 |
|
علم ألبانيا |
بعد يومين في قاعة المؤتمرات جرى
تفاعل حي في يومين آخرين مع نخب كوسوفية
متنوعة التوجهات؛ وهو الأمر الذي ساعد على
اختبار مقولات وافتراضات كما أدى إلى
استخلاص بعض النتائج والتوقعات. ولقد
شاركني في هذه اللقاءات ثلاثة من الأساتذة
العرب: د. محمد نور الدين من لبنان (الجامعة
اللبنانية)، د. صالح البيات من العراق (الجامعة
الأردنية) د. مهند البيضون من الأردن (جامعة
فيلادلفيا- الأردن).
ومن بين هذه النخب رئيس جامعة
بريشتينا، وهو أستاذ علاقات دولية عاش في
المنفى فترة طويلة ولم يعد إلى كوسوفا إلا
2001، وعمل مستشارا سياسيا لعديد من ساسة
حزب روجوفا أي أصحاب التوجه السلمي في
النضال من أجل الاستقلال، وذوى التوجه
العلماني القومي. وكان لقاؤنا الثاني مع
رئيس أكاديمية العلوم والفنون ومساعديه
وهي أعلى هيئة علمية في كوسوفا، وهو أستاذ
اللغويات.
وإلى جانب هذين الوفدين العلميين
جرى لقاؤنا أيضا مع مفتي كوسوفا، ومع مدير
كلية الدراسات الإسلامية؛ حيث إن الاتحاد
الإسلامي في كوسوفا تتبعه المشيخة
الإسلامية (الإفتاء) وكلية الدراسات
الإسلامية، ومدارس إسلامية تحمل اسم علاء
الدين للبنين والبنات وحتى مرحلة
الثانوية العامة. ولقد زرنا مدرسة علاء
الدين في بريشتينا والتقينا بأعضاء هيئة
التدريس وبالطلبة وألقينا عليهم كلمات.
ولقد صاحبنا طوال الزيارة أ. كمال مورينا
المدرس بكلية الدراسات الإسلامية ومنسق
المؤتمر، والسيدة بيسة المترجمة الرائعة
من الألبانية إلى الإنجليزية وهي أيضا
رئيسة رابطة نساء الاتحاد الإسلامي في
كوسوفا.
كما قمنا بجولة –في سيارة- بين
أرجاء كوسوفا الخضراء وعبر طرقها (ذات
الاتجاه الواحد) التي تربط بين مدنها
وقراها. واستغرقت الجولة تسع ساعات توقفنا
خلالها عند ضريح السلطان مراد الذي فتح
كوسوفا، وفي مدينة بيا، زرنا مقر المشيخة
الإسلامية وتجولنا في طرقات السوق الشعبي
وزرنا مسجدها التاريخي الذي يقع في قلب
هذه السوق (والذي رممته الحكومة الإيطالية
بعد الدمار الذي أصابه خلال الحرب)، كما
توقفنا عند النصب التذكاري لشهداء جيش
تحرير كوسوفا في منطقة بيرزن، وبجواره كان
منزل عائلة آدم ياشاري الذي استبسل في
الدفاع عن قريته ضد الصرب 1998 وظل محاصرا
لمدة أربعين يوم حتى قضى شهيدا هو وكل
أفراد أسرته الممتدة. ثم وصلنا إلى مدنية
جو كوفا وزرنا أيضا مقر المشيخة وجامعها
الأثري وتجولنا في طرقاتها القديمة وفي
متاجرها الخشبية التي يضمها السوق القديم
والمحيط أيضا (كما في بيا) بالمسجد القديم.
وانتهى بنا المطاف في نهاية اليوم إلى
مدرسة علاء الدين الثانوية في بريشتينا؛
حيث التقينا وسماحة المفتي وأعضاء هيئة
التدريس والطلبة من البنين والبنات في
لقاء إنساني وفكري حافل.
ومن واقع ما رأيته وما سمعته وما
لاحظته خلال هذه اللقاءات والزيارات
والجولات أستطيع أن أخرج بنتيجة عامة
أفصلها بعد ذلك بعدد من الأفكار التفصيلية.
هذه النتيجة العامة- ما
كنت أصل إليها من مجرد القراءة عن كوسوفا
في ظل الإدارة المدينة انتظارا للاستقلال-
وهي تتلخص في المقولات التالية:
إن إعادة بناء دولة كوسوفا –استعدادا
للاستقلال- يتم تحت وطأة الإدارة المدنية
والتدخلات الأوروبية والأمريكية (الرسمية
والمدينة) من أجل ما يسمى استيفاء
المعايير المسبقة للحصول على الاستقلال.
ويتعاون مع هذه التدخلات ويقود عملية
إعداد أبنية الاستقلال من أعلى، نخب قومية
وعلمانية ليست ذات توجه غربي قد يكون
أوروبيا أو أمريكيا، ولكنها ذات توجه عبر
أطلنطي، بالأساس لا يرى إمكانية
للاستقلال إلا من خلال استمرار الدعم
الأمريكي لقضية كوسوفا. كما يعد هدف
الاندماج في الاتحاد الأوروبي هدفا
أساسيا بعد الاستقلال. أما النخب
الإسلامية وإن كانت تحرص على الاستقلال
ولا تراه أيضا ممكن التحقيق إلا من خلال
الولايات المتحدة، إلا أن اهتماماتها
بتجديد الهوية الإسلامية من القاعدة يبدو
متناقضا مع اتجاهات العلمنة من أعلى.
ولذا تبدو كل من الساحة النخبوية
والساحة الشعبية على حد سواء منقسمة بين
جماعتين متوازيتين وليس متكافئتين من حيث
الحجم أو الوزن. فهناك النخب العلمانية
والتوجه العام في الشارع الذي يبدو في
مجمله بعيدا عن أبسط مظاهر الإسلام
الحضاري من ناحية، ونخب إسلامية وقواعد
شعبية محصورة في قطاعات محددة من ناحية
أخرى، لا تتوافر لها ما يتوافر للجماعة
الأولى من موارد المساندة المالية
والإعلامية، وهي في معظمها قطاعات
تقليدية الأقل حظا من التعليم والثروة،
تهتم باللغة العربية وبالروابط مع العالم
العربي والإسلامي وتسعى جاهدة للحفاظ على
القيم والتقاليد الألبانية المسلمة ودعم
مصادر الثقافة الإسلامية والدراسات
الإسلامية لتوفير الكوادر الفاعلة
اللازمة للحفاظ على عقيدة الألبان
المسلمين.
 |
|
أحد المساجد في العاصمة الكوسوفية
بريشتينا |
كل هذا يعني أن الشعب الألباني
المسلم بعد أن واجه القوة الصلدة الصربية
–سواء في ثوبها الملكي أو الشيوعي أو
الأصولي القومي- قد أضحى يواجه القوة
الرخوة الأمريكية- الأوروبية التي تؤثر
بقوة في عملية إعادة تشكيل هوية كوسوفا،
والتي ما زال 95% من سكانها يعتنقون الإسلام.
بعبارة أخرى فإن إعادة بناء الدولة وإعداد
معايير الحصول على الاستقلال ليس سياسيا
اقتصاديا فقط ولكن بالضرورة وبالأساس
ثقافي أيضا.
ومن ثم يبدو أن العملية العسكرية
الأمريكية والأوروبية (بواسطة ذراع
الناتو) ثم الغلبة السياسية (تحت مظلة
الإدارة المدنية من جانب الأمم المتحدة
والاتحاد الأوروبي) تسعى أيضا لتحقيق
الغلبة في المعركة السياسية والثقافية
الداخلية.
ولذا من المنتظر أن تواجه مطالب
تجديد الهوية الإسلامية لاستمرار الحفاظ
عليها تحديات تحت ذريعة مخاطر التحول إلى
دولة إسلامية تصبح موطأً جديدًا لفكر
القاعدة والإرهاب، وهي المخاطر التي تروج
لها الدعاية الصربية لقطع الطريق على فرص
استقلال كوسوفا. وهكذا يبدو التداخل بين
ما يسمى الإسلام السياسي وما يسمى الإسلام
المدني-الليبرالي الحداثي وبين الإسلام
الحضاري.
فبغض النظر عن مدى مصداقية وحجية
مخاوف أوروبا من إسلام سياسي ودولة
إسلامية في أوروبا، فلا يمكن أن يكون هذا
مبررا لإزاحة تجديد الإسلام الحضاري الذي
يمكن أن يتجلى في المجال الخاص والعام على
حد سواء وكذلك في الساحة المدنية
والسياسية والمجتمعية (على سبيل المثال:
أحزاب ذات مرجعية إسلامية، إدخال مقررات
التربية الدينية في المدارس، قبول حجاب
المرأة في الهيئات الرسمية، وغيرها..)، وهو
الإسلام الحضاري الذي تعرض لضربات شديدة
على يد الأصولية الصربية الأثوذكسية
والشيوعية، والتي لم تكتف بإزاحته إلى
أضيق مجال خاص ولكن حاولت استئصاله تماما
حتى في هذا المجال الخاص. ولذا؛ فإن
التوجهات نحو تجديد وإحياء هذا الإسلام
الحضاري، في ظل الاستقلال، وفي ظل مناخ
حقوق الإنسان والحريات الإنسانية التي
يشيعها النموذج العولمي في ثوبه الأوروبي
والأمريكي، هذه التوجهات التجديدية لابد
وأن تصطدم بعقبات نابعة من الرؤية الغربية
عن الدين أو المفهوم الغربي عن الدين
والذي وإن سمح بوجوده فذلك يكون في أضيق
نطاق من المجال الخاص، وهذا المفهوم هو
الذي يتم إسقاطه على الإسلام باسم ما يسمى
الإسلام المدني أو الليبرالي أو حتى
العلماني.
ومن ثم فإذا كانت كوسوفا مازالت
تنتظر مصير استقلالها السياسي، الذي
تتضافر كل الجهود الوطنية ـ القومية
والإسلامية ـ للحصول عليه سلميا عن طريق
التفاوض، فيبدو أن المخاطر التي تحيط
بالاستقلال نظرا لتعثر المفاوضات، تحجب
أو تمنع ظهور مواجهة كافية حول بعد آخر
للاستقلال وهو الثقافي وفق متطلبات قيم
الإسلام الحضاري الذي تتشوق إليه قواعد
شعبية ممتدة، كما يمكن أن يكون سبيل حماية
ووقاية قواعد شعبية أخرى من كثير من آفات
تآكل القيم والتقاليد الألبانية
الإيجابية (مثل قيمة تضامن الأسرة الممتدة)
والقيم الإسلامية الحاكمة للسلوك الشخصي
والحريات العامة، وجميعها قيم لابد وأن
تصب في عافية المجتمع الكوسوفي الذي يعايش
مرحلة ما بعد الاحتلال وما بعد الحرب بكل
سلبياتها وخاصة البطالة، والفساد والخوف
وعدم الاستقرار والأمن وأزمة التوجه.
ومما لاشك فيه أن نمط توازن القوى
بين التيارات المختلفة، وخاصة من حيث مدى
مساندة الولايات المتحدة الاتحاد
الأوروبي لأحدها (تيار حزب روجوفا) دون
الآخر (تيار جيش تحرير كوسوفا السابق)، هو
الذي سيحسم نتائج معركة ما بعد استقلال
كوسوفا بالنسبة لمآل الدولة الجديدة من
حيث التوجه والوجهة؛ أي بالنسبة لتوجه
سياستها الخارجية وبالنسبة لوجهة نظامها
الداخلي، وخاصة ما يتصل بأبعاد الثقافة
الإسلامية.
اقرأ في هذا الملفً
|