بريدك الالكتروني


English

 

الخميس 18 شوال 1427 هـ - 9/11/2006 م

البلقان » بقية العالم الإسلامي » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
أهم الأخبار

 

كوسوفا.. أمة ألبانية وجزء أوروبي ورافد إسلامي

د. نادية مصطفى**

الكوسوفيون يميلون للتوجه الأطلسي أكثر من الأوروبي

إن الأفكار والآراء المذكورة في الجزء السابق هي نتائج تفاعلات مع أشخاص ومع أماكن ومواقع متفرقة، وحيث لا يمكنني أن أسرد تفاصيل الزيارات والنقاشات خلالها، إلا أنني سأتوقف عند لقطات بعينها. ولقد أدت في تراكمها إلى تجسيد ملامح صورة كلية في ذهني حاولت شرحها في الأفكار المذكورة عاليا، ومن أهم هذه اللقطات ما يلي (دون تعليق):

1- عدم تفاؤل رئيس الجامعة حول سرعة الاستقلال وإمكانياته من خلال المفاوضات الجارية، نظرا لبطأها وعدم تقدمها، وخشيته من عواقب فشل المفاوضات نظرا لسوء الحالة الاجتماعية، ومخاطر الانفجار الداخلي. وفي المقابل، رفض تماما إمكانية تجدد خيار المقاومة العسكرية من أجل تحرير كوسوفا مؤكدا أنه لن تكون هناك حرب أخرى. ولذا؛ فلقد عبر عن إيمانه العميق بأن توجه كوسوفا لن يكون غربيا، ولكن يجب أن يكون عبر أطلنطيا؛ لأن الولايات المتحدة هي القادرة على مساندة الاستقلال بدون حرب.

ومن ناحية أخرى؛ فإن رئيس الجامعة كان ينصح بالتوجهات العلمانية في إدارة الجامعة، وخاصة ما يتصل بعدم السماح لإقامة الصلاة وأية شعائر دينية في رحاب الجامعة، وموافقته على عدم السماح بالحجاب في الجامعة (إذا صدر قانون بذلك).

وأخيرا؛ فإن انتمائه القومي العلماني كان –وفق مقولة صحيحة له- أهم من الانتماء الديني، ولم يكن يتوجس من احتمالات هيمنة أمريكية على كوسوفا، بل ورفض أن تكون هناك رابطة بين السياسة الأمريكية وبين الدين، على اعتبار أن العالم الإسلامي، بل وأوروبا لم تستطع مساعدة كوسوفا.

ومن ثم؛ لم تكن لاعتبارات الخصوصية الثقافية أو الجانب الحضاري حضورا لديه مقارنة بالاعتبارات الواقعية البرجماتية، كما لو أن المصالح لا يمكن أن تتحقق مع استحضار هذه الجوانب الحضارية والثقافية.

2- ومع رئيس أكاديمية العلوم والفنون؛ فإن انتقال الحديث من السياسة إلى المجتمع ساعد على توضيح مدى تعقد الخريطة المجتمعية وما تفرضه من تحديات؛ حيث اتضح كيف أن جميع الأقليات في كوسوفا، الصربية والتركية وغيرها لها الحق في الدراسة بلغتها القومية، وذلك في المدارس العامة، كما أن الدوائر الحكومية تقوم على الترجمة من لغة إلى أخرى.

وهو الأمر الذي لابد وأن يطرح السؤال عن صعوبة تحقيق الاندماج والمواطنة في ظل هذه الظروف التي تحرص على احترام الحقوق القومية والدينية لكل الأقليات على قدم المساواة مع القومية أو الدين صاحب الأغلبية.

ويظل القاسم المشترك بين رئيس الجامعة وبين رئيس أكاديمية العلوم هو الإيمان بأن الدور الأمريكي لم يكن تدخلا في شئون كوسوفا وصربيا بل تدخلا دوليا لعلاج مساوئ اختلال توازن القوى غير العادل.

ولم يبد رئيس الأكاديمية أية مقارنة بين الوضع في كوسوفا والوضع الحالي في لبنان، على نحو يبين كيف أن الإنقاذ الأمريكي لكوسوفا لا يمكن أن ينال منه –على الأقل حتى الآن- أي ظلم أمريكي في مواضع أخرى من عالم المسلمين مثل فلسطين، لبنان، العراق.

3- ومن مكتب رئيس جامعة بريشتينا الذي تصدره صورة وزيرة خارجية أمريكا السابقة مادلين أولبرايت، ثم من مبنى أكاديمية الفنون والعلوم وصلنا إلى مبنى المشيخة الإسلامية (التي تم بناؤها بمعونة من دولة الإمارات عوضا عن المبنى القديم الأثري الذي حرقه الصرب خلال الحرب الأخيرة بكل ما يحتويه من وثائق ومخطوطات) ثم إلى مبنى كلية الدراسات الإسلامية المتهالك القليل الإمكانيات.

بعبارة أخرى، انتقلنا من حديث السياسة العليا إلى حديث السياسة الدنيا؛ أي حديث الثقافة العامة والتعليم وصولا إلى حديث "التعليم والتربية الإسلامية" الذي اختلط بقوة مع حديث السياستين العليا والدنيا على نحو فريد؛ فمع مدير كلية الدراسات الإسلامية اتضح مدى الصعوبات المادية والأكاديمية والمجتمعية التي يواجهها هذا النمط من التعليم في كوسوفا. وهو التعليم الذي يجتهد لتخريج الدعاة والأئمة الألبان القادرين على الاستمرار في قيادة عملية الحفاظ على العقيدة والعبادات والثقافة الإسلامية، وكذلك القادرين على المبادرة بالبرامج اللازمة للشباب لإعادة بناء علاقته بالمساجد وبالإسلام، ولكن على النحو الذي يستجيب لظروف كوسوفا وخصائصها.

ولذا، اتضح أمران في حديث مدير الكلية: أولهما العمل بدأب وتؤدة في نفس الوقت من أجل إدخال مادة التربية الدينية في المدارس العامة، وإعادة تصحيح صورة الدين التي تم تشويهها طوال الحكم الشيوعي.

ثانيهما: رفض التيارات والمذاهب الإسلامية الوافدة من الخارج -مثل السلفية والإخوان والجماعات على اعتبار أنها لا تتواءم وظروف المنطقة وتحدياتها الراهنة؛ حيث إن "الإسلاميين" تحت المراقبة، ولن يتم إعطاء الاستقلال لكوسوفا إلا إذا تأكدت الإدارة المدنية "بأننا ليس لنا ارتباطات"، ونظرا لأن التقارير التي يقدمها –أمثال رئيس قساوسة الأرثوذكس في كوسوفا– للولايات المتحدة تثير مخاوف الأوروبيين والأمريكيين من أن الاستقلال سيؤدي إلى قيام دولة للمتطرفين على غرار بن لادن.

ولهذا كله؛ فإن القائمين على شئون الإسلام في كوسوفا يقدمون مقولة مضادة محاولين تغيير فكر الأمريكيين الذي مازال يؤثر فيه مقولات الصرب، وهذه المقولة المضادة هي عدم الحاجة لمساعدة خارجية من العالم الإسلامي وغيره تعلمهم شئون دينهم.

هذه المقولة المضادة يصاحبها عمل هادئ وحكيم وبلا ضجة لا يستثير مخاوف المراقبة الدولية، ويسمح في نفس الوقت بخدمة الإسلام والمسلمين في كوسوفا بالقدر الذي تسمح به الموارد والإمكانيات المتاحة ذاتيًا ومن المعونة الخارجية. ولذا؛ فإن العمل الخيري الطوعي هو السبيل الأمثل الذي يتطلب تعبئة كل الجهود من الداخل وعبر الإغاثة من الدول العربية والإسلامية.

4- وأضاف مفتي كوسوفا أبعادا أخرى سواء تلك المتصلة بواقع الحال أو المطالب المستقبلية، وجميعها يبين كم هو صعب الحفاظ على إسلامك في كوسوفا وألبانيا مقارنة بالحال في الدولة الإسلامية.

ومن أهم سمات الوضع الحالي –وفق رؤية سماحة المفتي- ما يلي:

تزايد نشاط المنظمات غير الحكومية الأوروبية والأمريكية ذات التوجه المدني والتغريبي، مع زيادة التبشير وحالات التنصير، محدودية الموارد اللازمة لدعم الأنشطة الدعوية والتربوية والثقافية الإسلامية؛ نظرا لاستنزاف المساعدات في إعادة بناء ما دمرته الحرب، تعدد مكاتب التمثيل الغربية وانعدام نظائرها العربية والإسلامية باستثناء مكتبين لماليزيا وتركيا، الحاجة إلى مزيد من الدعم من جانب منظمة المؤتمر الإسلامي التي وإن قدمت دعما إغاثيا ومساندة سياسية لاستقلال كوسوفا؛ إلا أن هناك حاجة لمزيد من الاستجابات القوية والفاعلة، عدم تدخل الحكومة والأحزاب الكوسوفية في شئون الاتحاد الإسلامي في كوسوفا، محاولة بعض الدول الإسلامية وضع شروط للمساعدات التي تقدمها، وأخيرا، إذا لم يتحقق الاستقلال سيستكمل الكوسوفيون التحرير بكل الطرق بما في ذلك العودة للسلاح، والحوارات بين الأديان، وإن كانت قائمة ومستمرة ولكن فهي بلا نتائج فاعلة، ولذا تظل القوة هي المطلب إلى جانب مطالب أخرى مستقبلية.

ومن أهم هذه المطالب المستقبلية: تأسيس وزارة شئون دينية وأوقاف، إدخال مادة تربية دينية في المدارس، إنشاء تلفزيون وإذاعة خاصة بالاتحاد الإسلامي، تنسيق مع دول إسلامية وهيئات الإغاثة الإسلامية، الحاجة لمزيد من المساجد والمدارس الدينية وحضانات الأطفال والكوادر المؤهلة لإدارة هذه المؤسسات.

كمال مورينا مسؤول ملف حوار الأديان في المشيخة الإسلامية في كوسوفو

5- وحملت شهادات نخب أخرى (أ. كمال مورينا، أ. بيسة) مزيد من التفاصيل التي تبين كيف أن مخاوف الاتهام بالتطرف أو سحب المساندة للاستقلال تؤثر سلبا على مطالب الحفاظ على مظاهر الإسلام الحضاري، ولا نقول الإسلام السياسي أو الأصولي. ومن الوقائع المذكورة ما يلي:

رفض تخصيص ساعتين في الإذاعة يوميا من أجل توجيه ديني والتذرع بعدم حاجة الشعب لذلك أو التذرع بالنواحي الفنية، رفض رئيس قسم التاريخ في جامعة بريشتينا الاشتراك في مؤتمر 6 قرون من الإسلام بين الألبان، بل والاستعجاب من اختيار هذا الموضوع في حين شارك الجميع في مؤتمر سابق للاحتفال بمرور 2000 عام على الكاثوليكية في المنطقة، كما تم بناء كنيسة كاثوليكية لشخص واحد (كان مسلما وتنصر)، وذلك في بلدة كلها مسلمون فضلا عن التوثيق المتنامي للإنجاز الكاثوليكي، النخب ذات التوجه الإسلامي (الحضاري) قليلة وليست بقدر وزن النخب الأخرى؛ ولذا، ليس أمامها إلا أن تتحرك بهدوء، ولكن بدون توقف في مواجهة التحديات في مرحلة ما قبل الاستقلال حفاظا على فرص الاستقلال ذاتها، وفي محاولة للتأثير الهادئ على فرص ما بعد الاستقلال.

وتقول بهذا الصدد السيدة بيسة –المترجمة من الألبانية إلى الإنجليزية والعكس- "لن يكون لكوسوفا استقلال حقيقي؛ لأنه سيتم إدماجنا في أوروبا بلا دين، ودستور كوسوفا الجاري إعداده هو دستور أوروبي علماني؛ فعلى سبيل المثال لن يُسمح بالحجاب في الهيئات والمؤسسات الرسمية. فالتوجه القومي العلماني –وليس الإسلامي- هو الذي يحقق التفوق في ظل الضغوط الدولية. وفي نفس الوقت الذي يهاجم الغرب التوجهات القومية الألبانية، إلا أنهم يساندونها في مواجهة التوجهات الإسلامية بين مسلمي البلقان. وبالمثل؛ فمازالت كتب التاريخ وغيرها في مراحل التعليم تقدم الألبان من المنظور القومي وليس الإسلامي؛ وهو الذي يبرز صراع الألبان مع العثمانيين، ورفضهم لهم، وعلى العكس؛ فإن ما يتصل بالصورة الصربية قد تم حذفه من مقررات الدراسة –خلال السنوات السبع التالية على الحرب، إلا أن ما يتصل بالإسلام والعثمانيين مازال في انتظار التغيير".

6- وبعد جولة ممتدة بالسيارة في أرجاء كوسوفا كشفت لي عن ملامح واقع شعبها "المسلم" انتهى بنا المطاف في لقاء حي مع أعضاء هيئة تدريس مدرسة علاء الدين في بريشتينا وطلابها. وبعد أناشيد فتياتهن الجميلات المحجبات الشاديات بحب الرسول والقرآن اتجهنا إليهم بكلماتنا عن واقع شباب كوسوفا ومستقبلهم ودورهم في الحفاظ على الثقافة الإسلامية والروابط مع العالم الإسلامي، ولكن في إطار من التأكيد على عدة أمور: أن موقع كوسوفا في أوروبا يفرض التزامات ويقدم فرص، وأن الإيمان بلا علم وعمل يكون حيادًا عن المفهوم الرشيد للإسلام، والحفاظ على الإسلام لم يكن مهمة الحكام ولكن الشعوب، وأن ما أصاب الألبان والكوسوفيين عبر التاريخ من ظلم بشتى أنواعه (التقسيم، الإبادة، الترحيل، مقاومة العقيدة الإسلامية) لا يجب أن يؤصل للحقد والكراهية تجاه الآخر؛ حيث يظل للنموذج الإسلامي خصوصية مقارنة بغيره من النماذج المتعصبة والمتطرفة، ومن ثم؛ يفرض التعارف.

وكانت خلاصة كلمتي لهم هي: أنتم جزء من أمة ألبانية، وجزء من عالم أوروبي ورافد من روافد أمتكم الإسلامية.

· وبهذه الثلاثية تشاركون في خدمة الإنسانية: ابتداء من خدمة عقيدتكم وثقافتكم وتعارفها مع الثقافات والأديان الأخرى دفعًا لتحقيق انجاز حضاري وإنساني.

· آمنوا، تعلموا، أحبوا، تعارفوا، اقتحموا، لا تحقدوا، لا تخافوا؛ فأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين. هذه الكلمات لم أجد غيرها لأقدمه لشعب كوسوفا في نهاية زيارتي لها، كلمات توجهت بها لشبابه آملة له مستقبل أكثر أمنا ورخاء بإذن الله، ولم تكن هذه أمنيات مثالية لداعية، ولكن توقعات أستاذ علوم سياسية ينتمي لنفس الأمة: أمة المقاومة والممانعة والعزة أينما كانت على الأرض.

اقرأ في هذا الملفً


*أستاذ العلاقات الدولية، ومدير برنامج حوار الحضارات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.
 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع