بريدك الالكتروني


English

 

الأحد 09 رمضان 1427هـ - 01/10/2006م

الداخل الفلسطيني » القضية الفلسطينية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
  أهم الأخبار

 

حكومة الوحدة الفلسطينية.. المآلات والبدائل

د.محمد خالد الأزعر**

عباس وهنية.. بعد فشل مباحثات حكومة الوحدة الوطنية، أي مستقبل للعلاقة؟

شهدت العشر الأوائل من سبتمبر الراهن انتعاشة ملحوظة في الآمال العاطفة على إطلالة حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية. ومما قيل في تبرير هذا التفاؤل، أن فصائل المجال السياسي الفلسطيني، لاسيما قطبيها الكبيرين حركتي فتح وحماس، تعاملت مع الحوارات الخاصة بهذه الحكومة على نحو جدي استثنائي لأكثر من سبب، مثل: تفاقم الوضع المعيشي في الضفة الغربية وقطاع غزة جراء الحصار الاقتصادي المالي المفروض عليهما، واستشعار "حكومة حماس" لضغوط هذا الوضع بعد عودة أنماط الاحتجاج الشعبية التي تم تعليقها إبان "الحرب السادسة" على الجبهة اللبنانية (ومنها سلسلة إضرابات المواطنين..)، ورغبة الرئيس محمود عباس في تأبط ملف قوي يلاقي به المعنيين في أروقة الأمم المتحدة، فضلا عن الرئيسي الأمريكي وبطانته في رحلته إلى واشنطن ونيويورك، والتجاوب مع المواقف الأوروبية والروسية المبشرة والواعدة بقبول شراكة هذه الحكومة حال قيامها والعدول عن سياسة حصارها وشعبها عموما وإطلاق سراح عملية التسوية على المسار الفلسطيني.

إضافة إلى ذلك، كان من المفترض أن وثيقة الوفاق الوطني الموقعة بالأحرف الأولى في 27-6 الماضي قد يسرت على شركاء نظام السلطة الوطنية قضية اجتراح حكومة الوحدة، باعتبارها (الوثيقة) تضمنت القواسم المشتركة التي طال انتظارها كبرنامج عمل يمكن التأسيس عليه للمرحلة القادمة.. كما كانت الأجواء التعاونية التي سادت، في غضون الحملة الإسرائيلية على لبنان، بين فتح وحماس، مشيرة بدورها لاحتمال التبلور في حكومة الوحدة الوطنية المنتظرة..

انتكاسة جهود حكومة الوحدة.. خلافات برامج

لكن الذي حدث هو تبدد عوامل التفاؤل بحلول موعد رحلة الرئيس عباس إلى الولايات المتحدة، فبين يدي مغادرة عباس التصريحات المتضاربة بشأن مصير حكومة الوحدة تحلق في الأجواء الفلسطينية، مصحوبة بقدر كبير من التلاؤم بين فتح وحماس بشأن المسئولية عن عدم إقلاع هذه الحكومة وفي هذا الإطار تعجلت بعض مصادر فتح في التلويح بأن حكومة الوحدة لن ترى النور، وأن الرئيس عباس قد جمد مساعيه الحميدة بهذا الخصوص.

هذا على حين استدرك نبيل أبو ردينة الناطق باسم عباس، بالقول إن أمر الحكومة ما زال مطروحا ومرشحا للتفعيل بعد عودة الرئيس من واشنطن، وقد أكدت مصادر حماس هذا التقدير، نافية أن تكون هذه الحركة تراجعت عن توجهها الإستراتيجي نحو الهدف الوطني.

في كل حال، أفصحت الأحداث -وما تضمنته من وصف كلامي ودعائي وسياسي وإعلامي بين أوساط رئاستي السلطة والحكومة، وبخاصة غداة عودة عباس من الولايات المتحدة- عن أن التشاؤم إزاء احتمال قيام حكومة الوحدة لم يكن بلا أساس قوي. لقد اتضح أن التباين بين قطبي السلطة لا يتعلق بتوزيع الحقائق الوزارية والمناصب ولا بشرط حماس إطلاق سراح نوابها ووزرائها المعتقلين أولا، ولا بفشل جهود إطلاق سراح الأسير الإسرائيلي جلعاد شاليت، وإنما يعود التعثر إلى أسباب أكثر عمقا وتأثيرا، تتصل بالخلاف حول المبادئ والمنطلقات التي يفترض أن تعمل الحكومة المقصودة بوحيها وتمثل برنامج عمل وطني لها.

باقتضاب، تقول الرئاسة الفلسطينية وفتح إن حماس، الحكومة والحركة، قد تراجعت عما وافقت عليه من قبل بشأن الاعتراف بإسرائيل واحترام الاتفاقات الموقعة مع منظمة التحرير والمبادرة العربية (بيروت 2002). وأن هذا التراجع يعيد الحوار مع حماس إلى نقطة الصفر، ولا يساعد على استقطاب تعاطف القوى الدولية خلف الملف الفلسطيني وفك الحاصر المضروب على الشعب الفلسطيني!.

هذا على حين تنفي حماس هذه المزاعم مرددة أن نيتها كانت صادقة بخصوص حكومة الوحدة الوطنية منذ إعلان نتائج الانتخابات التشريعية (25 يناير 2006)، وأنها ما زالت على هذا الموقف، ولكن طبقا لنصوص وثيقة الوفاق الوطني بحذافيرها.

وثيقة الوفاق وشياطين التفصيلات

والحق أنه إذا اتخذنا من هذه الوثيقة مرجعية لحسم السجال الدائر بين فتح وحماس وبقية المعنيين بهدف حكومة الوحدة الوطنية، فقد نحسب أن كلا من خطابي القطبين ينطوي على شيء من الأحقية، إذ إن الوثيقة تتضمن ما يمكن أن يفهم على أنه يفي بشروط فتح والرباعية الدولية (وإسرائيل) ذلك بإشاراتها إلى حدود 1967 للدولة الفلسطينية واضطلاع منظمة التحرير بالتفاوض والاعتراف بالشرعيتين العربية والدولية كأساس للتسوية.. ومن المعلوم أن المنظمة تبادلت الاعتراف مع إسرائيل.

بيد أن الوثيقة لا تنص "حرفيا" على اعتراف حماس بـ"المبادرة العربية" ولا بإسرائيل ولا بنبذ المقاومة المسلحة، الأمر الذي يمنح دعاوى حماس بعض الصدقية حين ترى أن الرئاسة الفلسطينية وفتح قد حملتا برنامج حكومة الوحدة بأكثر مما تعنيه الوثيقة وتقصده.

هذا يعني أن المطلوب لتسهيل إقلاع هذه الحكومة وفض التنازع حول مقاصد برنامجها يدور حول "تفسير" محتويات الوثيقة والعزوف عن قضية التلاعب بالصيغ والمصطلحات الفضفاضة. وفي غضون هذه العملية التفسيرية (التفصيلية) ربما تعين على أصحاب الوثيقة إدراك أنها وإياهم لا يخاطبون أنفسهم ولا بيئتهم ورأيهم العام الداخلي فقط، وإنما ثمة أطراف خارجية، عربية وإقليمية ودولية، منشغلة بهذا الخطاب ويهمها استيضاح ما يضمنه بلا لبس أو التفاف.

فالشاهد أن الوثيقة تمكنت عند إخراجها بشق الأنفس من تهدئة المناخ المحتقن بين فتح وحماس وأنصارهما، ونزعت فتائل فتن كادت تودي بالمجتمع الفلسطيني إلى هاوية الاقتتال الأهلي، لكنها فيما تظهر الوقائع لم تلب شروط القوى الخارجية، ولا حتى طمأنت أطرافها إلى أنها حققت مراداتهم بالكامل ولأجل ممتد.

الطريق إلى حكومة الوحدة: تفسير الوثيقة

الشاهد أن "سيناريو إعادة التفاوض" حول وثيقة الوفاق بغرض تفسيرها هو الأكثر مأمونية لتفادي الاشتباك السياسي، وربما العضوي، بين شركاء السلطة الفلسطينية.

واختصارًا للوقت، نقترح أن يجري هذا التفاوض بوتيرة مكثفة، فيما يمكن اعتباره استكمالا واستئنافا لصيغة الوثيقة النهائية، علما بأن توقيعها تم بالأحرف الأولى فقط. وتستطيع أطراف داخلية فلسطينية وكذا عربية فاعلة (مثل مصر والسعودية) أن تمارس دورًا توفيقيًّا بين فتح وحماس على طريق الإقرار الأخير لهذه الصيغة، وصولا إلى التراضي على اتخاذها مرجعية لحكومة الوحدة الوطنية وبرنامجها.

على أن هذا السيناريو يحتاج كشرح قبلي توفر حسن النيات والثقة المتبادلة بين قطبي السلطة، الأمر الذي راح يختفي تدريجيا بفعل تقاطع أزمة تشكيل الحكومة مع ظواهر سلبية أخرى مثل تبادل الاتهامات بخصوص الانفلات الأمني واغتيال شخصيات أمنية بارزة. ثم إن الأمر يحتاج أيضا إلى قناعة الرئاسة وفتح بأن حماس ليست هي المسئولة عن عرقلة مسار التسوية بالنظر إلى رفضها التعاطي مع شروط إسرائيل والولايات المتحدة والرباعية الدولية. فهي انتخبت أصلا على خلفية هذا الرفض.

كما أن تجربة فتح (ومنظمة التحرير) في الانصياع لشروط الخارج عموما لا تبشر حماس، ولا تشجعها على المضي في هذا الطريق ذاته. كذلك يحتاج الأمر إلى قناعة حماس بأنها لن تبحر طويلا في لجة السلطة بدون أن "تتبلل" بمحدد هذه السلطة، أي محتفظة بكل مضامين خطابها الإيديولوجي والسياسي الأصل.

بدائل أخرى وسيناريوهات خطرة!

الواقع أن حكومة الوحدة الوطنية تبقى هي البديل الأنسب للتعامل بحكمة ونجاعة مع هموم الداخل وقضايا الخارج، لكن الفشل في تقعيدها على سكة السلامة، يوارب التفكير في خيارات أو سيناريوهات أخرى يبدو معظمها عصيا على تأمين الوضع الفلسطيني من مغبة الجمود والدائرة المفرغة التي سبق إليها منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة.

فهناك أولاً سيناريو "حكومة الطوارئ"، إذ يسمح القانون لرئيس السلطة بإعلان حل الحكومة الحالية وتشكيل ما يعرف بحكومة طوارئ أو إنقاذ وطني، لكن هذا التوجه لن يضمن الاستقرار السياسي أو حتى الأمان الاجتماعي بين مؤيدي الرئاسة وفتح وأنصار حكومة حماس. وسينظر إليه كعمل عدائي من الرئيس وتنظيمه الأم فتح ضد حماس.

ثم إن حكومة كهذه ينبغي أن لا تستمر بلا ظهير تشريعي أكثر من شهر واحد، قبل أن تحتاج إلى ثقة المجلس التشريعي ذي الأغلبية من حماس التي لن تحصل عليها يقينا. عندئذ ستعود الأوضاع إلى ما هي عليه راهنا لكن مع مزيد من التنابذ وعدم الثقة بين قطبي السلطة.

وهناك ثانيا سيناريو تكوين ما يسمى بـ"حكومة تكنوقراط" من بيروقراطيين وساسة مستقلين، وذلك بمعزل عن سيطرة حماس أو فتح وبقية الفصائل، ضماناً بنظر البعض لفض التنازع الداخلي حول المراكز السلطوية من ناحية، واجتنابا من ناحية أخرى للمعارضة الدولية لحكومة نقية من حماس. غير أن هذا السيناريو مرفوض أصلاً من فتح قبل حماس، على محمل أنه لا يمكن لحكومة كهذه أن تتحرك بعيدا عن برنامج سياسي يميل لفتح أو حماس أو ينطلق من إطار مرجعي يضمن لها الاستقرار.

ولا شك أن أي غضبة تنظيمية ضد هذه الحكومة المتصورة ستفضي إلى زعزعتها وربما سقوطها عاجلاً، هذا علاوة على أن القضية الفلسطينية لا تحتمل الاعتماد على حكومة تسيير أعمال غير مسيسة، ما يجعل هذا السيناريو طوباويا وغير عملي فلسطينيا.

وهناك ثالثا، سيناريو إقدام الرئيس عباس على "إقالة حكومة عباس" والدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة بعد حل المجلس التشريعي. قانونيا يملك الرئيس هذا الحق، ولا تقدم ساحة فتح وبعض المناورين في المجال السياسي الفلسطيني من يستفزونه إلى هذا الخيار. وذلك مع الاستعانة بالضغوط الشعبية المنظمة وربما المفتعلة ضد الحكومة الحالية التي "لم تتمكن من تأمين لقمة العيش لشعبها ولا أوفت ببرامجها ووعودها"... إلخ.

ومن حسن الحظ أن محمود عباس يدرك ما قد ينجم عن هذا السيناريو من نتائج أدناها الفوضى وأقصاها الصدام المسلح بين فتح وحماس؛ لأن الأخيرة ستعتقد أن كل ما جرى من ضغوط على حكومتها منذ تشكيلها في مارس الماضي كان بغرض الوصول إلى هذا السيناريو.

ويقيناً ستدفع حماس وأنصارها بأن دواعي "رفض الاستفتاء على وثيقة الأسرى" تصلح لرفض إجراءات الانتخابات المبكرة، وموجزها أن الظروف المحيطة بهما ليست طبيعية في ظل الحصار المضروب حول حماس وحكومتها.. هذا دون الاستطراد المتوقع إلى أن زبدة قيادات حماس السياسية هم رهن الاعتقال في إسرائيل، ما يعني أن الداعين لهذه الانتخابات ليسوا سوى نفر من الانتهازيين الذين يودون إزاحة حماس عن مكانتها حتى وإن تعاونوا مع قوى الاحتلال.

سيناريوهات انقلابية أيضا!

باستثناء حكومة الوحدة الوطنية، تبدو كافة الخيارات البديلة لتصفيف البيت الفلسطيني وتعميد أسسه الحكومية محفوفة بالصعوبات وأحيانا بالمخاطر. ومع ذلك هناك سيناريوهات أخرى أكثر استدعاء لمثل هذه الصعوبات والإشكاليات الجذرية ويمكن رصدها على النحو التالي:

أولاً: التفكير في "حل السلطة الفلسطينية" من الأساس.. هذا النظام الذي خلق وهما بأن للشعب الفلسطيني استقلالاً وموارد وسلطات ينبغي التكالب عليها، فيما الحقيقة أن هذا المنتج (سلطة الحكم الذاتي) كشف ظهر النضال الفلسطيني، وأدى إلى إعفاء الاحتلال الإسرائيلي من تبعاته ومسئولياته في الضفة وغزة دون عائد يذكر على قضية الاستقلال والتحرر.

لكن الذهاب على طريق هذا البديل ليس بالأمر الحصين ولا هو من المستحب راهناً، ذلك بالنظر إلى حجم الأعباء التي ارتبطت بوجود هذه السلطة والاعتمادية الشعبية المفرطة عليها (كارتباط لقمة عيش ثلث أهل الضفة وغزة بها!)، وكذا بالنظر للفراغ السياسي الكياني الذي قد ينجم عن أفولها في ظل عجز منظمة التحرير وغيبوبتها الممتدة.

أما السيناريو الانقلابي الجذري الثاني فهو إعلان حماس مغادرة الحكومة والسلطة الوطنية بالكامل.. بخطاب مسبب يشرح لشعبها الآلام التي تعرضت لها منذ انتخابها، وكيف أنها تؤثر العودة لمربعات المقاومة والمعارضة من خارج السلطة ومتاعها على أن تركع لمطالب التخلي عن ثوابتها وبرامجها التي كسبت ثقة الناخبين على أساسها.. وفي حالة كهذه، لا نحسب أن تسوية ما أو استقرارا ما سيتحقق في الرحاب الفلسطينية. غير أن بعض الخبثاء يستبعدون هذا السيناريو، مرجعين ذلك إلى أن أهل حماس صاروا كغيرهم طلاب سلطة وليسوا فقط حماة مبادئ!!.


** كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع