 |
|
قوات الأمن البنغالية تفرق تظاهرة للمعارضة تطالب بإصلاح القانون الانتخابي 21 ديسمبر
2006 |
إسقاط الحكومة وإجراء انتخابات
مبكرة، كان مطلبا لتحالف المعارضة في
بنجلاديش على مدار خمس سنوات مضت، تولت
فيها زمام الأمور حكومة حزب بنجلاديش
الوطني، بقيادة البيجوم خالدة ضياء التي
كان حليفها في هذه الحكومة حزب الجماعة
الإسلامية، حيث تولى أمير الجماعة
الإسلامية في بنجلاديش وزارة الشئون
الاجتماعية، إلى جانب حقيبة وزارية أخرى
كانت من نصيب الجماعة.
وقد انتهت فترة ولاية الحكومة في
أكتوبر 2006 دون أن تتحقق رغبة المعارضة،
وإن كانت الأحداث لم تخل من فعاليات
الإضراب والتظاهر في الشوارع، بل سقوط
قتلى وجرحى من الجانبين.
وكانت حجة المعارضة هي اتهام
الحكومة بالفساد ومساندة الإرهاب. وقد
حاولت المعارضة تسويق اتهام الحكومة
بمساندة الإرهاب على الصعيد الدولي، وذلك
إبان وقوع تفجيرات في جميع أنحاء البلاد
قدرت بنحو مائة تفجير، وصفت بأنها صغيرة
وبدائية، ولكن لم يتوافر للمعارضة دليل
قاطع تقدمه للمجتمع الدولي، خاصة
الولايات المتحدة ودول الغرب، لتبقى حجة
اتهام المعارضة للحكومة بمجرد تحالفها مع
الجماعة الإسلامية غير مقبولة على الصعيد
الدولي، نظرا للحضور السياسي للجماعة
الإسلامية ومشاركتها في كافة الفعاليات
السياسية في العلن، وبُعدها عن نهج العنف
في الحياة السياسية، وقبولها منذ اللحظة
الأولى بقواعد المعادلة السياسية.
ومع انتهاء فترة ولاية حكومة
البيجوم خالدة ضياء، صعدت المعارضة من
لهجة احتجاجها وتواجدها في الشارع من خلال
تنظيم الإضرابات العامة، احتجاجا على
تشكيل اللجنة المشرفة على الانتخابات
البرلمانية هناك، التي يقرر الدستور
إجراءها بعد ثلاثة أشهر من انتهاء فترة
ولاية الحكومة، على أن يقوم بمهام تنظيم
الانتخابات لجنة محايدة، وأن تدار البلاد
من خلال حكومة مؤقتة برئاسة رئيس المحكمة
الدستورية العليا، وهو ما تم خلال
الانتخابات التي تمت في أعوام 1991 و1996 وعام
2001.
بداية الأزمة
اعتذر رئيس المحكمة الدستورية
العليا عن عدم رئاسة الحكومة "المؤقتة"،
ما أدى إلى إعلان رئيس الجمهورية السيد
"تاج الدين أحمد" القيام بمهمة رئاسة
الحكومة المؤقتة، مع قيامه بمهامه
الرئاسية في ذات الوقت، وهو ما فجر الأزمة
حيث يُتهم رئيس الجمهورية من قبل تحالف
المعارضة أنه من الشخصيات الموالية
لخالدة ضياء، ووصف تحالف المعارضة الخطوة
التي اتخذها رئيس الجمهورية بأنها مخالفة
للدستور.
 |
|
الشيخة حسينة واجد زعيمة حزب عوامي المعارض |
وقد زادت تخوفات تحالف المعارضة،
من خلال رئيس لجنة الانتخابات ونوابه
الثلاثة وبقية أعضائها البالغ عددهم 10
أعضاء، الذين كانوا جميعا محل شك من قبل
المعارضة التي تتزعمها الشيخة "حسينة
واجد" زعيمة حزب رابطة الشعب، ويتضامن
معها 14 حزبا آخر.
ولم يكن تكوين لجنة الانتخابات
هو الأمر الأوحد لاعتراض أحزاب المعارضة،
ولكن كانت هناك أمور أخرى أهمها: تنقية
جداول الانتخابات، التي يعلن التحالف
بأنها تحتوى على أسماء وهمية لناخبين
تتراوح أعدادهم ما بين 1.5 مليون و10 ملايين
ناخب.
ولكن ظلت المعارضة تعلن عن
ممارساتها تنظيم المظاهرات والإضرابات
المطالبة بإعادة تشكيل لجنة الانتخابات
وتنقية الكشوف الانتخابية، ومع ذلك فإن
الحكومة المؤقتة لم تعر هذه المطالب أية
أهمية في البداية، حتى أصيبت المرافق
العامة في البلاد بالشلل من خلال إضراب
مفتوح أعلنته المعارضة بمنع تسيير وسائل
المواصلات العامة، خاصة الطريق بين
العاصمة داكا ومدينة شيتاجونج التي بها
الميناء الدولي التي تعد العاصمة
التجارية للبلاد.
وبعد مضي نحو 4 أيام من الإضراب
المفتوح لمنع وسائل المواصلات العامة،
الذي استهدفت منه المعارضة عزل العاصمة
"داكا" عن بقية أرجاء البلاد، أعلن عن
تنحي رئيس لجنة الانتخابات من خلال إجازة
مؤقتة مدتها ثلاثة شهور، وهو ما اعتبرته
المعارضة خطوة أولى في نجاحها لكسب الجولة
الانتخابية.
 |
|
البيجوم خالدة ضياء |
ولكن مطالبها لا زالت قائمة
بإعادة تشكيل لجنة الانتخابات برمتها،
حيث إن نائب رئيس اللجنة الذي تولى
رئاستها بعد تنحي رئيسها تحوم حوله
اتهامات قوية من قبل تحالف المعارضة بأنه
موال للبيجوم خالدة ضياء وليس شخصية
حيادية، كما اعترض تحالف المعارضة بقيادة
الشيخة حسينة واجد على أي إجراء تتخذه هذه
اللجنة بشأن تحديد موعد الانتخابات قبل
تنقية الكشوف الانتخابية ووجود لجنة
انتخابات محايدة بكامل أعضائها.
خالدة تكرر أخطاءها
على الرغم من أن الانتخابات
النزيهة التي أجريت في عام 1991 هي التي أتت
بالبيجوم خالدة ضياء إلى السلطة، فإنها
رسبت في أول اختبار ديمقراطي لها في عام 1996،
حيث انتهت فترة ولايتها الأولى، وأشرفت
على إجراء انتخابات صورية نحّت فيها
الإشراف القضائي وأوكلت الأمر لموظفي
الإدارة المحلية، مما دعا أحزاب المعارضة
إلى مقاطعة هذه الانتخابات. ولكن هذا لم
يمنع البيجوم خالدة ضياء من إظهار نتائج
الانتخابات على غرار تجارب الدول النامية
بحصولها على نحو 80% من أصوات الناخبين،
وإعلان نفسها رئيسة لحكومة أغلبية في
البلاد لا تحتاج لقيام تحالفات مع أحزاب
أخرى لتوليها السلطة.
ولكن جهود أحزاب المعارضة
والضغوط الخارجية في ذلك الوقت أجبرت
خالدة ضياء على إلغاء نتائج هذه
الانتخابات في غضون شهور وإعادة
الانتخابات التي أتت بالشيخة حسينة واجد
وحزب رابطة عوامي إلى السلطة لفترة 5 سنوات
انتهت في عام 2001، ولكن مع عودة البيجوم
خالدة ضياء للسلطة مرة أخرى في عام 2001 ومع
انتهاء ولايتها في أكتوبر 2006 تمارس أساليب
يمكن وصفها بالملتوية.
فالتجربة الديمقراطية التي
تشهدها البلاد منذ مطلع التسعينيات من
القرن الماضي، تتطلب حمايتها من جميع
الأحزاب، أما الالتفاف على رئاسة الحكومة
المؤقتة أو عضوية لجنة الانتخابات، أو عدم
تنقية الجداول الانتخابية فهي أساليب لا
تعرفها البلاد الديمقراطية. وعلى ما يبدو،
فالسياسة الاقتصادية التي اتبعتها حكومة
البيجوم خالدة ضياء لم تحظ بالتأييد
الشعبي خاصة من قبل الفقراء الذين يشكلون
غالبية الشعب في بنجلاديش، لأن إقدام
الحكومة على برنامج كبير للخصخصة في بلد
يفتقد معظم أفراده للخدمات العامة التي
تناسب دخوله، يجعل الفقراء بلا شك يصوتون
ضد الحكومة التي تتبنى مثل هذه البرامج،
وهو ما دعا إلى تنظيم الإضرابات في شهر
أكتوبر الماضي من قبل النقابات العمالية
بمشاركة عشرات الآلاف من المواطنين بسبب
إعلان الحكومة عن بيع مرفق السكك الحديدية
للقطاع الخاص.
وبهذا التوجه للبيجوم خالدة
ضياء، فإنها تكرر نفس الأخطاء التي تسببت
في خروجها من السلطة في عام 1996، من خلال
تصريحها بمنع سير "الركشة" من شوارع
العاصمة داكا. بينما استغلت الشيخة حسينة
واجد هذا التصريح ومطالبتها برعاية سائقي
الركشة الذين هم من الطبقات الدنيا في
المجتمع البنجالي، ويشكلون نسبة لا بأس
بها من سكان العاصمة. وبذلك ضمنت أصواتهم
في الانتخابات بينما خسرت البيجوم خالدة
ضياء أصوات هؤلاء الفقراء.
لِمَ العنف؟
المفترض أن حياة سياسية قائمة
على التعددية السياسية وتداول السلطة،
تتيح لكل طرف أن يعبر عن مطالبه وينظم
فعالياته دون اللجوء للعنف، خاصة إن كانت
هذه المطالب أو الممارسات تتم في إطار من
القانون الذي ينظم القيام بهذه الأعمال.
لكن الملاحظ أن الحياة السياسية في
بنجلاديش حياة يشوبها العنف، ويقع خلال
الأحداث قتلى وجرحى، بل القيام بعمليات
إتلاف وحرائق للممتلكات العامة والخاصة،
وهو ما يعكس سلوكا لا يتناسب مع تجربة
ديمقراطية.
ففي الشهور الثلاثة الماضية كان
ضحية العنف نحو 20 قتيلا و700 جريح في صفوف
المعارضة وأنصار الحكومة في بنجلاديش من
خلال المواجهات مع قوات الشرطة أو مع
منافسيهم من تحالف الحكومة.
وإذا كانت هذه هي المقدمات؛ تسلط
من قبل الحكومة وإصرار على عدم تلبية
مطالب تحالف المعارضة التي تعتبر منطقية،
وممارسات تتسم بالعنف، فإن النتائج التي
سوف تسفر عنها الانتخابات البرلمانية
الرابعة في بنجلاديش، هي مزيد من العنف
والقتلى، بل تجريد التجربة الديمقراطية
من مضمونها.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما
جدوى حياة ديمقراطية أو انتخابات نزيهة لا
تقوم إلا على أشلاء الضحايا ودماء القتلى؟.
إن قتيلا واحدا أو جريحا واحدا
جدير بأن يفسد العرس الديمقراطي،
فالديمقراطية أو الانتخابات النزيهة
تستهدف حياة أفضل للإنسان وليس تعرضه
للقتل أو الإصابة.
كما أن مشاركة مراقبين دوليين
للانتخابات البرلمانية في بنجلاديش أمر
معتاد، ولكن على ما يبدو أن المشكلة هذه
المرة لم تعد مجرد مشاركة المراقبين
الدوليين، فقد أعلنت الأمم المتحدة عن
قرارها بإيفاد مبعوث دولي للتأكد من أن
الانتخابات المقرر إجراؤها في 21 يناير 2007
سوف تتم في إطار من الشفافية والسلم.
إن تحالف المعارضة بزعامة حزب
رابطة عوامي لا يزال يصر على مطالبه
ويعارض أية إجراءات تخص العملية
الانتخابية بما فيها تحديد موعد
الانتخابات قبل تغيير كامل للجنة المشرفة
على الانتخابات وتنقية كشوف الناخبين،
وفي الوقت ذاته هناك ضغوط خارجية لكي تتم
الانتخابات البرلمانية القادمة في
بنجلاديش بشكل سليم، بيد أن القرار يبقى
في يد رئيس الجمهورية الذي يتولى في نفس
الوقت رئاسة الحكومة المؤقتة بأن يستجيب
لمطالب المعارضة وتحقيق رغبة المجتمع
الدولي بإجراء الانتخابات في جو من
الشفافية والسلم.. فهل يتحقق ذلك؟
|