بريدك الالكتروني


English

 

الأحد 6 ذي القعدة 1427هـ - 26/11/2006م

تركيا » بقية العالم الإسلامي » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين

 

  أهم الأخبار

 

بنديكت يأتي من الغرب.. تتجه تركيا للشرق*

يوسف الشريف**

البابا بنديكت السادس عشر.

يتضاءل الترحيب الرسمي والشعبي التركي بزيارة بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر إلى درجة تقترب من الازدراء والتهميش، بل حتى إعلانه ضيفًا هو أمر غير مرغوب فيه. ولذلك أسباب منها ما يتعلق بشخص البابا وما صدر عنه من تصريحات تجاه الإسلام وتركيا، ومنها ما يتعلق بطبيعة تركيا القومية وتاريخها ونظرتها إلى الأقلية المسيحية التي تعيش على أرضها.

والغالب أن نتائج هذه الزيارة لن تصب في مصلحة تركيا التي تحاول الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من خلال لعب دور في مسيرة اتفاق الحضارات وتفاهمها التي ظهرت بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، بل إنها ستدفع بتركيا أكثر نحو الشرق من خلال إبرازها عدم قدرة الدولة قبل الشعب على استيعاب الآخر المسيحي، فتفاعل تركيا مع الغرب وتفاهمها معه ناتجان من مشاركتها له معايير العلمانية والديمقراطية وليس من تسامحها المزعوم مع العالم المسيحي.

زيارة دون بروتوكولات

تتعدد ألوان الاحتجاج على زيارة البابا إلى تركيا شعبيا ورسميا، فمن احتلال مجموعة قومية متطرفة متحف (آيا صوفيا) في إستانبول وإقامة الصلاة فيه للتأكيد على هويته الإسلامية على رغم كونه في السابق – قبل الفتح العثماني لإستانبول– كان إحدى أهم الكنائس البيزنطية، إلى مظاهرة حاشدة ينظمها حزب السعادة الإسلامي قبل يومين من زيارة البابا، إلى تظاهرات أخرى متوقعة خلال الزيارة بأشكال وألوان مختلفة، يخشى أن ينال بعضها من أمن وسلامة وفد البابا.

وعلى الجانب الآخر، يأتي غياب كل من رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية عبد الله غل ووزير الشئون الدينية محمد أيضن عن تركيا خلال الأيام الأربعة لزيارة البابا، وإصرار رئيس الشئون الدينية محمد بارداق أوغلو على أن يزوره البابا في مكتبه رافضا أن يذهب هو إليه، إضافة إلى حجب التلفزيون الرسمي التركي الذي يحتكر تصوير نشاطات زيارة البابا وبثه معظم الصلوات والقداديس التي يشارك فيها البابا في تركيا من دون إبداء أسباب.

شعبيا مهدت تصريحات البابا بنديكت السادس عشر التي اقتبسها حول الإسلام أخيرا لهذا الموقف الرافض زيارته قبل تقديم اعتذار رسمي وواضح عن تلك التصريحات، كما أن للبابا الحالي ذكريات غير سارة في تركيا قبل أن يتولى البابوية، فالأتراك يذكرون تصريحاته الرافضة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي بسبب هويتها المسلمة، كما أن علاقة تركيا المتوترة حاليا مع الاتحاد الأوروبي بسبب قبرص والملف الأرمني لا تجعل الشارع التركي مهيئا للترحيب بأي زائر أوروبي أو غربي، ناهيك عن رجل يمثل الغالبية المسيحية الرافضة للعضوية التركية.

أما على الصعيد الرسمي فالدعوة التي وجهها الرئيس أحمد نجدت سيزر العام الماضي للبابا من أجل زيارة تركيا جاءت من باب «مجبر أخوك لا بطل»، إذ كانت الدعوة مجرد وسيلة لسد الطريق أمام دعوة أخرى والالتفاف عليها، إذ إن بارتالاميوس بطريرك الروم الأرثوذكس في تركيا كان سارع إلى توجيه دعوة إلى البابا لزيارة إستانبول فور توليه البابوية، بهدف العمل على مصالحة الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذوكسية، وهذه الدعوة تقدم بها بارتالاميوس بزعم أن كنيسة الروم الأرثوذكس في إستانبول هي الكنيسة الرئيسة – تاريخيا – لجميع كنائس الأرثوذكس الشرقية، وهو أمر خلاف بينها وبين كنائس في موسكو وأنطاكية، كما أنه زعم ترفضه الدولة التركية التي تخشى ظهور كيان أرثوذكسي في إستانبول على شاكلة الفاتيكان في إيطاليا، يحتل جزءا من أرض المدينة، وينازع على السيادة فيها ويحيي التاريخ البيزنطي هناك.

آيا صوفيا كيف سيزورها بابا الفاتيكان.

لذا سارعت الدبلوماسية التركية إلى توجيه دعوة رسمية إلى البابا من مخاطبه السياسي رئيس الجمهورية أحمد نجدت سيزر لقطع الطريق على قبول البابا دعوة بارتالاميوس وإنشاء حوار ندي بين الفاتيكان وكنيسة الروم الأرثوذكس في إستانبول، خصوصاً أن دعوة بارتالاميوس للبابا فتحت الباب أمام شائعات بأن الزيارة في حال تمت في إطار ديني بحت فإنها قد تتضمن إحياء قداس في متحف آيا صوفيا، الأمر الذي اقشعرت له أبدان الأتراك فور سماعه، ولا بد هنا من إجراء مقارنة تاريخية لاستيضاح نظرة الأتراك إلى آيا صوفيا، فبينما تحاشى خليفة المسلمين عمر بن الخطاب الصلاة في كنيسة القيامة عندما فتح القدس من أجل الحفاظ على الكنيسة وعدم تحويلها إلى مسجد، عمد السلطان العثماني محمد الفاتح إلى الصلاة في كنيسة آيا صوفيا وتحويلها إلى مسجد بعد فتحه إستانبول التي كانت عاصمة للبيزنطيين، ومن ثم تحولت إلى عاصمة الخلافة الإسلامية؛ ولذا فإن الدعوة إلى تحويل آيا صوفيا إلى كنيسة من جديد يعني في نظر الأتراك خيانة للسلطان محمد الفاتح الذي اشترى بماله الكنيسة وحولها إلى وقف إسلامي كمسجد، وكذلك للدولة العثمانية، بقدر ما هو خيانة للدولة الإسلامية وإحياء للعهد البيزنطي المسيحي.

زيارة لن تجبر الكسور

رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان اعتذر عن عدم لقاء البابا ولو دقائق في بداية أو نهاية زيارته بسبب حضوره قمة الناتو في ليتوانيا، وأكدت الخارجية أن الفاتيكان هو الذي حدد موعد زيارة البابا وأنها أخبرته بوجود أردوغان في الخارج تلك الفترة وطلبت تغيير الموعد، إلا أن الفاتيكان رفض وعبّر عن تفهمه للوضع.

وإن بدت الصورة الرسمية بريئة للغاية هنا، إلا أن تصريحات أردوغان أخيرا والتي قال فيها إنه غير مستعد لتغيير جدول أعماله من أجل لقاء البابا في تركيا، تعكس صورة ما يجري خلف الكواليس، خصوصاً أن أردوغان كان من بين أشد المنتقدين لتصريحات البابا في شأن الإسلام ومن بين من طالبوه بالاعتذار رسميا وعلنا، وهو أيضا لن يجني شيئا من الظهور في الصورة مع شخص غير مرغوب فيه شعبيا على عتبة عام انتخابي حاسم في تركيا. كما أن محاولة وزير الخارجية عبد الله غل تعديل صورة «المقاطعة» الرسمية للبابا من خلال عرضه لقاءه إلى غداء عمل في اليوم الأخير للزيارة، جاء خارج إطار الدبلوماسية المتعامل بها، فالمعروف عن بابا الفاتيكان أنه لا يلبي مثل هذه الدعوات التي يعتبرها من متاع الدنيا الذي يزهد فيه، ولذا جاء رفض الفاتيكان دعوة غل ليزيد مشاكل التعامل البروتوكولي والدبلوماسي المعقدة لهذه الزيارة والتي وصلت حتى إلى الخلاف على السيارة التي سيستقلها البابا خلال جولته وما إذا كانت تتبع للكنيسة الأرثوذكسية أم لرئاسة الجمهورية التركية.

أما رئيس الشؤون الدينية محمد بارضاق أوغلو صاحب أقوى تصريح ندد بتصريحات البابا عن الإسلام، فإنه اعتذر عن لقاء البابا لأن اللقاء بين الرجلين يجب أن يتم في إطار زيارة رجال الدين بعضهم لبعض، ما يستوجب ذهاب الضيف إلى رئاسة الشئون الدينية في أنقرة وليس العكس.

الوجه الشرقي الإسلامي لتركيا

تركيا تنتظر من البابا تصريحات تجبر ما انهدم بين العالمين المسيحي والإسلامي من جسور عندما اقتبس البابا تصريحات مسيئة للإسلام في محاضرة ألقاها في ألمانيا الصيف الماضي، وهذا فقط يجعل للزيارة أهمية سياسية لتركيا التي تسعى إلى أن تكون عنوانا لاتفاق الحضارات والأديان وتفاهمها، لكن، لم تحصل من الفاتيكان على أي إشارة بهذا الخصوص قبل الزيارة، أو على الأقل فإن الترتيبات البروتوكولية التركية تشير إلى عدم وجود ثقة لدى الأتراك بأن تصريحات البابا في تركيا قد تحمل أي جديد مهم، بل العكس فإن الزيارة وما قد تشهده من تظاهرات احتجاج ستركز أنظار العالم المسيحي على تركيا ليراها هذه المرة في شكل مختلف، فالعالم الغربي لن يرى خلال الزيارة تركيا العلمانية الغربية التوجه، وإنما الوجه الشرقي الإسلامي والقومي لتركيا، وستبرز قضايا الأقلية المسيحية التي تعاني الكثير في هذا البلد على رغم علمانيته، وللتاريخ هنا باع طويل في سرد ما جرى للمسيحيين في تركيا خلال قرن، فإضافة إلى ما واجهه أكثر من مليون أرمني من تهجير قسري وقتال لا يزال الخلاف قائماً على وصفه وتسميته، فإن اتفاقية لوزان عام 1923 قضت بترحيل مليون ومأتي ألف مسيحي كانوا يعيشون في إستانبول وغرب تركيا إلى اليونان، ثم جاء قانون الضريبة على الحياة على غير المسلمين في تركيا عام 1945 والذي دفع الآلاف ممن تبقى من المسيحيين إلى الرحيل تجنبا للإفلاس، وتبع ذلك أحداث 6 أيلول (سبتمبر)1955 التي تعرض خلالها الأرمن والمسيحيون في إستانبول إلى اعتداءات وحشية بأيدي المتطرفين الأتراك دفعت بالكثيرين منهم إلى الهرب تاركين ممتلكاتهم للنهب والسرقة حتى تراجع عدد المسيحيين في تركيا إلى أقل من 0.2 % (حوالي مائة ألف) نصفهم من الأرمن.

وإضافة إلى النظرة السائدة في تركيا حول الأقلية المسيحية بكونهم عملاء وجواسيس، فإن الدولة التركية ترفض إعادة فتح مدرسة الرهبان في جزيرة هيبلي في إستانبول ما يضطر الأقلية المسيحية إلى استيراد مدرسين ومعلمين للدين وأساقف من الخارج، ولا يزال البرلمان يناقش حتى اليوم وبعد ضغوط الاتحاد الأوروبي قوانين حقوق الجماعات والجمعيات غير المسلمة في تركيا التي استولت الدولة على ممتلكاتها وأراضيها بغير وجه حق، وتعمل الآن على تعويضهم عنها والسماح لهم بشراء ممتلكات جديدة وترميم ممتلكاتهم وكنائسهم التي توشك على الانهيار.

وكان مجلس الأمن القومي التركي قد أعد تقريرا اعتبر فيه فعاليات المبشرين المسيحيين البروتستانت التي زادت في تركيا عقب زلزال إستانبول 1999 خطرا يهدد الأمن القومي، واحتجز رجال الأمن مبشرين مسيحيين وشن حملة على الكنائس السرية التي بدأت تنتشر في المدن التركية.

وعليه فإن التاريخ الذي سجل أن تركياً هو من حاول اغتيال بابا الفاتيكان الراحل جان بول السادس، فإنه سيسجل أيضا أن ثالث زيارة يقوم بها بابا الفاتيكان خلال عمر الجمهورية التركية الحديث، ستحقق للبابا بيندكت ما يريده من سعي إلى تحويل أوروبا إلى ناد مسيحي متدين، وذلك من خلال تسليط أضواء الإعلام العالمي مدة أربعة أيام على وجه آخر لتركيا كان العالم نسيه أو تناساه.


* مقال نشر بجريدة الحياة يوم 26 نوفمبر 2006 تحت عنوان: "انتظار زيارة البابا بنديكت السادس عشر.. صعوبات ومضايقات شعبية وحكومية ليست في مصلحة الوجه الأوروبي لتركيا".

** مراسل جريدة الحياة في أنقرة.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع