 |
|
مشاهد الدبابات الإسرائيلية المدمرة في لبنان أصبحت عادية
|
لا خلاف على أن ثمة تداعيات كبيرة
وخطيرة لنتائج الحرب الأخيرة بين حزب الله
والدولة العبرية ستكون على حساب مستقبل
دولة إسرائيل. وبسبب إدراك هذه التداعيات
فإن هناك من المؤرخين الإسرائيليين من
سارع لاعتبار هذه الحرب تتساوى في تأثيرها
مع حرب العام 1948 التي أفضت إلى إعلان
الدولة العبرية. فعلى الرغم من أن هذه
الحرب لم تؤد إلى إحداث تغيرات جغرافية،
كما كانت عليه الحال في الحروب السابقة،
فإنها أثرت بشكل جذري على العديد من
المسلمات التي شكلت الإستراتيجية الشاملة
للدولة العبرية، فضلا عن أنه أصبح في حكم
المؤكد أن هذه الحرب سيكون لها تأثير كبير
على الخارطة الحزبية والسياسية في الدولة
العبرية. كما سيكون لها تأثير على صور
تعاطي الدولة العبرية مع العالم العربي
وتوجهاتها بشكل خاص نحو القضية
الفلسطينية.
الإطاحة بالعقيدة الأمنية
الإسرائيلية
منذ العام 1948 وحتى الآن استندت
إسرائيل في حروبها ضد العالم العربي على
عقيدة أمنية، تقوم على ثلاثة أسس رئيسية:
(أ) نقل المواجهة إلى أرض العدو:
فمنذ العام 1948 حرصت الدولة العبرية على
نقل المعركة إلى الأرض العربية، وذلك
لتجنيب العمق المدني والجبهة الداخلية
الإسرائيلية تأثير الحرب؛ في نفس الوقت
مضاعفة معاناة التجمعات المدنية العربية
بسبب هذه الحرب. لكن في هذه الحرب تهاوى
هذا الأساس المهم، عندما استطاعت
المقاومة الإسلامية تحويل العمق المدني
والجبهة الداخلية الإسرائيلية إلى إحدى
ساحات المواجهة الرئيسية في الحرب، وذلك
عن طريق قصف المدن والتجمعات السكانية
والمدنية في قلب الدولة العبرية، وهو ما
حوّل أكثر من مليون إسرائيلي إلى لاجئين.
وقد كان التأثير على العمق المدني
الإسرائيلي كبيرا لدرجة دفعت الكثير من
المعلقين الإستراتيجيين في الدولة
العبرية إلى التحذير من إمكانية حدوث فرار
جماعي منها بسبب عدم استعداد قطاعات واسعة
من الجمهور الإسرائيلي دفع ثمن الصمود في
الحرب. صحيح أن العمق المدني اللبناني
تعرض لأضعاف ما تعرض له العمق المدني
الإسرائيلي، لكن الفرق هنا يكمن في انعدام
الاستعداد لدى معظم قطاعات المجتمع
الإسرائيلي على تحمل تبعات الحرب؛ ولعل
هذا الذي دفع الحكومة الإسرائيلية إلى
اتخاذ قرار غير مسبوق؛ عندما أمرت بإخلاء
سكان جميع المستوطنات في شمال فلسطين.
وكما بات واضحا الآن فإن أهم الاعتبارات
التي دفعت رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود
أولمرت ووزير حربه عمير بيريتس إلى التحمس
لوقف إطلاق النار هو التخوف من تداعيات
تواصل الحرب على العمق المدني والجبهة
الداخلية الإسرائيلية.
(ب) الحرب الخاطفة: بخلاف ما
هو عليه الحال في معظم دول العالم فإن معظم
الجهد الحربي لإسرائيل في أثناء الحروب
يقع على عاتق قوات الاحتياط وليس على
القوات النظامية. من هنا فإن النظرية
الأمنية الإسرائيلية تشدد على أنه يتوجب
على الجيش الإسرائيلي أن يحسم المواجهة مع
"العدو" ويحرز النصر بسرعة فائقة؛
على اعتبار أنه لا يمكن مواصلة الزج بقوات
الاحتياط في ساحات المعارك لأمد طويل؛ لأن
هذا يعني شل الحياة في الدولة بما يؤثر
سلبا على سير المعارك في النهاية. فجنود
الاحتياط هم الأطباء والصناعيون
والمهندسون والمعلمون وأصحاب المهن الذين
يعني بقاؤهم في المعارك وقتا طويلا توقف
مؤسسات الدولة عن تقديم الخدمات الأساسية.
وفي الحرب الأخيرة تهاوى هذا الأساس رأسا
على عقب.
(ج) إلحاق ضربة قاصمة بالعدو:
أدرك صناع القرار في إسرائيل أن تقصير أمد
المواجهة مع "العدو" العربي تتطلب من
الجيش الإسرائيلي توجيه ضربة قاصمة ليس
فقط للجيوش العربية بل للعمق المدني
العربي أيضا، وإجبار الطرف العربي على
الاستسلام أو الموافقة على الشروط التي
تضعها الدولة العبرية لوقف الحرب. ومن
الأهمية بمكان التشديد هنا على أن توجيه
ضربة قاصمة للعدو لا يوظف فقط من أجل تقصير
أمد الحرب، بل وبشكل أساسي يهدف إلى
مراكمة الردع في مواجهة الأطراف العربية
وإقناع أنظمة الحكم العربية أنه لا يمكن
كسب مواجهة عسكرية مع إسرائيل. ودائما ما
يردد شمعون بيريس رئيس الوزراء
الإسرائيلي الأسبق الوزير في حكومة
أولمرت الحالية عبارته الشهيرة "العرب
لم يوافقوا على عقد اتفاقيات تسوية معنا،
إلا بعد أن يئسوا من إمكانية تحقيق مكاسب
في الحروب ضدنا". وفي الحرب الأخيرة
وعلى الرغم من كثافة النيران التي
استخدمتها إسرائيل ليس فقط ضد القوة
العسكرية لحزب الله ومؤسساته، بل وضد
المؤسسات المدنية والبنية التحتية للدولة
اللبنانية، فإن إسرائيل فشلت فشلا ذريعا
في إجبار المقاومة اللبنانية على
الاستسلام والقبول بشروطها. بل على العكس
فإسرائيل هي التي تراجعت عن الشروط التي
وضعتها لإنهاء الحرب.
الاستعداد لحرب العصابات
 |
|
آلاف الجنود الإسرائيليين أصيبوا في الحرب
|
إلى جانب ذلك، فإنه لا خلاف بين
جميع الجنرالات الذين قادوا مجلس الأمن
القومي في إسرائيل على أن العقيدة الأمنية
الإسرائيلية يتوجب أن تأخذ بعين الاعتبار
أن يتم إعداد الجيش الإسرائيلي لحرب
العصابات، وليس فقط لحرب تقتصر على الجيوش
النظامية؛ وهذه من أهم استنتاجات الحرب
الأخيرة. في نفس الوقت فإن ثمة زلزالا يضرب
هيئة الصناعات العسكرية الإسرائيلية بعد
الفشل المدوي للكثير من مكونات الآلة
العسكرية الإسرائيلية في الحرب وفي
مقدمتها الدبابة ميركافا؛ وكما بات
معروفا فإن هذه الهيئة تعكف حاليا على
محاولة التحوط للحرب القادمة بوسائل أكثر
ملاءمة.
من هنا فإن دوائر التخطيط
الإستراتيجي في الدولة العبرية وجدت
نفسها الآن أمام استحقاق تاريخي يتعلق
بضرورة التخلص من العقيدة الأمنية
الحالية التي رافقت الدولة منذ 58 عاما،
واستبدال بها عقيدة أمنية أخرى لا تقوم
على المسلمات السابقة، وهذا التحدي
المستقبلي الأبرز أمام إسرائيل. لكن هناك
شكا أن يكون بإمكان الدولة العبرية صياغة
نظرية أمنية جديدة يمكن أن تشكل ردا على
التحديات التي تعرضت لها الدولة خلال
الحرب مع حزب الله. فإن أي تغيير في أسس
العقيدة الأمنية يفترض بكل تأكيد أن يكون
المجتمع الإسرائيلي مستعدا لتحمل مزيد من
الأعباء في أثناء الحرب، وهذا ما تبين
خلال هذه الحرب أن عكسه ما يحدث على أرض
الواقع. على كل الأحوال فإنه لا خلاف داخل
إسرائيل أن أي لجنة تحقيق رسمية سيتم
تشكيلها ستأمر بتشكيل لجنة من أشهر
جنرالات الجيش المتقاعدين والذين هم في
الخدمة لمحاولة سد الثغور الكبيرة في
النظرية الأمنية للدولة العبرية.
مستقبل الخارطة الحزبية
والقيادة العسكرية
أصبح من المؤكد أن يتم تشكيل لجنة
تحقيق لتقصي الأسباب التي قادت إلى فشل
إسرائيل في هذه الحرب وعجز حكومة أولمرت
عن تحقيق الأهداف التي وضعتها للحرب. مع
العلم أن عمل أي لجنة تحقيق سيكون سهلا
نسبيا بعدما أقر أولمرت في خطابه أمام
الكنيست بعد انتهاء الحرب أنه كانت هناك
أوجه قصور في إدارة المعركة. وكما هو الحال
مع لجان التحقيق فإن هذه اللجنة ستحمل
المستويات السياسية والعسكرية المسئولية
عن نتائج الحرب. ومع أنه من المتوقع أن يتم
تحميل المستوى العسكري المسئولية بشكل
أكبر عن نتائج الحرب، فإن المستوى السياسي
لن يخرج نقيا من التحقيق، حيث سيحمل جزءًا
من المسئولية على اعتبار أن الحكومة بكامل
هيئتها تعتبر حسب القانون الأساسي
الإسرائيلي هي القائد الأعلى للجيش. وهناك
عدة سيناريوهات متوقعة قد تنتج بفعل تحميل
الحكومة بعض المسئولية عن الفشل، حيث إنه
من الممكن أن يسعى أولمرت إلى توسيع قاعدة
الحكومة البرلمانية بضم كل من حزب "يسرائيل
بيتنا" المتطرف بقيادة أفيجدور ليبرمان
كما يطالب العديد من قادة حزبه، وحزب "يهودت
هتوراة" الأرثوذكسي المتزمت، وعندها
ستكون حكومة أولمرت أكثر يمينية وأشد
تطرفا؛ حيث إنه لا مجال هنا للتذكير
بالمواقف الجنونية التي يتبناها ليبرمان
من التعامل مع العرب. وقد تؤدي نتائج
التحقيق إلى مولد تمرد ضد قيادة كل من
أولمرت في حزب "كاديما"، وبيريتس في
حزب العمل، وقد ينتهي ذلك بحجب الثقة عن
الزعيمين من قبل اللجنة التنفيذية في كل
من الحزبين. وهناك سيناريو ثالث ينطلق من
إمكانية حل البرلمان والدعوة لانتخابات
برلمانية جديدة، وكما تدل استطلاعات
الرأي العام فإن هذه الانتخابات ستؤدي إلى
تعزيز قوة اليمين المتطرف، لكن ليس بالشكل
الذي يؤمن له الحكم بدون الحاجة إلى قوى
الوسط سيما حزب "كاديما". أما بالنسبة
للقيادة العسكرية فعلى المستوى الشخصي
يتوقع أن يؤدي التحقيق إلى الإطاحة بكل من
رئيس هيئة الأركان دان حلوتس، وقائد
المنطقة الشمالية أودي آدام، إلى جانب بعض
المستويات في القيادة العسكرية. لكن من
ناحية إستراتيجية يتوقع أن توصي لجنة
التحقيق بعدم تعيين أي رئيس لهيئة أركان
الجيش لم يخدم في سلاح المشاة، حيث يعتقد
على نطاق واسع أن أحد أوجه قصور الجيش ينبع
من قيادته من قبل جنرال قضى خدمته
العسكرية في سلاح الجو.
إسرائيل والعرب
أحد الاستنتاجات الرئيسية التي
أشار إليها معظم المعلقين والجنرالات
المتقاعدين الذين تحدثوا عن استنتاجاتهم
من الحرب، هو حث حكومة أولمرت على استئناف
الاتصالات مع السلطة الفلسطينية والحكومة
السورية. فحسب هؤلاء فإن حل القضية
الفلسطينية يسحب الذرائع من أيدي الأطراف
العربية "المتطرفة" لمواصلة التحريض
ضد الدولة العبرية واستهدافها. أما
التسوية على الصعيد السوري فإنه ينظر
إليها من قبل العديد من الخبراء
الإستراتيجيين في الدولة العبرية كمهمة
جدا؛ لأنها الوصفة الأكيدة لدفع دمشق لفك
ارتباطها مع كل من طهران وحزب الله. لكن
الواقع السياسي الداخلي في إسرائيل يحول
دون محاولة تطبيق هذه الاستنتاجات. فمن
ناحية هناك أغلبية داخل البرلمان
الإسرائيلي والحكومة ترفض بشدة القبول
بأي موقف يمكن أن يشكل بداية للتفاوض مع
السلطة الفلسطينية وسوريا. ولو أجريت
انتخابات تشريعية فإن نتائج الانتخابات
ستدفع الخارطة الحزبية الإسرائيلية نحو
مزيد من التطرف؛ الأمر الذي يجعل إمكانية
التوصل لتسوية على الصعيدين السوري
والفلسطيني مستحيلة. وإن كانت التسويات
الثنائية مع العرب غير متيسرة مع العرب
بعد الحرب فإن الحلول أحادية الجانب ستكون
أكثر صعوبة. فمعروف أن أولمرت وعد قبيل
انتخابه بمواصلة تنفيذ الخطوات أحادية
الجانب في الضفة الغربية، بحيث يتم إخلاء
بعض المستوطنات هناك من أجل تعزيز سيطرة
الدولة العبرية على ما تبقى منها، وذلك
ضمن مشروعه السياسي الذي أطلق عليه خطة
"الانطواء"؛ إلا أن فشل إسرائيل تحت
قيادته في الحرب الأخيرة جعل إمكانية
تطبيق هذه الخطة أمرا شبه مستحيل. ففي
إسرائيل يعتبرون أن الحرب الأخيرة هي أحد
أمثلة الحصاد المر للخطوات أحادية
الجانب؛ وأن هذه الحرب كانت نتاج الخطأ
الكبير الذي ارتكبه رئيس وزراء إسرائيل
الأسبق إيهود باراك الذي سحب الجيش بشكل
أحادي الجانب من جنوب لبنان في العام 2000،
وبالتالي فإنه لا داعي لمواصلة "موضة"
الخطوات أحادية الجانب، مع العلم أن عملية
فك الارتباط، أحادية الجانب في قطاع غزة
لم تثبت نفسها بالنسبة لرجل الشارع
الإسرائيلي حيث واصلت حركات المقاومة
الفلسطينية استهداف العمق الإسرائيلي
بالصواريخ بعد تنفيذ الخطة.
قصارى القول، إسرائيل الجريحة
بعد الحرب، ستصبح كيانا أكثر انعزالية
وتطرفا، كيانا ينظر للمواجهة القادمة
كمواجهة حاسمة، كيانا يسعى لمحاولة ترميم
قوة ردعه التي تهاوت، والخروج من الهزيمة
العسكرية التي أصبح هناك إقرار وتسليم
بها، يكفي أنه في نهاية الحرب تم إحياء
السؤال القديم الذي طرح في الساعات الأولى
لإعلان الدولة العبرية: هل من الممكن
المحافظة على بقاء دولة إسرائيل؟.
|