد بكافة أنماطه.. فبعد إشراقة
وصمود يوم الكرامة توسعت حركة المقاومة
أفقيا بالتحاق آلاف المعجبين بأدائها
المتميز في مناخ هزيمة 1967 قبل شهور. وكذا
أوغلت في أسلوب "التفرغ" للعمل
الثوري بمخصصات مالية عوضا عن غلبة "التطوع"
في المرحلة السابقة.. لقد صار هذا العمل
أقرب إلى الوظيفة. وتواكب هذان المستجدان
مع سيطرة فصائل المقاومة على منظمة
التحرير، وبالتداعي تضخم المنظمة ذاتها
على صعيدي الحجم (الكم) والوظيفة التي
استطردت إلى كافة مناحي حياة الفلسطينيين.
هذا التوسع أفضى إلى حاجة الثورة
الفلسطينية بعامة إلى مزيد من الموارد، في
الوقت الذي لم يعد من السهل إخضاع هذه
الموارد وأساليب التصرف بها للمساءلة
والرقابة والمحاسبة وهي نقيصة تعزى لأكثر
من سبب كان أهمها اثنان: الأول هو المسافة
الفاصلة بين الشعب الفلسطيني وبين بني
المنظمة ومؤسساتها بما كان – وما زال إلى
حد ما- مسئولا عن تعقيد الرقابة الشعبية
المباشرة (عبر الأدوات الإعلامية
والصحافية الحرة مثلا..). والثاني يتعلق
بسيطرة أو هيمنة فصيل واحد كبير هو حركة
فتح على مختلف وحدات النظام وبناه
الداخلية المؤثرة، وخضوع هذا الفصل
لقيادة تحترف المروق على المساءلة وتحترف
أيضا توظيف المال سياسيا وتقع تحت يديها
معظم الموارد المالية للنظام، وكان
الزعيم ياسر عرفات مميزا في هذا السياق!.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن عوامل
بعينها طرأت غداة هزيمة 1967 وصعود نجم
الثورة الفلسطينية، أدت إلى السخاء في دعم
هذه الثورة على الصعيد العربي. ولم يكن هذا
السخاء بريئا من شبهة إحلال النفوذ
وتقعيده في أحشاء النظام الفلسطيني. فمن
يمنح يؤثر في التوجهات وصناعة القرار.
وهذا المظهر في حد ذاته ليس بعيدا عن عقلية
الفساد والإفساد. وفي ذلك ذهب البعض إلى أن
"الثروة أثرت على رياح الثورة" في
المثل الفلسطيني.
المراد بذلك أن التمويل والثروة
ربما أثرا في مجمل البناء الثوري، بتخليق
مصالح للممولين المانحين وبالتبعية نشوء
احتمال لمراعاة هذه المصالح من جانب هذا
البناء. وفي الوقت عينه ربما تم استخدام
هذه الثروة أو الموارد في التأثير على
السلوكيات بين قوى الثورة وداخل هذه القوى.
وأغلب الظن أن هذا التوسع الكمي للثورة
ونظامها الإداري حمل في طياته التحاق
عناصر تفتقد للتربية الثورية الحقة، مثلت
خميرة لمجموعات من المنتفعين غير
المؤهلين للفصل بين أشواقهم المادية أو
السياسية الخاصة وبين المصلحة الوطنية
الأعلى والأسمى.
من تضافر هذه المستجدات
والمعطيات، التي كبرت وتضخمت بمرور
الوقت، أطلت مظاهر الفساد المالي
والإداري وعلاقات المحسوبية والزبائنية
والاستزلام، كما نشأت مراكز قوى يتعامد
بعضها على بعض. بل ومن هذه المراكز والبؤر
الصدئة والصديدية من اعتمد على روابطه
وخطوط اتصاله مع عواصم عربية ممولة، بحيث
أضحى التخلص منهم عملية صعبة. هذا علاوة
على اتكاء بؤر أخرى على صلتها بالرموز
القيادية وهم من صاروا يعرفون بأهل الثقة،
وذلك بصرف النظر عن مدى أهليتهم وخبرتهم
في خدمة القضية الوطنية.
وبالمناسبة فإن هذا الواقع هو
الذي جعل كثيرا من "سفراء فلسطين"
عمداء للسلك الدبلوماسي في بعض العواصم
لطول مقامهم هناك!. ثم إن هذا الواقع ذاته
أثار الطرفة السوداء التي تقول بأن هؤلاء
السفراء المؤيدين أصبحوا يمثلون هذه
العواصم في تضاعيف الثورة الفلسطينية
بدلا من العكس وأن هذا هو سر بقائهم في
مواقعهم.
الفساد في عهد السلطة
للإنصاف، علينا أن نلاحظ الصحوة
المباركة لهذه المعطيات الحاضنة للفساد،
إذ لم يفتقر الواقع الفلسطيني داخل النظام
(المنظمة والفصائل) وخارجه للأصوات
الداعية للاستدراك والعمل على تصويب
المسيرة الثورية قبل أن يتسع الخرق على
الراتق. لكن هذه الأصوات ظلت ضعيفة
المفعول ولم تأخذ شكل التيار الإصلاحي
العام. كما أن مساعيها الحميدة اتسمت
بالموسمية والتقطع وعدم الاستمرارية.
وكانت انتكاسات الثورة أو تعرضها لمحن
كبيرة، كخروجها من الأردن في مستهل
السبعينيات وإخراجها من لبنان عام 1982، من
أبرز المواسم والمناسبات التي قدر لدعوات
الإصلاح ومحاربة مظاهر القصور والفساد
الإطلال فيها بحيثية قوية.
غير أن الخرق كان قد اتسع على
الراتق بالفعل، وهكذا خاضت الحركة
الوطنية تجربة الحكم الذاتي وسلطته، وهي
تنوء بحمل أعباء المرحلة السابقة، مرحلة
زمن الثورة بعجرها وبجرها. ونحن نعرف من
مشاهدات ومعطيات عهد السلطة الوطنية أن
هذه الأعباء انتقلت بقضها وقضيضها إلى هذه
المرحلة. بل وهناك ما يؤكد تحميل زمن
السلطة بجرعات مضاعفة من تقاليد الفساد
ومعالمه التي تفشت في المراحل السابقة..
نطرح ذلك وفي الذهن توسع السلطة في
الإنفاق العام والتوظيف الذي بلغ حد
مسئوليتها عن 165 ألف موظف في أجهزتها
يعولون زهاء ثلث سكان الضفة وغزة!، وهناك
مظاهر أخرى للفساد كاستخدام النفوذ في
الاحتكارات السلعية وفرض الإتاوات
والاحتماء بالعشيرة وأخذ القانون باليد،
والاعتماد المفرط على ما يعرف بأطر
المجتمع المدني الممولة أمريكيا
وأوروبيا، والتدافع المريد على المناصب
والمكانات كمكافآت على زمن العطاء الثوري!،
واستخدام الأموال في تغطية نفقات ترقية
لكبار المسئولين، وعدم وضوح أسس التعيين
للوظائف العامة.. هذا ونحوه مع تعطيل سلطة
القضاء ولفلفة قضايا الفساد التي تقع تحت
طائلة الكشف والانفضاح.
استئصال الفساد.. حقائق
مقبضة وأخرى واعدة
على أن أي مشابهة أو مقارنة
لظاهرة الفساد في عهد السلطة قياسا
بالمراحل السابقة واستطلاع آفاتها قد لا
تستقيم موضوعيا بدون استحضار الحقائق
التالية:
أولا: زيادة مساحة الاعتماد على
مصادر تمويل ومانحين دوليين، لهم أجندات
سياسية لا تتوافق وأهداف الحركة الوطنية
الفلسطينية. وقد تيقنا من هذه الحقيقة بين
يدي التطورات اللاحقة لوصول حركة حماس إلى
مركز صناعة القرار في السلطة. وذلك حين
أفصح المانحون عن نياتهم وساوموا السلطة
على استمرار عونهم المالي والاقتصادي
مقابل الوفاء بشروط تتعلق بالمصير
الفلسطيني برمته.
ثانيا: أن القوى الخارجية وفي
طليعتها المانحون الدوليون لم تعبأ
بتراكم مظاهر الفساد، القديم منها
والمستحدث، في تضاعيف السلطة الوطنية إلا
حين تيقنت من فشل مداخلاتها السياسية
والمالية في تحقيق غاياتها وأجنداتها
السياسية. ولذا، لا يصح التعويل كثيرا على
ضغوطها من أجل الإصلاح كونها لا تنطوي على
إخلاص حقيقي لهذه القضية. وهذا يعني بداهة
أن هذه القضية ترتبط قياما وقعودا
بالعوامل والضغوط والنوازع الفلسطينية
الذاتية.
ثالثا: أن وجود السلطة وسط
جمهورها وشعبها ألغى المسافة التي سمحت
لقوى الفساد بالحركة بعيدا عن الرقابة
الشعبية ولم يعد يسيرا على هذه القوى
والعناصر المعطوبة إخفاء ممارساتها أو
الاختباء خلف الصورة المالية التي ظهرت
بها سابقا في عهد الثورة وباقتضاب أصبح
الإصلاح مطلبا جماهيريا، وصار يشار
للفاسدين بكل وضوح على ألسنة الخاصة
والعامة.
رابعا: أن السلطة بلورت مجموعة من
المؤسسات والتشريعات التي بوسعها
الاضطلاع بمحاربة الفساد والمفسدين،
وتجلى ذلك في تقارير خاصة بهذه المهمة
تصدرها بعض هذه المؤسسات كالمجلس
التشريعي وبعض المنظمات الأهلية.
خامسا: أن نهاية عهد انفراد تنظيم
واحد كبير هو حركة فتح بمركز الثقل في
النظام الفلسطيني، أقله على مستوى السلطة
الوطنية حتى الآن، ونشوء ندية داخل النظام
مع دخول حركة حماس بالذات في حلبة
المشاركة السياسية، هذا المستجد يفترض أن
يفعل فعله في كشف مظاهر الفساد والحد منها
ومطاردتها. وليس بلا مغزى أن حماس، الحركة
والحكومة، قد انضمت لصفوف العاملين شعبيا
وسياسيا على تنشيط فتح ملفات الفساد
وإنشاء آليات استئصاله.
أخيرا، فإن هناك إدراكا فلسطينيا
عاما بأن استقامة الحركة الوطنية
وتطهيرها من الفساد هو أحد الشروط الشارطة
لتحقيق أهدافها التحررية، وهذه حقيقة
مبشرة وواعدة فيما يخص التعامل مع هذا
الملف المؤذي بالجدية اللازمة.
|