English

 

الثلاثاء 27 ذي الحجة 1427هـ - 16/01/2007 م

القضية العراقية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
 أهم الأخبار

 

أمريكا ورمال العراق المتحركة

القوات الأمريكية لن تستطيع حفظ الأمن بالعراق رغم زيادة أعدادها

طالع أيضا:

لم يكن متوقعا أن تسفر الوعود الأمريكية عن جديد فيما أطلق عليه الخطة الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق. وهذا ما حدث بالفعل، وربما كان الجديد الوحيد في تلك الخطة هو اعتراف الرئيس الأمريكي جورج بوش -مع إعلانه الخطة- بالأخطاء التي ارتكبت في العراق ومسئوليته عنها دون أن يتطرق إلى تلك الأخطاء والتي يعرفها المراقبون، لأنه إن تحدث عنها وفيها، كان عليه أن يصف العلاج الناجع لتصحيح كل خطأ، وهو كما يبدو لا يعرفه.

ومن الواضح أن مسلسل الأخطاء الأمريكية في العراق ما زال مستمرا. ففي نفس توقيت إعلان الخطة هبطت طائرة أمريكية في مطار أربيل لتخرج منها مجموعة من الجنود تتوجه إلى القنصلية الإيرانية في أربيل وتعتقل من فيها من دبلوماسيين في تصرف غريب على دولة تزعم حماية الديمقراطية والحرية والقانون الدولي، وكأنه عزّ على الولايات المتحدة أن يظل هذا الإقليم دون العراق متمتعا بالأمن والأمان والاستقرار.

خطة جديدة في الاتجاه الخطأ

مظاهرة بمدينة لوس أنجلوس اعتراضا على سياسة أمريكا بالعراق وتطالب بتحقيق السلام هناك 12 يناير 2007

وهنا لا بد أن يكون السؤال: هل أمريكا راغبة بالفعل في إخراج العراق من مأزقه ومن ثم إنقاذ نفسها مما هي فيه، أم أن المسألة مجرد "طق حنك" كما يقولون في الشام؟

إذ كان من الممكن أن يسفر هذا التصرف الأحمق عن كارثة، فلقد طوقت قوات البيشمركة هذا الفصيل الأمريكي وكادت تحدث مواجهة مسلحة لولا حسابات القوة على المستوى الإستراتيجي. وبكل تأكيد تركت هذه الحادثة في النفس الكردية جرحا أعاد إلى الأذهان من جديد هواجس كردية قديمة عن مواقف أمريكا تجاههم وأنها دائما كانت تتركهم في منتصف الطريق.

وبالعودة إلى مفردات الخطة نجد أن معظمها يسير في نفس الاتجاه الذي انتهجته الولايات المتحدة وهو الاتجاه الخطأ، فهي تسهم في تعقيد المسألة أكثر من إسهامها في الحل، بل ربما تؤدي إلى إطباق رمال العراق المتحركة أكثر وأكثر على كل من دفعه حظه العاثر للاقتراب منها. ولنقرأ ما جاء في هذه الخطة لنكتشف في النهاية أنها النقلة الأخيرة الفاشلة على رقعة الشطرنج ومن بعدها مباشرة "كش مات" ومن ثم العودة من جديد إلى المربع رقم (1) والذي يتطلب تغيير الحكومة بأسرها وربما ما هو أكثر من ذلك بكثير.

تتحدث الخطة عن دعم القوات الأمريكية في العراق بأكثر من عشرين ألف جندي جديد سينتشر معظمهم في بغداد من أجل فرض الأمن فيها والقضاء على المجموعات "الإرهابية" التي تنشر العنف وتهدد الولايات المتحدة. ويبرر الرئيس الأمريكي ذلك بأن استمرار العنف مرجعه النقص في أعداد الجنود. ولم يفكر في التأثير العكسي لذلك على المواطن العراقي الذي ظل يستمع إلى وعود عن الانسحاب التدريجي من العراق وصدمته في هذا الاتجاه المعاكس والتي لا بد أن تؤدي إلى مزيد من العنف -إرهابا ومقاومة- لأن لكل فعل رد فعل.

ودائما لا يحاول الرئيس بوش إرجاع الأمور إلى الأسباب الحقيقة وهي الداخل العراقي وتعقيداته، ربما عن عدم فهم وربما أيضا لإدراكه أنه عاجز عن فعل أي شيء يصلح من هذا الداخل. ولذلك فهو يحمل الخارج المسئولية كاملة وربما كان ذلك أيضا في إطار خطته القديمة بجعل العراق منصة إطلاق أو انطلاق على طريق إحياء مشروع الشرق الأوسط الكبير. فالخارج من وجهة نظره وبالذات إيران وسوريا وبعض المنظمات الإرهابية الإقليمية هي المسئولة عما يحدث في العراق. وهذا الحديث مكرر وممجوج، فقد بدأ منذ اللحظة الأولى لاحتلال العراق ولم يتوقف يوما واحدا، كما أن الحديث عن الإجراءات التي تتخذ ضد هذا الخارج سواء كان دولة أو منظمة لم يتوقف أيضا.

حديث بوش هنا يتطرق إلى العمل على وقف دعم تلك الجهات لجماعات العنف بالعراق (وهل توقفت المحاولات الأمريكية يوما عن ذلك؟!) وكذلك تفكيك المنظمات الإقليمية الداعمة للعنف. وأيضا في هذا السياق يؤكد على ضرورة قيام دور مصري أردني سعودي خليجي (الدول العربية المعتدلة وفق التقييم الأمريكي) لدعم الحكومة العراقية. وهنا يحفز الرئيس الأمريكي هذه الدول حتى تقوم بهذا الدور بأن يهددها بشكل مباشر، فالهزيمة الأمريكية في العراق ستجعل منها ملجئا للإرهابيين، وبذلك يشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي لهذه الدول. الخطاب واضح تماما.. الويل لمن يفوته القطار الأمريكي.. إنه سفينة نوح هذا الزمان.

لكن الرئيس بوش في خطته لم يتطرق إلى ما هو مطلوب من هذه الدول: المال أو السلاح أو الدعم العسكري أو الجنود أو الدعم اللوجستي؟ والطرح الأمريكي بهذا الشكل يبدو غريبا، إذ لا توجد مشكلة في المال أو السلاح أو الجنود في حين أن الدعم اللوجستي قائم بالفعل، أم أن المطلوب هو مواقف تجاه إيران وسوريا والمنظمات الإقليمية تمهيدا لشيء تستعد له الولايات المتحدة.

والواقع أن علاقات هذه الدول بإيران هي ما بين مقطوعة تماما أو متوترة، في حين أن العلاقات مع سوريا يشوبها البرود والتوتر في الوقت الراهن. فهل تريد الولايات المتحدة ما هو أكثر من ذلك؟ ربما.أما بالنسبة للمنظمات الإقليمية (القاعدة مثلا) فموقف تلك الدول معروف منها.

إذًا ماذا يتبقى سوى الدعم المعنوي من خلال تنظيم بعض المؤتمرات على غرار مؤتمري القاهرة ومكة والذي أثبت الواقع أن كليهما كان مجرد احتفالية لم تسفر عن أي شيء. ربما لدى الرئيس بوش أمور أخرى مطلوبة من هذه الدول لم يصرح بها.

الداخل العراقي ومغازلة السنة

وتتذكر الخطة الداخل العراقي، فتعد بتسليم المهام الأمنية إلى العراقيين في موعد أقصاه نوفمبر القادم 2007. وليس من المتصور على الأغلب أنها ستنفذ هذا الوعد في هذا الموعد، فالرئيس نفسه وهو يقدم خطته أقر بأن هذه الخطة ستواجه بمشاكل، كما أنها لن تقضي تماما على العنف في العراق، ولذلك فإن ظل الشارع العراقي على حاله، وهو الاحتمال الأرجح، فإن الولايات المتحدة حينئذ لن تسلم المهام الأمنية إلى العراقيين حسب وعدها.

وفي نفس الوقت يهدد الرئيس بوش الحكومة العراقية بأن الدعم الأمريكي لها ليس بلا نهاية بل إن هناك من أشار بوجود مهلة محددة من قبل البيت الأبيض لتلك الحكومة.

بعد ذلك يعد الرئيس بوش في خطته بتوزيع العائدات النفطية بالتساوي بين كافة المحافظات العراقية وبالتساوي. وهذه المسألة بالذات تدعو إلى الدهشة لأن هذا القرار هو شأن عراقي تماما يجب أن يصدر قرارا بشأنه من قبل الحكومة العراقية، خصوصا أنها حكومة تؤكد الولايات المتحدة أنها تشكلت وفق عملية ديمقراطية كما أن الدستور العراقي الدائم تعرض بالتفصيل لذلك، لكن هذا الطرح من قبل الرئيس بوش يعد تدخلا سافرا في الشأن الداخلي العراقي (إن كان هناك بالفعل شأن داخلي)، كما أنه يعتبر أيضا تجاوزا على دستور العراق ويصيب الطرح الأمريكي حول العراق الجديد (عراق الحرية والديمقراطية) في الصميم، وهو النموذج الذي تزعم الولايات المتحدة أن على دول المنطقة أن تحذو حذوه.

والواقع أن الطرح الأمريكي هذا مغازلة للمثلث السني في غرب العراق في محاولة لاستمالته إلى العملية السياسية ودعم الحكومة العراقية ومواجهة جماعات العنف -المقاومة منها والإرهابية- ولكن بسبب تعقيدات المشهد العراقي والطائفية المسيطرة على جماعاته، فإن مغازلة أي طرف لا بد أن تتم على حساب طرف آخر.

ففي مسألة توزيع العائدات النفطية بالتساوي بين المحافظات، وحسب هذا الطرح، إن هي كانت مغازلة للمثلث السني، فإنها ضد مصالح أكراد العراق على طول الخط وهم أهم حليف قوي للولايات المتحدة في العراق، إذ من المعروف أن هناك حتى الآن مشاكل قائمة بين الحكومة الكردية الإقليمية في أربيل والحكومة المركزية في بغداد حول هذه المسألة، فالأكراد يقسمون الآبار النفطية في منطقتهم إلى قسمين، الأول: هو تلك الآبار التي كانت قائمة من قبل إقرار الدستور العراقي وعائدات هذا القسم تعود إلى الحكومة المركزية في بغداد كأحد الإيرادات السيادية. أما القسم الثاني فهو الخاص بتلك الآبار التي أقيمت في المنطقة بعد إقرار الدستور العراقي ونتيجة التعاقدات بين الحكومة الكردية الإقليمية وشركات بترول عالمية، وعائدات هذا القسم يطالب بها الأكراد حقا خالصا للإقليم، ودارت مفاوضات شاقة بين الطرفين، مثل الحكومة الإقليمية الكردية فيها وفد برئاسة نيجيرفان البارزاني، ولم تسفر تلك المفاوضات عن أي نتيجة.

كما أن الوعد الأمريكي بالمساواة في توزيع الواردات النفطية بين المحافظات يتناقض مع ما جاء في الدستور بتخصيص نسبة إضافية تعويضية للمحافظات التي تضررت في العهد السابق، لذلك فإن هذا الطرح يجعلنا نشك أن وراءه محاولة أمريكية لخلط الأوراق العراقية من جديد، وأن السعي إلى التحالف مع هذا الطرف على حساب طرف آخر هو دليل على ارتباك تام في الموقف الأمريكي إذ لا يعرف جيدا ماذا يفعل إزاء هذه الورطة التي أوقع نفسه فيها. وهو الاحتمال الأرجح.

وبهذا الشكل فالتطرق إلى هذه المسألة من شأنه أن يفتح خلافا لا يعرف مداه بين الولايات المتحدة وأكراد العراق. وما يؤكد إمكانية حدوث ذلك هو حادثة اختطاف الدبلوماسيين الإيرانيين من قنصليتهم في أربيل، ومن قبلها اختطاف إيرانيين كانوا ضيوفا على رئيس الجمهورية جلال طلباني.

ونخلص في النهاية إلى أن حل المأزق العراقي لا يمكن أن يتم إلا وفق أجندة عراقية ومن الصعب أن يأتي هذا الحل من واشنطن أو القاهرة أو دمشق أو طهران.

وإذا كانت ترضية ومغازلة طرف لا يمكن أن تتم إلا على حساب طرف آخر، فإن الأمر حينئذ يكمن في الإجابة على السؤال: لماذا تتعدد الأطراف في العراق وتتعارض مصالحها فيما بينها؟ والإجابة على هذا السؤال تعطينا الحل وفي نفس الوقت تعطينا الصورة الكاملة للمأساة العراقية، إنها الطائفية، التي كثر الحديث عنها، والطائفية غير مقصورة على القاعدة، بل هي موجودة لدى النخبة أيضا، بل ربما هي أشد عند النخبة عنها عند القاعدة، ولذلك فإن النخبة العراقية هي جزء من المشكلة، ويصعب أن تكون جزءا من الحل، والحل من وجهة نظر كاتب السطور، يطرقه من جديد ولن يمل أبدا من طرحه، تشكيل حكومة من التكنوقراط لا يعرف عن أحد منها أي انتماء طائفي. هذه الحكومة تحكم العراق على قاعدة من المواطنة الكاملة، وفي نفس الوقت لا بد أن يعاد تشكيل الجيش العراقي من خلال إعادة قانون التجنيد الإجباري، فالجيش العراقي الحالي نخرت فيه الطائفية وولاءاته متعددة، وإن تم تشكيل جيش جديد على أساس التجنيد الإجباري في ظل حكومة وطنية لا طائفية، فإن الجيش سيكون جيشا عراقيا وطنيا. وربما حينئذ ينبثق الأمل من جديد في عراق ينجح في التغلب على مآسيه. أما المشهد الحالي فهو عبارة عن رمال متحركة تبلع كل من يقترب منها.


** كاتب ومحلل سياسي متخصص في الشئون العراقية.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع