|
بعد ثلاثة وثمانين عاما على
تأسيس الجمهورية الكمالية لا يزال
المجتمع والدولة في تركيا يفتقدان
ويتوقان في ذات الوقت إلى حسم هوية البلاد
وانتمائها بين اليمين واليسار، بين الشرق
والغرب، بين المدنيين والعسكريين.
ومع أن المبادئ العلمانية
للجمهورية التركية حققت مزايا ايجابية
فيما يتعلق بعملية التطور الديمقراطي في
تركيا مقارنة بحالها قبل 1923، فإنها ربما
لم تنجح حتى الآن في حسم هويتها، فهي فعلت
وتفعل كل ما يملى عليها من شروط من قبل
الاتحاد الأوروبي من أجل اللحاق بعضويته،
بينما ما زال الاتحاد الأوروبي يماطل
تركيا تحت دعاوى وحجج واهية، ومع ذلك
تلتزم تركيا ولسان حالها يقول "خلف
الكذاب حتى باب النهاية". وعلى الجانب
الآخر تنظر تركيا للعرب بعقدة نفسية تقول
بأنها "لا يمكن أن تتقارب أو تتحاور مع
العرب الذين خانوها من قبل".
الاهتمام التركي بالدائرة
العربية
بيد أن السنوات الأخيرة قد شهدت
مساحة أكبر من التفاعل الحواري بين بعض
الدول العربية وتركيا، كما عاد الاهتمام
التركي بشئون المنطقة العربية يبرز من
جديد، وثمة محاولات لتعميق الحوار العربي
التركي.
وفي هذا الإطار، عقد برنامج
الدراسات الحضارية وحوار الثقافات بجامعة
القاهرة لقاء يوم 11 يناير 2007، حضره مجموعة
من المهتمين بالعلاقات العربية التركية،
واستضاف اللقاء اثنين من أعضاء "ملتقى
أبانت التركي للحوار" هما: علي بولاك
المفكر والكاتب في صحيفة الزمان التركية،
ود. ممتزر تركون أستاذ العلوم السياسية في
جامعة غازي التركية.
في البداية ترى د.نادية مصطفى
مديرة برنامج الدراسات الحضارية أنه منذ
إعلان الجمهورية التركية في عام 1923، تطلعت
تركيا إلى الغرب الأوروبي وكانت متناغمة
في ذلك مع طموحات الكثير من دول الشرق،
التي رغبت في الاستفادة من الحياة الرغدة
التي تعيشها الدول الأوروبية، والاستفادة
من التقدم العلمي والتكنولوجي الأوروبي،
وجاء ذلك في الوقت الذي عانت فيه تركيا من
ويلات انهيار الإمبراطورية العثمانية،
بعد أن تكالب عليها الجميع وأصبحت تعانى
تخلفا وتدهورا.
ودخلت تركيا أول ما دخلت إلى عالم
الغرب من البوابة الأمنية بواسطة
الولايات المتحدة الأمريكية التي ربطتها
علاقات إستراتيجية مع تركيا، لكن يبدو أن
ذلك لم يكن كافيا لتركيا، فقد أرادت دخول
الغرب من البوابة الأوروبية. ومع الاعتراف
بأن تركيا حصلت على كثير من خلال العلاقة
مع الولايات المتحدة، فقد ظلت أوروبا
بالنسبة لها هي الحلم والمصير.
ولكن بمرور الوقت اتضح للأتراك
في خطاهم نحو الاتحاد الأوروبي إدراك
حقيقة تقول إن الفكرة الأوروبية ذاتها
تطورت عبر فترة زمنية ممتدة ومرت بمراحل
نظرية وعملية متعاقبة أسهمت في تشكيل
وتأصيل هذه الفكرة، بدءا من الحضارة
اليونانية والرومانية الغربية، مرورا
بعصر النهضة والتنوير، فالثورة الصناعية..
إلخ، فيما لم تمر القومية التركية الحديثة
ولا حتى تركيا العثمانية بأي من هذه
المراحل والتي كانت المسيحية والكنيسة في
القلب منها دائما.
فالمسألة إذا ترتبط بتراث روما
وبيزنطة ولا تنحصر كما يدعي البعض في عجز
تركيا عن الوفاء بكل معايير كوبنهاجن كشرط
للانضمام للاتحاد الأوروبي، برغم أن
الواقع يشير إلى الالتزام الحرفي من قبل
تركيا بكل ما تفرضه عليها بروكسل، فمن قبل
ألغت عقوبة الإعدام، ومنعت العسكريين من
التدخل في أمور السلطة، فضلا عن الإصلاحات
الاقتصادية والاجتماعية.
من هذا المنطلق عاد التفكير
التركي للاهتمام بالمنطقة العربية التي
ظلت مستبعدة لفترة طويلة من على الخريطة
الإدراكية التركية الرسمية وغير الرسمية،
فتركيا سعت دائما كما تقول د.نادية مصطفى
إلى الحوار مع أوروبا وآسيا دون الدول
العربية.
ويعترف علي بولاك بهذه الحقيقة
قائلا: "إذا كانت الدولة الرسمية قد
تجاهلت العلاقات العربية، فللأسف تبنت
المنظمات غير الحكومية نفس النهج".
ويسوق على ذلك مثالا هو يستشعر به وهو "أن
منتدى أبادنت، وهو منظمة غير رسمية تهتم
بدعم الحوار بين الثقافات والحضارات لم
يكن له نشاط قبل عام 2006 في الشرق الأوسط".
ويؤكد بولاك أن المنطقة العربية ظلت
مجهولة في العقل الرسمي وغير الرسمي
التركي، حتى أن "سفر المواطن التركي
مثلا لدى دمشق أو بيروت أو غيرهما من
العواصم العربية هو أشبه بالسفر إلى
المكسيك أو آخر عواصم العالم".
الدول الأركان وحوار
الحياة
 |
|
د. سيف عبد الفتاح |
ويصف د.سيف الدين عبد الفتاح
أستاذ النظرية السياسية بكلية الاقتصاد
والعلوم السياسية مصر وتركيا ومعهما
إيران أنها تشكل دول الأركان في المنطقة،
فمصر كانت وما زالت البوابة التي تربط
آسيا وإفريقيا وأوروبا، أما تركيا فهي
البوابة التي تربط آسيا وأوروبا والمنطقة
العربية، أما إيران فهي حلقة وصل هامة بين
القارة الآسيوية والمنطقة العربية.
ومن هنا تبدو ضرورة الحوار
التركي العربي وفى القلب منه الحوار
التركي المصري. ومن ناحية أخرى تبدو أهمية
الحوار في كونه يشكل قناة غاية في الأهمية،
خاصة عندما يكون الحوار هنا قائم على أمور
إستراتيجية بل وحياتية أيضا كما يقول د.سيف
عبد الفتاح وحياتية. ولأن المنطقة في وضع
العقدة الإستراتيجية، فإن دور الحوار بين
الدول الأركان له أسبابه في محاولة صياغة
إستراتيجية مشتركة للمنطقة، والتي لا
يمكن رسمها وتنفيذها بعيدا عن الحوار بين
دول المنطقة، أضف إلى ذلك أن تركيا ومصر
وإيران هي أم الثقافات في المنطقة.
وفى ذات السياق يتفق د.ممتزر
تركون مع ما ذهب إليه د.سيف عبد الفتاح، بل
إنه ذهب إلى انزعاجه من كلمة "الحوار"
بين تركيا والعالم العربي، فالحوار كما
يعتقد يكون بين الأطراف المتباعدة، لكن لا
يجوز الحوار بين تركيا والعرب، وإنما هناك
"مصاحبة".
وفي الواقع أنه برغم سعي الطرف
التركي غير الرسمي لتعزيز الحوار مع
العالم العربي بعد حالة الجمود الطويلة،
ما زال البعض يخشى من أن يكون التوجه
التركي الحالي نحو العرب محاولة لترويج ما
عرف "بالشرق الأوسط الكبير"، فقد
أطلقت هذه الدعوة في "لقاء أردوغان وبوش".
وهنا يطرح د.كمال حبيب الكاتب المصري
سؤالا هاما وهو: هل مؤسسة أبادنت وغيرها من
المنظمات غير الحكومية التركية مستخدمة
الآن كأحد أذرع السياسة الخارجية التركية
لترويج مفهوم الشرق الأوسط الكبير، خاصة
أن هناك حديث أمريكي مستمر عن النموذج
التركي لتسويقه واختباره في العالم
العربي والإسلامي.
الميراث التاريخي وفاعلية
الحوار
وتظل تركيا رغما عن كل شيء، كما
يرى د.عبد الرحمن النقيب، تحمل في القلوب
العربية كل الرموز التاريخية والمجد
الضائع، وبافتراض أن تركيا تتعاون ظاهريا
في مشروع الشرق الأوسط الكبير، فإن العقل
التركي ربما لا ينزلق لأن يكون أداة لذلك،
وإنما ربما يسعى لتحقيق المصلحة التركية.
ويقترح د.النقيب التحرك بمقدمات
ثقافية لهذا الدور، يتعين ضمنها فض
إشكاليات تاريخية لا تزال تداعياتها
قائمة بين العرب والأتراك، على الأقل من
الناحية النفسية، وتدور حول مقولات "خيانة
العرب للأتراك في الحرب العالمية الأولى".
ويعتقد البعض أنه قد لا يبدو من السهل
تجاوز مشاهد ترسخت لدى النخب التركية عن
العرب. وتحضرني هنا مقولة أحد الساسة
الأتراك عندما قال: "إن ملفات الحرب
العالمية الثانية قد أغلقت، ولكن بعض
ملفات الحرب العالمية الأولى لا تزال
مفتوحة بل وعلى مصراعيها، وتحتاج بعد ثلاث
وثمانين عاما إلى جهد من الطرفين العربي
والتركي لإغلاقها، الأمر الذي يعد مهمة
صعبة للغاية".
غير أن الواقع الجديد وإسقاط
الحدود بين البلاد في عصر العولمة قد ينجح
كما يقول بولاك في معالجة هذا الملف،
فالمتغيرات التي تشهدها المنطقة تحتم على
تركيا أن تكون عنصرا فاعلا في التغيرات
المتلاحقة والسريعة في المنطقة.
ونهاية، وانطلاقا من الإيمان
بأهمية وضرورة الحوار في داخل السياق
الحضاري والإسلامي، تبدو أهمية الحوار
البيني بين الأطراف الإسلامية المختلفة
خاصة الرئيسية منها مثل مصر وتركيا وإيران.
ولا تبدو أهمية الحوار بين مصر وتركيا في
كونه أحد الأدوات للتقريب بين الرؤى وفهم
التنوع الداخلي بقدر ما هو إحداث تعارف
حقيقي وعميق لهذه المجتمعات التي طالما
ظلت بعيدة عن بعضها البعض بفعل السياسات
الرسمية، فالواقع يؤكد كما يقول د.ممتزر
تركون، أن شعب تركيا يهتم بالشعوب العربية،
والعكس كذلك صحيح. ومن ناحية أخرى فإن
المستقبل بات يفرض على الجانبين ضرورة
وأهمية الحوار والتعامل على أسس مصلحية
بعيدا عن البحث في قضايا تاريخية عفا
عليها الزمن.
|