بريدك الالكتروني


English

 

12:00 مكة - الأربعاء 25 ربيع الآخر 1427 هـ - 23/5/2005 م

الداخل الفلسطيني » القضية الفلسطينية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
روابط خارجية
ملفات وصفحات
أهم الأخبار

 

الرهان على الداخل.. هل يكسر مشروع حماس؟

د.عمرو الشوبكي**

حركة حماس بحاجة إلى مشرع فكري يتفاعل مع المنظومة العالمية

مثل مشروع حماس الفكري والسياسي واحدا من المحاولات العربية للرهان على الداخل العربي، واستنهاض عوامل القوة الموجودة فيه، من أجل مواجهة التحديات الخارجية والصمود أمام الحصار الأمريكي الإسرائيلي المفروض على الشعب الفلسطيني.

وبدا هذا الخيار محاولة في مسار سلسلة من المحاولات المتعثرة لاستنهاض عوامل القوى الكامنة في الداخل العربي، كان أبرزها مشروع التحرر العربي في الستينيات بقيادة عبد الناصر الذي انكسر في عام 1967، وبصورة أعطت مبررا أيديولوجيا وسياسيا لخلفه أنور السادات لكي يغير الدفة والمسار مائة وثمانين درجة نحو "الخارج" نتيجة مشاكل الداخل العربي وهمومه التي رآها مستعصية على الحل.

وإذا كان من المؤكد أن الارتماء في أحضان الخارج لم يحل مشكلات مصر ولا العالم العربي، فبالتأكيد ومع بداية الألفية الثالثة، فإن المأزق العربي/الفلسطيني لن تحله إستراتيجية حماس المنعزلة عن الخارج، ولا النظم العربية "المنبطحة" أمام الخارج، إنما في صياغة مشروع سياسي للتشدد العربي والفلسطيني مندمج نقديا مع المنظومة العالمية، ويمثل الوجه المقابل لمشاريع الاعتدال الحاكمة السائدة وسط النظم العربية من مصر إلى سوريا، ومن السعودية إلى سلطة الرئاسة الفلسطينية.

حماس بين خبرتين

إذا كان الموقف الأمريكي من حماس قد وضعها في موقف حرج، فإنها من المؤكد لم تبذل جهدا كافيا من أجل صياغة مشروع تحرر وطني بأفق إنساني يساعدها على كسر الحصار الأمريكي، ويبدو فيه تشددها أقرب إلى التشدد المحسوب والمندمج في قيم العالم، كما فعل -مع الفارق في السياق- يسار أمريكا اللاتينية الجديد الذي نجح في أن يخلق مشروعا سياسيا وفكريا يختلف عن مشاريع اليسار الثوري في الستينيات من القرن الماضي، وأيضا عن مشاريع النخبة اللاتينية المعتدلة حليفة الولايات المتحدة.

وبقي الواقع العربي والفلسطيني أسير تيارات سياسية إسلامية وقومية خارج المنظومة العالمية بيسارها ويمينها، يرددون أحلاما سياسية وشعارات وردية لا علاقة لها بالواقع المعيش، ويعبئون الجماهير خلف أوهام غير قابلة للتحقيق، وينسجون خيالات يتصورونها واقعا، في مشهد متكرر منذ عقود.

ومن المؤكد أن خبرة حماس امتلكت بعض الجوانب التي تؤهلها للتطور لتكون تيارا متشددا بالمعنى التحرري والديمقراطي للكلمة، خاصة أن الخصم المقابل لتوجهها (أي الإدارة الأمريكية، وليكود شارون، وكاديما أولمرت) يمثل أقصي صور التشدد والتطرف، ولكن لأن بيدهم القوة و"الحكم الدولي" اعتبروا هذا التشدد هو "المسطرة" التي يقيسون بها العالم، وبدت المفارقة هائلة أن تلك القوى المتشددة أمريكيا وإسرائيليا ترغب فقط أن يكون شركاؤها على الجانب العربي والإسلامي من المعتدلين.

عزلة حماس

أعطت حماس فرصة لما يعرف بقوى الاعتدال العربي أن تسوق نفسها بمفردها على الساحة العالمية والأمريكية، ولم تبذل الجهد الكافي في تقديم خطاب سياسي جديد قادر على التفاعل النقدي مع النظام العالمي، بحيث يصبح "التشدد الحماسي" جزءا من لغة يفهما العالم، يقبلها ويختلف معها.

فحماس المناضلة والنزيهة، لم تقدم شيئا يذكر في مسائل تتعلق بحقوق المواطنة بين العرب واليهود، ولم تحاول "اكتشاف" أدبيات سياسية ونضالية جديدة تختلف عن تلك التي عرفوها وهم خارج السلطة وطوال فترة المقاومة المسلحة والعمليات الاستشهادية، وتعتمد على المقاومة السلمية، والعمل على بناء حيز إنساني في التعامل مع أبناء الديانات والثقافات الأخرى، وبصورة تفتح الباب أمام ميلاد خطاب إسلامي إنساني يسعى إلى استقطاب حلفاء جدد على أسس غير دينية لا تقوم على تقسيم العالم بين المسلمين وغير المسلمين، إنما على أساس العدالة والمساواة والحرية، وهنا سيكون خطاب المقاومة السلمي الديمقراطي أكبر مصدر للقلق أمام الدولة العبرية القائمة على التمييز بين مواطنيها اليهود والعرب.

وقد صعبت هذه الخلفية العقائدية من قدرة حماس على التفاعل مع العالم الخارجي، ومع كثير من القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني العالمي المناهضة للسياسات الأمريكية، وبدت في عزلة دولية عن دوائر صنع القرار الأمريكي، والقوى الماهضة لتلك الدوائر على السواء.

وجاءت رغبة النظم العربية الدفينة في التخلص من حكومة حماس لتعمق من تلك العزلة.

هل يمكن استنهاض الداخل؟

أعادت حماس إنتاج خطاب التحرر العربي، في قالب إسلامي، حيث تحدثت عن استنهاض قدرات الأمة العربية والإسلامية، واعتمدت على الداخل (شعبا أولا، وحكاما ثانيا) في مواجهة تحديات الخارج، وبدأت في محاولة الحصول على دعم مادي من بعض الحكومات العربية والإسلامية لدفع رواتب موظفي السلطة وقامت دول خليجية، أبرزها قطر، وإسلامية أهمها إيران، بتقديم دعم مادي يكفي لتغطية ما يقرب من شهر من رواتب الموظفين المتأخرة، وإن كانوا مازالوا عاجزين عن تحويلها عبر المصارف البنكية.

وقامت أكثر من مؤسسة شعبية وتنظيم سياسي بتعبئة الشارع العربي والإسلامي من أجل تقديم الدعم المادي لحكومة حماس وبادرت نقابة الأطباء بجمع أكثر من خمسة ملايين جنيه مصري في مؤتمرها الذي عقد بدار الحكمة بالقاهرة لدعم الحكومة الفلسطينية، وقامت حماس بدعوة المواطنين لفتح باب التبرع لحكومتهم في رام الله بالضفة، وتجاوب المواطنون على قدر إمكاناتهم مع تلك الدعوة بنبل شديد يدعو إلى الفخر، وفي مشهد غير معتاد في الشوارع العربية التي لا يثق مواطنوها في حكوماتهم، وأخيرا أعلنت جماعة الإخوان المسلمين عن فتح حملة تبرعات لدعم حماس.

ورغم كل المعاني الاستنهاضية التي يعكسها مشروع حماس، ومحاولته الاستفادة من بعض الطاقات العربية، فإن كل تلك المحاولات لن تنجح في إقامة مشروع سياسي لحماس قادر على إدارة شئون السلطة والعمل على استعادة الحقوق المسلوبة للشعب الفلسطيني، دون إيجاد صيغة ما للتفاعل مع الخارج متمثلا في حكومات بعض الدول الغربية أو مع القوى والتيارات السياسية. فالمؤكد أن خطاب حماس المقاوم عجز عن إيجاد صيغة ما للتفاعل مع المنظومة العالمية، وراهن على القدرات الذاتية الفلسطينية والعربية والإسلامية، والتي لا يمكن في ظل الواقع الإقليمي والدولي الحالي اعتبارها بمفردها رهانا ناجحا.

وأسباب ذلك عديدة، منها طبيعة الواقع الفلسطيني نفسه، فلا توجد دولة، وليس هناك أي هامش للاستقلال الاقتصادي عن إسرائيل، كما أن العالم العربي يعيش مرحلة فريدة من الضعف والانهيار، فالحكومة الفلسطينية ليست إيران حتى تحاول انتزاع بعض حقوقها وتحقيق جانب من طموحاتها خارج المنظومة الدولية، إنما هي في وضع داخلي لا يسمح لها بالتقدم أي خطوة للامام إلا عبر ابتكار صيغة ما للتفاعل مع العالم الخارجي.

وللأسف الشديد لم تحاول حماس أن تفكر في شكل مشروعها السياسي عقب انتقالها من مرحلة المقاومة المسلحة إلى الحكم -أو المقاومة بالوسائل السلمية- وقام قادتها على سبيل إبراء الذمة بزيارتين للصين وروسيا لم تؤديا إلى تقديم جديد جوهري يعيد الروح إلى العلاقة المقطوعة بين الحكومة الفلسطينية والعالم الغربي.

وسيعمق من هذه العزلة حالة الاحتقان الداخلي بين فتح وحماس، خاصة بعد إصدار الأخيرة قرارا بدمج بعض العناصر المسلحة داخل قوى الأمن التابعة لوزارة الداخلية، وهو الأمر الذي رفضه الرئيس الفلسطيني وألغاه بقرار رئاسي لم تحترمه الحكومة، مما أدى إلى حدوث اشتباكات بين الجانبين، وأصبحت هناك مخاطر حقيقية من اندلاع قتال داخلي بين الجانبين، ستتحمل الجانب الأكبر من تبعاته الحكومة الفلسطينية، لا بالضرورة لأنها الطرف المخطئ أكثر على الأرض، ولكن بالتأكيد لأنها الطرف الذي لم يقرأ جيدا حجم المخاطر الداخلية والخارجية الموجودة على الأرض.

ولذا لم يعد مفيدا كثيرا لحماس الآن ترديد مقولة إن الإدارة الأمريكية تكيل بمكيالين، وإن رفضها الاعتراف بحماس كحركة منتخبة ديمقراطيا لا ينسجم مع قيم الديمقراطية ومبادئها، لأن تغيير هذا الانحياز الخارجي لن يتم عبر خطاب أخلاقي فقط، إنما أساسا عبر تعديل ولو محدودا في موازين القوى يبدأ في تقديم نموذج سياسي للتعايش الفلسطيني الداخلي (وهو ما يحدث عكسه) واستنهاض القدرات العربية (لا يوجد مؤشر على حدوثه) وقدرة على التأثير في البيئة الدولية والقيم الإنسانية العالمية، وهو ما لم تهتم به حماس أصلا.

ستحتاج حماس إلى معجزة للنجاح، وإلى جرأة في مراجعة مواقفها وصياغة خطاب معرفي وسياسي جديد يستطيع أن يتواصل مع العالم ويتفاعل نقديا مع منظومة قيمه، دون أن تتخلى عن قيمة المقاومة القادرة على تغيير الواقع، لا الشكوى منه.


**خبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع