بريدك الالكتروني


English

 

الثلاثاء 19 شعبان1427هـ - 12/9/2006م

الداخل الفلسطيني » القضية الفلسطينية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
أهم الأخبار

 

حكومة الوحدة الفلسطينية.. حمل كاذب؟

محمد جمعة**

هل يخرج توافق عباس وهنية على تشكيل حكومة وحدة وطنية الفلسطينيين من العزلة الدولية المفروضة عليهم؟

ثمة ارتباك واضح يفرض نفسه على طرفي المعادلة الفلسطينية (السلطة- الرئاسة من جهة وحكومة هنية من جهة أخرى) بحيث يمكن القول: إن الإعلان عقب لقاء أبو مازن - هنية في غزة يوم 10 سبتمبر 2006 عن توافق الطرفين على تشكيل حكومة وحدة وطنية ما هو إلا أحد أبرز مؤشرات هذا الارتباك.

فالإعلان لم يوضح الكيفية التي ستتشكل بها هذه الحكومة، كذلك لا يعني القول بالاتفاق على وثيقة الوفاق الوطني كبرنامج سياسي لهذه الحكومة أن الخلافات بين فتح وحماس قد حسمت بالفعل؛ لأن المشكلة تكمن بالأساس في تفسير بنود هذه الوثيقة، التي ربما تحتاج كل نقطة فيها إلى شهور من المحادثات من أجل إيجاد حد أدنى من الاتفاق عليها.

ولعل هذا يفسر لماذا خرج الإعلان عن هذا التوافق بعبارات فضفاضة بدت وكأنها هروب إلى الأمام، وتعبير عن استعجال الطرفين لأي نتيجة تحول -ولو مؤقتا- دون حدوث الانهيارات أو المواجهات بعد أن تكرس العجز وتتترس كل طرف وراء خياراته دون أدنى تنازل ممكن.

المشهد الفلسطيني الراهن رغم هذا الإعلان يبدو وكأنه ينزلق بقوة نحو التأزم والتصعيد، على نحو ينذر بحدوث انهيارات وشيكة في علاقات الرئاسة الفلسطينية بحكومة حماس، وبما يفتح الطريق إلى أزمة مفتوحة من غير المستبعد أن تفضي إلى قطيعة، وربما إلى ما هو أبعد من ذلك؛ أي المواجهة المفتوحة بين حركتي فتح وحماس.

وبتحليل موقف الحركتين موضوعيا من هذا الإعلان يتضح أن لا تغيير جوهريا قد طرأ على موقف أي منهما، ربما فقط على صعيد وقف حرب الشائعات والقصف الإعلامي المتبادل، الذي تجاوز قبل أيام قليلة حدود المنطق والمعقول، إما لجهة التصريحات الغاضبة، وخطاب التهديد الذي يطلقه هذا المسئول أو ذاك، وإما لجهة تنظيم (أو إفشال) الإضرابات المهنية والعمالية التي بدأت تأخذ طابعا سياسيا، رغم كل محاولات نفي الصبغة السياسية والفصائلية عنها من قبل الذين يقفون خلفها.

حماس وحكومة الوحدة.. تغيير شكلي

فيما يخص حركة حماس، كانت حكومة الوحدة الوطنية مطلبا وخيارا أوليا بالأساس بعد فوزها في الانتخابات التشريعية للسلطة الفلسطينية التي جرت في يناير 2006، بيد أن ذلك رفض عمليا رغم القبول الشكلي من معظم الفصائل، خاصة حركة فتح، فالجميع أيد ظاهريا فكرة حكومة الوحدة، لكنهم رفضوها إجرائيا من خلال طرح شروط بدت تعجيزية، لا تتناسب مع أحجامهم الجديدة، التي أفرزتها الانتخابات.

والآن تفضي جملة الاشتراطات (المحددات بحسب تسمية حماس) التي تطرحها الحركة لتشكيل حكومة الوحدة، لا سيما الاشتراط المسبق بترؤس شخصية قيادية من «حماس» للحكومة، وأن تعكس الحكومة الجديدة في تركيبتها نتائج الانتخابات التشريعية، وهو أمر لا خلاف عليه ديمقراطيا، إلى استنتاج مفاده أننا إزاء موقف حمساوي يقبل بحكومة ائتلافية برلمانية، وليس بحكومة وحدة وطنية.

وهناك فرق كبير بين حكومة وحدة وطنية تشارك فيها قوى سياسية وفعاليات مجتمعية، وكفاءات وطنية مختلفة، وبين حكومة ائتلافية لكتل برلمانية، ففي الحالة الثانية، واستنادا لهذا «المحدد أو الشرط» نجد أنفسنا أمام حكومة ثنائية «حماس/ فتح»، أو حكومة حماس مكررة، مع بعض التلاوين البرلمانية التي لن تغير من واقع الحال، أو تشق طريقًا أو تكسر عزلة، أو تخرج من أزمة؛ لأنها ستبنى على نفس الأسس السابقة، فضلا عن أن شروط تشكيل الحكومة على أساس نتائج الانتخابات التشريعية، شرط واضح لا تأويل فيه ولا اجتهاد، يقطع الطريق على أي احتمال بقيام مثل هذه الحكومة؛ لأن الكوتا العددية تتعارض بالقطع مع مفهوم وضرورات وأسباب قيام حكومة وحدة وطنية؛ لأن مجرد قيامها بالأساس ينهض على قاعدة توافق مشترك وعميق بأن المشروع الوطني الفلسطيني بات أمام مفترق طرق حقيقي، وحيث تنعدم الخيارات، وتزداد المخاطر، فلا سبيل إذن إلا بتضافر القوى كافة بعيدا عن الحسابات الفصائلية، أو المواقف المسبقة، أو ثقافة المحاصصة.

أكثر من هذا أنه لا معنى لوضع شروط تتعلق بفك الحصار المالي، وإطلاق سراح الوزراء والنواب لتشكيل حكومة وحدة وطنية؛ لأنها شروط تعجيزية؛ إذ لا يملك الرئيس "أبو مازن" حق إصدار الأوامر للإفراج عن الوزراء والنواب المعتقلين لدى إسرائيل، والأخيرة غير معنية، بل وليس من صالحها قيام ائتلاف وطني فلسطيني، يسقط نظرية «غياب الشريك»، ويؤسس لمرحلة تفكيك الحصار.

وعليه فإن تلك الشروط توضح أن «حماس» لا تريد عمليا حكومة وحدة وطنية، وربما يعود ذلك إلى أن تشكيل حكومة جديدة يمكن تفسيره بوصفه اعترافا بفشل حكومة حماس التي لم يمضِ على وجودها في السلطة عدة أشهر، كما يعني بالنسبة لحماس إعطاء طوق نجاة لحركة فتح التي تغرق في أزمتها بحيث لا تخشى «حماس» من منافستها حتى لو تم اللجوء إلى انتخابات مبكرة.

وتأسيسا على ذلك تريد حماس توسيع الحكومة الحالية، وتسميتها حكومة وحدة أو حكومة ائتلافية. هذا هو الموقف الذي التزمت به، وأقصى ما ذهبت إليه، ويمكن أن تذهب إليه حماس كما تشير المعطيات المتوفرة حتى الآن، وآخرها خطاب إسماعيل هنية -رئيس الوزراء- يوم 10 سبتمبر 2006، هو حكومة تلتزم ببرنامجها مع بعض التغييرات المحددة فقط، بحيث تهيمن حماس على الحكومة مثلما كانت فتح تهيمن على كافة الحكومات السابقة.

فتح وحكومة الوحدة.. منطق قديم

وكذلك «فتح» لا يختلف موقفها من حكومة الوحدة كثيرا عن موقف «حماس». فإذا تجاوزنا التصريحات الدبلوماسية التي تحرص على إظهار التمسك بخيار حكومة الوحدة، والتي تأتي في سياق التوضيح والمناكفة الفصائلية من هذا القائد أو ذاك في حركة فتح، نلحظ أن الوقائع المختلفة تثبت دون شك أن الحركة لم تغير برنامجها حيال حركة حماس، الذي تبلور منذ ظهور نتائج الانتخابات التشريعية، والقائم على معادلة التشويه، كمقدمة للإقصاء، ومن ثم العودة المظفرة إلى موقع الأغلبية النيابية، ولا نقول السلطة؛ لأن هذه الأخيرة لا تزال على حالها بيد «فتح» من إعلام وأمن إلى معابر وسفارات في الخارج... إلخ.

ولعل الإعلان من قبل أبو مازن بالقبول بوثيقة الوفاق الوطني كبرنامج للحكومة الوطنية بعد استبعاد هذه الوثيقة في أثناء حديثه أمام آلاف الموظفين المطالبين برواتبهم في 2 سبتمبر الجاري عن الحكومة الجديدة التي يرغب بها لا يعدو كونه محض تكتيك في الاتجاه الأساسي، وهو أن «فتح» لا تريد حكومة وحدة وطنية، بقدر ما ترغب في إقصاء حماس بعد ما يتيسر من التشويه، فقد قال أبو مازن بوضوح يوم 2 سبتمبر: "إذا كنا نريد حكومة فعلينا أن نفكر في حكومة قادرة على جلب الرواتب والمساعدات".

وما سبق يعني أن المطلوب حكومة تتبنى برنامجا لا يقوم فقط على الاعتراف بقرارات الشرعية الدولية، والمبادرة العربية (التي أعلن عمرو موسى موتها)، وإنما تتبنى أيضا إلى جانب ذلك نهجا واحديا عنوانه: التفاوض ونبذ «العنف والإرهاب».

ولما كانت وثيقة الأسرى قد تحدثت عن حق المقاومة؛ وهو الأمر الذي يضعها في خانة الثورية، في وقت لا يمكن الحصول على الرواتب سوى بخطاب واحد عنوانه التفاوض ولا شيء سواه، بصرف النظر عن الوقت والنتيجة، ولما كانت كذلك -أي وثيقة الأسرى- فقد منحت حماس فرصة الاحتفاظ بثوابتها ولو بطريقة مواربة (في حين المطلوب أن تخلع عنها تلك الثوابت على أعتاب تلك الحكومة)، فقد جرى استبعاد تلك الوثيقة، وانحصر الحديث فقط في حكومة قادرة على جلب الرواتب، مع التأكيد في ذات الوقت -في حديث أبو مازن المشار إليه- على أن "لقمة العيش أهم من الديمقراطيةِ"، وفى هذا رسالة تهديد واضحة بحل الحكومة أو الانقلاب على العملية الديمقراطية؛ لأن لقمة العيش أهم منها إذا لم تخضع لشروط الرئاسة وحركة فتح.

كل هذه المعطيات وغيرها تؤكد أن حركة فتح غير معنية بحكومة وحدة، وإنما معنية في هذه المرحلة بتشليح «حماس» ثوابتها، وتقديمها للجمهور الفلسطيني بثوب آخر، يمكن بعده ترتيب عملية إقصاء مناسبة لها، بصرف النظر عما إذا كانت سريعة في سياق أزمة الإضراب القائمة الآن، أو بشيء من الصبر حتى نهاية الدورة النيابية الحالية، ما دام برنامج التفاوض المشفوع باستمرار التهدئة قائم على الأرض، بما يكفل للأمريكيين فرصة التفرغ للملف العراقي، وبما يتيح كذلك للإسرائيليين فترة من الهدوء، بعد هزيمة لبنان، من دون أن يمنعهم ذلك من مواصلة اصطياد المطلوبين الفلسطينيين، ومراقبة أية تحركات لهم تبشر بزمن مقاومة جديد.

إذن تبدو حظوظ حكومة الوحدة الفلسطينية في الخروج إلى النور ضئيلة للغاية - ولا نقول مستحيلة- بالنظر إلى صعوبة الوصول إلى قاسم مشترك بين موقفي «حماس» و«فتح».

ومن هنا لا بد أن نتصور سيناريوهات خطرة للغاية إذا ما واصل طرفا المعادلة الفلسطينية نفس منهجهما الفصائلي هذا، فالعوائق العملية التي ستظهر قبل أو حتى بعد تشكيل حكومة كتلك ستؤدي بالخلافات بين حماس وفتح إلى نقطة اللاعودة.

وتتمثل هذه السيناريوهات بعودة الصراع على السلطة، واستشراء فوضى السلاح، وأخذ القانون باليد، واحتمال انهيار الكيان السياسي الفلسطيني وتفسخه إلى مزق وشظايا، وانتقال السيطرة إلى ميليشيات ومجموعات مسلحة، ووكلاء للاحتلال، وللشركات السائرة في فلكه، وإلى العشائر والعائلات، ومن ثم سقوط الجميع أمام العدو المشترك الذي يستغل الصراعات الفلسطينية كذريعة لتنفيذ أجندته الأحادية، والمماطلة في تعهدات التسوية إلى أن تنهار مقاومة الشعب الفلسطيني بشكل كامل، ويقبل بالفتات المعروض عليه من الأرض.


**باحث متخصص في الشئون الفلسطينية.

 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع