 |
|
أولي رين مفوض شئون توسيع الاتحاد الأوروبي ينتقد تركيا بسبب قبرص وحرية التعبير |
قانون فرنسي جديد حول الأرمن
وتركيا، وجائزة نوبل للأدب لأديب تركي
معارض، وتقرير من "أولي رين" مفوض
شئون توسيع الاتحاد الأوروبي ينتقد تركيا
بخصوص ملفي قبرص وحرية التعبير، وجميعها
لا يمثل جديدا في العلاقات التركية-الأوروبية،
ويثير في تركيا نفسها موجة جديدة من
الاستياء والاستغراب والغضب، وحتى الآن
ما يزال كثيرون يعتقدون بأن انضمام تركيا
إلى الاتحاد هدف عزيز وأمر محتم آجلا أو
عاجلا، والجميع يرصدون أن مجرى الأحداث
أقرب إلى نصب العراقيل وليس إلى تيسير
مفاوضات الانضمام.
تغيير تركيا أوروبيا
عندما صدر القرار الأوروبي في
نهاية عام 2002 ببدء مفاوضات انضمام مع
تركيا، صرح الرئيس الفرنسي الأسبق رئيس
لجنة صياغة الدستور الأوروبي جيسكار
ديستان بأن انضمام تركيا إلى الاتحاد يعني
نهاية الاتحاد نفسه، وصرح إدموند شتويبر
وإنجيلا ميركل -زعيما الحزبين المسيحيين
بألمانيا- بأن أقصى ما يمكن تقديمه لتركيا
هو شراكة متميزة، فتركيا "ليست جزءا من
مجتمع القيم الأوروبي"، وكان اتحاد
أحزاب المسيحيين والمحافظين الأوروبية قد
أعلن منذ مطلع الثمانينيات بأن الاتحاد
الأوروبي لا يمكن أن يضم دولة بغالبية
سكانية من المسلمين.
ولم تكن التصريحات الصادرة عن
الأحزاب والقوى السياسية التي أيدت اتخاذ
قرار "المفاوضات" مختلفة كثيرا،
فوزير الخارجية الألماني السابق يوشكا
فيشر -من الخضر مثلا- كان يتحدث عن "احتمال
انضمام" بعد 15 أو 20 سنة "بعد مفاوضات
طويلة جدا" لا يمكن التنبؤ بنتائجها،
وهذا ما ذكره أيضا جيرنوت إيرلر من
الديمقراطيين الاشتراكيين في ألمانيا،
وأضاف أن "تركيا آنذاك لن تكون هي تركيا
التي نعرفها الآن".
هنا بالذات يكمن محور السياسة
الأوروبية تجاه تركيا، فالمطلوب هو
تغييرها، بمعنى جعلها دولة أوروبية من حيث
القيم، وعلى وجه التخصيص تغيير القيم
الإسلامية الباقية شعبيا فيها رغم
العلمانية الحاكمة، هذا مع بقاء السؤال عن
الانضمام أو عدم الانضمام مفتوحا حتى
النهاية، ثم يصبح لكل حادث حديث.
ومن يطلع على بنود اتفاقية
المفاوضات على الانضمام التي تشمل بضعة
وثلاثين ميدانا يدرك ما يعنيه ذلك، فمسألة
الحريات التي تُعطى مركز الصدارة في
التصريحات الرسمية تتمحور على أرض الواقع
حول ما سبق أن أعطى تعديل سلسلة من
القوانين التركية أمثلة عليه، وكان كثير
منه حول العلاقات بين الجنسين، بما في ذلك
إلغاء اعتبار الزنى جريمة يعاقب القانون
عليها.
وليس مجهولا أن الدستور الأوروبي
الذي ما يزال ينتظر إعادة النظر فيه
للتصديق النهائي عليه قد استعاض عن ذكر
الدين المسيحي -كما طالبت بعض الدول-
بالتراث الثقافي المسيحي واليهودي
والعلماني الأوروبي، وخلال زيارة البابا
الكاثوليكي بنديكت السادس عشر الأخيرة
لألمانيا صرحت المستشارة الألمانية
إنجيلا ميركل بأنها ستسعى خلال فترة رئاسة
ألمانيا للاتحاد -في النصف الأول من عام
2007- من أجل تأكيد الأرضية المسيحية
الثقافية والتاريخية للاتحاد، كما صرحت
قبيل زيارتها لتركيا بأنها ما تزال ترى أن
المفاوضات التي ستجرى تحت عنوان: "مفتوحة
النتيجة"، ينبغي في اعتقادها أن توصل
إلى شراكة متميزة وليس إلى عضوية كاملة،
وليس صحيحا أنها قادرة على الفصل بين
موقفها كرئيسة للحزب المسيحي الديمقراطي
وموقفها كمستشارة لألمانيا، فليس مثل هذا
الفصل واقعيا ولا ممكنا في مجرى المفاوضات
وصناعة القرار.
وقد اكتفت ميركل في تركيا
بالتصريح بالتزامها بالاتفاقات القائمة،
أي المضي قدما في المفاوضات مع تركيا حول
الانضمام "بنتيجة مفتوحة"، وهو ما
اعتبره بعض الإعلاميين الأتراك "تعديلا"
لموقفها المعارض المعروف سابقا، ولكن
تنبه بعضهم إلى الطابع الدبلوماسي
للتصريحات دون تغيير المضمون، كما أشارت
صحيفة "حرية" التركية.
والواقع أن الإعلام الألماني كان
يتساءل عما جعل بعض الصحف التركية ترحب
بتصريحات ميركل، ورصد بعضهم ظهور
الاستغراب على وجه ميركل نفسها عندما وجدت
التصفيق على تلك التصريحات أثناء مؤتمرها
الصحفي في ختام محادثاتها مع أردوغان،
وكأن المصفقين لم يفهموا مقصودها.
وتزامنت تصريحات ميركل قبل
الزيارة وبعدها مع تصريحات أوروبية عديدة
أخرى، أبرزها قول ساركوزي -مرشح الرئاسة
الفرنسية الأوفر حظا من سواه- إنه يعارض
انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي بسبب
القيم الإسلامية فيها، وبلغت التصريحات
إلى حد جعل فيرهويجن -المسئول عن شئون
توسعة الاتحاد في المفوضية الأوروبية-
يطالب المسئولين الأوروبيين بالكف عن مثل
هذه التصريحات، محذرا من أنها قد تثير ردة
فعل في "مسيرة الإصلاح التركية"، وهو
ما يؤكد بدوره أن الحرص الأوروبي الأكبر
متركز على هذا "الإصلاح" بوجهيه
الإيجابي من حيث التحرر السياسي من
استبداد عسكري، والسلبي من حيث تركيزه على
تقنين القيم الأوروبية بديلا عن
الإسلامية، وحصر الأخيرة في النطاق
الشخصي وفق التصور العلماني.
المدخل السياسي.. الأقليات
وقبرص
 |
|
هل تتغير كافة القيم التركية أملا في الانضمام لأوروبا؟ |
فرنسا الأشد تمثيلا في أوروبا
للمسيرة العلمانية مضت خطوة أبعد بتشريع
قانون يجعل من إنكار إبادة الشعب الأرمني
في تركيا جريمة يعاقب عليها القانون، وهو
من حيث محتواه فريد من نوعه في تاريخ
التشريعات الأوروبية الحديثة، فيما عدا
تجريم إنكار المحرقة النازية لليهود.
وقد تجاوز القانون الجديد
العاملين في الدراسات التاريخية الجامعية
في فرنسا نفسها التي يقطن فيها زهاء نصف
مليون من ذوي الأصول الأرمنية، فكثير من
المتخصصين في التاريخ في فرنسا لا ينكرون
وقوع مذابح في صفوف الأرمن في تركيا حوالي
عام 1915، ولكنهم يؤكدون ضرورة إجراء دراسات
تاريخية وافية قبل إطلاق وصف "إبادة شعب"
عليها، فلهذا التعبير الاصطلاحي مفهوم
محدد في القانون الدولي يتضمن شرط التوجيه
الحكومي المباشر للمذابح الجماعية، وهذا
بالذات ما لم يتم الجزم بصدده في حالة
تركيا والأرمن، ومن شأن القانون الجديد -وهذا
محور الانتقادات الأوروبية له- أن يحرم
متابعة الدراسات العلمية التاريخية
للحدث، وإن كان كثير من المواقف الأوروبية
على هذا الصعيد يشير إلى ردة الفعل
التركية المرجحة -شعبيا ورسميا- على
القانون، وهو ما يعني زيادة ثقل الأعباء
على مفاوضات الانضمام في وقت مبكر نسبيا.
ويلفت النظر في هذا القانون
المتعارض مع "قيم الحرية العلمية" في
فرنسا على الأقل أنه صدر عن الأقلية
الاشتراكية المعارضة في باريس، وبمشاركة
"سلبية" من جانب الغالبية اليمينية
الحاكمة بأسلوب الغياب عن التصويت
للتمكين من تمرير القانون بدلا من التصويت
ضد تشريعه، وهذا ما يشير إلى أن الدافع
لاستصداره ولتمريره -على السواء- لا يرتبط
بمسألة الدفاع عن حقوق الأقليات قدر ما
يرتبط بالحسابات السياسية الحزبية قبل
الانتخابات القادمة في فرنسا، وسط أجواء
تزداد تطرفا تجاه الإسلام وكل ما يرتبط
به، وإن كان من قبيل ما تمثله تركيا
المحكومة علمانيا.
والحملة تحت عنوان: "إنصاف
الأرمن" تقترن بالحملة السياسية
المعروفة على صعيد التعامل مع أزمة قبرص،
فرغم رفض القبارصة اليونان مشروع إعادة
توحيد الجزيرة -كما وضعته الأمم المتحدة-
بقي التعامل الأوروبي منحازا لصالحهم على
حساب القبارصة الأتراك في الشمال الذي بقي
تحت الحصار اقتصاديا جنبا إلى جنب مع
مطالبة تركيا بفتح حدودها أمام المنتجات
القبرصية الجنوبية وفق اتفاقية الاتحاد
الجمركي.
السياسة في قمة "الأدب"
على هذه الخلفية بمجموعها يتبين
حجم البعد السياسي في قرار لجنة نوبل
للآداب اختيار أوراهن باموك -الأديب
المسيحي المعارض في تركيا- لجائزة نوبل
للآداب لعام 2006، والواقع أنه لا يكاد يوجد
أحد ينكر هذا البعد السياسي، ولا يعني ذلك
عدم استحقاق باموك للجائزة من الناحية
الأدبية المحضة، رغم أنه حديث الكتابة
نسبيا، ولا يزيد عدد رواياته عن ثمان،
ولكن هذا مما يعطي البعد السياسي ثقلا
أكبر عند مقارنته بحجم البعد السياسي في
قرار اختيار نجيب محفوظ في حينه مثلا،
وتشهد حيثيات القرار الجديد بذلك عندما
ترد الإشارة فيها إلى أن الأديب التركي
كان يعارض في رواياته الاستبداد، وإنكار
حقوق الأقليات، والتوجهات التقليدية
الإسلامية في تركيا في وقت واحد.
وصحيح أنه يتحدث في روايته "الثلج"
مثلا عن المحجبات ومعاناتهن في تركيا،
ولكن من زاوية أن الحجاب من إنتاج "الإسلام
السياسي" في رأيه، الذي لا تصح مواجهته
بالأساليب القمعية، ويقول عن إحدى
رواياته: "لم أرد أن أصور الإسلاميين
بوصفهم أشرارا مثلما يفعل الغرب بطريقة
تبسيطية، في الوقت نفسه فإني أنتقد النظرة
الإسلامية للعلمانيين الذين يرونهم
كمقلدين مخزين للغرب الذي يحتقرونه، أردت
أن أتخلص من الأكلاشيهات التي لدى الطرفين
بالنسبة إلى هذه مهمة الرواية السياسية"،
كما ورد في مقابلة صحفية نشرت ترجمتها "الحياة"
اللندنية.
المطلوب هو أن تصبح تركيا على
غرار ما تصوره روايات الأديب التركي باموك
الذي تعددت أوصافه في الإعلام الأوروبي ما
بين: "صوت أوروبا في تركيا"، و"الجسر
بين أوروبا والعالم الإسلامي"، و"خير
من ينشر القيم الأوروبية في تركيا"،
وغير ذلك مما يجعل منحه الجائزة موضع
ترحيب من جانب الأوساط الأدبية والفكرية
الأوروبية والأوساط السياسية في وقت واحد.
ولكن حتى لو أصبحت تركيا "أوروبية"
على غرار ما يريده باموك، لا يعني ذلك أن
الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بات
مضمونا لا في الوقت الحاضر ولا بعد 15 عاما
أو أكثر، وقد يأتي الرفض النهائي من جانب
أوروبا آنذاك، وقد يأتي من جانب تركيا،
فمعظم أشكال التعامل الأوروبي مع تركيا
يؤدي في استطلاعات الرأي إلى انحسار نسبة
المؤيدين من الأتراك لهدف الانضمام إلى
الاتحاد الأوروبي، أو "المنبهرين"
بهذا الهدف المطروح منذ عشرات السنين.
ويبقى السؤال: هل يريد
الأوروبيون أن يصلوا إلى هذه النتيجة أم
أن هذا هو الهدف الحقيقي من وراء سياسة
رئيس الوزراء التركي أردوغان وحزبه
بخلفيته الإسلامية؟ فكأنه يبين للشعب
التركي أن تركيا صنعت كل ما يمكن صنعه
للانضمام، وبقي الأوروبيون يرفضون ذلك،
فلا يبقى مستقبلا إلا الاستغناء عن هذا
الهدف والعودة بتركيا إلى انتمائها
الإسلامي دينيا، وعالمها الإسلامي حضاريا
وتاريخيا وجغرافيا وسياسيا واقتصاديا،
ولا يمنع ذلك أن تكون لها شراكة متميزة أو
غير متميزة مع أي جهة دولية أخرى.
|