 |
|
انتصار حزب الله انتصار للمقاومة الفلسطينية |
من الخصائص التي لازمت القضية
الفلسطينية في مختلف أطوارها ومراحلها
الممتدة، حساسيتها الشديدة للتطورات
والمتغيرات الإقليمية والدولية
المتفاعلة من حولها، وكذا تأثيرها
المباشر في مختلف القضايا المحيطة بها،
لذلك فإن للحرب العدوانية على لبنان وما
أثمرت عنه من اندحار للإسرائيليين وصمود
للمقاومة وتكبيدها إسرائيل خسائر فادحة،
يدفع إلى القول بأن واقعا جديدا سيفرض
نفسه على مسار القضية الفلسطينية في
الفترة اللاحقة على هذه الحرب، فكل انكسار
واجهته الدول العربية نال من القضية
التحريرية الفلسطينية وكل انتصار متنها
وأضاف إليها.
وعليه، فليس بعد المحاولات
الفاشلة لهزيمة حزب الله وتدمير الأحياء
التي تحتضنه والفضاءات الاجتماعية التي
تخصه في الرحاب اللبنانية، سوى الالتفات
إلى حماس وأحيائها في فلسطين. وقد نلاحظ أن
هذا الاستهداف المزدوج قد جرى بالفعل، ففي
أثناء الحرب على جبهة حزب الله، أزهقت
الآلة الحربية الإسرائيلية، المغطاة
سياسيا وماديا بالدعم الأمريكي أرواح
مائتي فلسطيني وجرحت أكثر من ألف في الضفة
وغزة، وسجنت كل من وصلته يدها من رموز حماس
وحكوماتها، وهذا قدر من الإرهاب الدموي لم
يكن مسبوقا في كثافته على الجبهة
الفلسطينية خلال العام السابق بطوله.
فلسطين في خلفية الحرب
اكتسبت القضية الفلسطينية
حساسيتها المفرطة للعوامل الخارجية
بالنظر لارتباط فلسطين، تاريخيا وجغرافيا
وجيوستراتيجيا وعقيديا وثقافيا، بعدد
كبير من الأطراف بالجوارين القريب
والبعيد. وهو ارتباط موصول بأسباب
متباينة، بعضها مصلحي مادي يمكن إخضاعه
للحسابات الجافة، وبعضها مصلحي غير مادي
ولا منظور يصل خطاب الأرض بالسماء، ويصعب
إن لم يستحل تقدير تأثيره كميا، ومن هنا
قيل عن حق بأن الحالة الفلسطينية تكاد
تتفرد بتعقيداتها، من حيث الأطراف
الضالعة فيها والقضايا المشتقة عنها
وتشابك أو اشتباك الأهواء والنوازع
الظاهرة والخفية المرتبطة بها.
بناء على ذلك ثمة ما يدفع إلى
الاعتقاد باستحالة عزل سيرورة القضية
الفلسطينية، مسارها ومصيرها، عن قضايا
أخرى تحاور وتتفاعل على الصعيدين
الإقليمي (العربي وغير العربي) والدولي،
ويترتب على ذلك منطقيا ضرورة الاقتناع
بوجود صلات معينة بين أطراف القضية
المباشرين، الفلسطينيين العرب
والإسرائيليين الصهاينة بأطيافهم
السياسية المختلفة، وكذلك بين قوى
إقليمية ودولية لها مصالح منظورة وغير
منظورة داخل الرحاب الفلسطينية ومن حولها.
وتسهيلا لمقاربة هذه التعميمات يمكن
صياغتها على النحو التالي:
- إن القضية التحررية الفلسطينية
ومشروعها الوطني المنصوب في وجه المشروع
الاستعماري الصهيوني الإسرائيلي،
يتأثران حتما بأحوال وثوابت ومتغيرات
قضايا أخرى إقليمية ودولية من قبيل
السيطرة على النفط وأسعاره وصورة النظام
العربي وحيازة أسلحة الدمار الشامل
وطبيعة النظام الدولي... إلخ.
- كل عملية تنطوي على هدم أو بناء
أو إعادة هيكلة عموما للمنظومات
الإقليمية والدولية المرتبطة بالمشروعين
الفلسطيني العربي والصهيوني الإسرائيلي،
تلقى صداها الإيجابي أو السلبي لدى هذين
المشروعين وموازين القوى بينهما، فوهن
النظام العربي وضعفه وتفكك عراه أو
انفراطها تتداعى سلبا على المشروع
الفلسطيني، والعكس صحيح.
- غالبا ما جاءت عمليات إعادة
الهيكلة الإقليمية تالية لحروب ومنازلات
كبرى أو محدودة، وفي معظم الأحوال انعكست
نتائج هذه العمليات على المشروع
الفلسطيني بعامة، وعلى موازين القوى بين
تياراته وفصائله من الداخل بخاصة، فبعد
الحرب العالمية الأولى تم الانفراد
بفلسطين وفصلها عن أرومتها القومية
العربية وإقطاعها للمشروع الصهيوني،
وبُعيد الحرب العالمية الثانية جرى تغييب
الحقيقة الفلسطينية وإعلان إسرائيل.
وكان نهوض المشروع القومي العربي
بين منتصف خمسينيات القرن الماضي إيذانا
بانبعاث الوطنية الفلسطينية مرة أخرى،
كما كانت هزيمة هذا المشروع في عام 1967 نذير
شؤم على مصير فلسطين المستلبة منذ عام 1948 وتحجيم الأهداف الفلسطينية في حدود الضفة
وغزة والقدس الشرقية.
وكانت الصلابة العربية في حرب 1973
مدعاة للثقة في مستقبل المشروع التحريري
الفلسطيني استنادا إلى حد معقول من قوة
النظام العربي، وقد انقلب ذلك إلى إحباط
كبير وقت أن تضعضع هذا النظام غداة حرب
الخليج الثانية، ثم إن الإحباط كبر أكثر
بعد أن بات النظام على شفير الأفول في ضوء
غزو العراق واحتلاله على يد التحالف
الأنجلو-أمريكي الصهيوني.
حماس بعد حزب الله
وعليه، يمكن فهم وإدراك دلالات
المنازلة الحاصلة على الساحة اللبنانية
بين حزب الله وإسرائيل، وكذا وإن بدرجة
أقل حدية على الساحة الفلسطينية بين حماس
وأخواتها من حركات المقاومة الفلسطينية
وإسرائيل. فنحن هنا إزاء ما يحق وصفها
بالحرب السادسة في مسلسل الحروب العربية
ضد الغزوة الصهيونية، وذلك بالطبع مع خلاف
في بعض التفاصيل المهمة منها على سبيل
المثال سكوت مدافع كل الجبهات الرسمية
العربية وانبراء قوى المقاومة الشعبية
للمواجهة.
وهذه الحرب شأن سابقاتها من
الحروب، سيكون لها تداعيات على سيرورة
القضية الفلسطينية قوة وضعفا، مكسبا
وخسارة، ولعل إحدى أهم ميزات هذه الواقعة
هو وضوح هذه التداعيات على نحو يقطع أي
طريق للتكهنات والتوقعات المجنحة التي
طالما ارتبطت بالمنازلات السابقة. ذلك لأن
التحالف الأمريكي الإسرائيلي لم يلجأ هذه
المرة إلى اللغة الملتبسة في عرض أهدافه
من الحرب، وكونه أعلن في يومها الأولى
أنها بصدد مخاض شرق أوسط جديد.
إن لسان حال التحالف الأمريكي
الإسرائيلي الذي يباشر الحرب يقول بلا
مواربة إنه لا مكان في النظام الجديد،
لقوة المقاومة سواء اللبنانية أو
الفلسطينية، وإن إخلاء المجال الإقليمي
من هذه القوى سيجري بالقوة مستهدفا إياها
مع بنيتها الاجتماعية والفكرية التحتية
بلا هوادة.
والظهير الإقليمي أيضا
يأمل التحالف الأمريكي
الإسرائيلي أن تلقى محاولات دحر حزب الله
وحماس ومن يواليهما على المستويين الفكري
النظري والحركي السياسي التنظيمي أصداءها
في الرحاب الإقليمية الأوسع، وذلك على
القوس الممتد من فلسطين إلى لبنان وسوريا
والعراق وإيران. ويكمن خلف هذا التصور أن
هذه البلدان تحفل بالقوى الرسمية
والشعبية المعطلة للمشروع الشرق الأوسطي
الذي نفترض من خلاله ضعضعة الحشو العروبي
أو حتى العروبي الإسلامي بالمغزى الحضاري
الشامل لمحيط إسرائيل الإقليمي.
بصيغة أخرى، نحن إزاء حرب يحسبها
التحالف الأمريكي الإسرائيلي فارقة جدا
في كسر القوى الممانعة لمشروع الشرق
الأوسط القديم/الجديد، وهذه القوى هي
ذاتها المعززة للمشروع الوطني الفلسطيني.
ويقينا فإن مقاومي إسرائيل
وهيمنتها المبينة على عموم الشرق الأوسط،
بالتعامد والشراكة العضوية مع القطب
الأمريكي، على دراية بهذا التكييف، وإنهم
يتبنون المنظور ذاته لهذه الحرب.
وفلسطينيا بالتحديد، لا بد أن حماس وبقية
العاكفين معها على نهج المقاومة، المسلحة
بخاصة، واعون إلى أن خللا إستراتيجيا
سيكون في غير صالحهم لو كتب النجاح
لمحاولات آلة الحرب الإسرائيلية في إلحاق
هزيمة بائنة بحزب الله.
ويكفي للحزب أن يتلاقى معهم على
مقارعة المشروع الصهيوني وإسرائيل
والنفوذ الأمريكي الزاحف وأحلام الشرق
الأوسط الجديد، كي يتآزروا معه ويقفوا
خلفه ويأخذوا بدعوته، هذا علاوة على أن
مشاركة الحزب إياهم في الاعتمادية
والتعاضد المتبادلين مع الدول الإقليمية
الممانعة، تفعل فعلها في النظر إلى الحرب
المعقودة على الساحة اللبنانية على أنها
تخصهم وتعنيهم بشكل مصيري حميم.
أصداء الصمود والانكسار
إن أخذ المقاومة الفلسطينية بمثل
هذا التحليل، يكشف عن أنها تلتزم الصواب.
فلا مجال لصدقية رؤية فلسطينية، كائنا من
كان مصدرها، تعزل مقدمات الحرب السادسة
ومجرياتها ثم نتائجها وانعكاساتها عن
آفاق القضية الفلسطينية جملة وتفصيلا.
وقد نتفق بعامة على أن انكفاء
الحزب عسكريا وتحطم أسلحته أو لجمها تماما
وإلحاقها بقرار الدولة اللبنانية ومنع
دورها على الجبهة، أو تفكيك البنى
العسكرية للحزب وحصر فاعليته بالمستوى
السياسي والاجتماعي، كما يقضي القرار
الدولي 1701، هذه الملامح ستكون نذيرا سلبيا
للمقاومين على الجبهة الفلسطينية. فهي
ستؤدي إلى إخراج أو تحييد قوة أثبتت
قدراتها على إيلام إسرائيل من ساحة الصراع.
وسيتعاظم بالتداعي شأن الأنظمة العربية
الرسمية وتكبر فكرة انضباط المقاومة تحت
لواء هذه الأنظمة ومنهجها في إدارة عملية
التسوية.
كذلك لن تخلو هذه النتيجة من
دلالات مقبضة بالنسبة للقوى الإقليمية
العاطفة على خيار المقاومة وأهدافها، فقد
يضمر دورها وتنحدر مكانتها وقدرتها على
ممانعة المشروع الشرق الأوسطي، أقله بسبب
فقدانها بعضا من أهم أدواتها في هذه
الممانعة. لقد اكتسبت علاقة حزب الله بهذه
القوى من ناحية بالتوازي مع علاقة إسرائيل
بالقطب الأمريكي من ناحية أخرى شكل
الأواني المستطرقة، وعليه، فلا يمكن تصور
تراجع أو تصفية مكانة حزب الله جراء الحرب
الجارية، دون توقع تدهور مكانة هذه القوى
بصفة عامة.
على أنه يتعين الالتفات إلى
التفاصيل في هذا الإطار، فتحجيم الدور
العسكري لحزب الله في إطار صفقة سياسية أو
تسوية متكاملة، تتضمن بشكل ظاهر أو مضمر
تصفية الاحتلال في مزارع شبعا وإطلاق
الأسرى اللبنانيين وكف العربدة
الإسرائيلية على لبنان برا وجوا وبحرا،
نتيجة لا بأس بها على صعيد الأصداء
الفلسطينية للحرب. فهي ستقيم الحجة في وجه
الزاعمين بـ "لا جدوى المقاومة"
المسلحة باعتبار أنها وصلت إلى غاياتها أو
بعض أهم غاياتها في المثل اللبناني.
البعد العقيدي وديمومة
المقاومة
إن المنازلة بين حزب الله
وإسرائيل باتت مظهر ولبوس المواجهة بين
التيار الإسلامي وأنصاره وبين التحالف
الأمريكي الإسرائيلي والمُستلبين إليه.
ولا يقدح في هذا الفهم ما سعى إليه البعض
من إسباغ الصفة الطائفية البحتة على حزب
الله، ذلك أن عملية العزل والفتنة
المقصودة بهذا الطرح فشلت في دحض فكرة
تمثيل الحزب لعموم التيار الإسلامي التي
قوبلت بامتعاض عربي وإسلامي ملحوظ.
وهكذا فإن انكسار الحزب سيؤلم
هذا التيار والقوى العاملة بسنته في
الرحاب الفلسطينية، ولعل هذا الإيلام
سيكون أوقع لدى الأجنحة المعتدلة،
البعيدة عن شبه عولمة الصراع الإسلامي
العربي التي يأخذ بها الموصوفون بالتطرف
مثل "البن لادنيين" وأشياعهم.
ونظن أن "انكفاء" حزب الله -لو
حدث- لن يؤدي كليا إلى "ذبح"
المقاومين الإسلاميين أو محوهم من حسابات
الضالعين في المعضلة الفلسطينية. فذلك أمر
مستحيل بسبب تغلغل المكون العقيدي في هذه
القضية.
لذا فإن المرجح في حالة كهذه أن
يرتقي خطاب التشدد في المواجهة التاريخية
على أرض فلسطين وجوارها، غير أن انتصار
حزب الله ولو بالمفهوم النسبي، والذي يبدو
أنه تحقق بالفعل حتى بعد تبني القرار 1701
سيعظم بالضرورة ويعضد من قوة التيار
الإسلامي في فلسطين وجوارها، ذلك بعد أن
قدم الحزب نموذجا ملهما يستحق الاقتداء
به، ويدحض حجج معارضيه.
|