English

 

الإثنين 26 ذي الحجة 1427هـ - 15/01/2007 م

القضية العراقية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
 أهم الأخبار

 

إستراتيجية بوش.. تفادي الهزيمة الكاملة بالعراق

الإستراتيجية الأمريكية في العراق !!

يبدو أن خطة الرئيس الأمريكي بوش الأخيرة بالعراق، والتي أسماها "الإستراتيجية الجديدة" ستكون المسمار الأخير في نعش الوجود الأمريكي في العراق، وربما في نعش التدخلات الأمريكية العسكرية في الخارج لفترة من الزمن على الأقل، ليس فقط لأنها تعتمد مبدأ "الانتقام" والبحث عن أي نصر عسكري على جثث آلاف الأبرياء في أقل وقت ممكن (10 أشهر)، ولكن لأنها بلا إستراتجية حقيقية.

ورغم أنه لا يوجد تعريف محدد لكلمة "الإستراتيجية"، فالمعنى الأقرب لها ينصرف إلى الخطط والوسائل التي تعالج الوضع الكلي للصراع الذي تستخدم فيه القوة بشكل مباشر أو غير مباشر من أجل تحقيق هدف "السياسة" على مدار فترة زمنية طويلة.

والمراقب لـ "إستراتيجية" بوش الجديدة المعلنة لن يجد عناء في اكتشاف أنها "تكتيك" وقتي ومهمة قصيرة الزمن لا تتعدى فترة 10 أشهر -هي الفترة المحددة (حتى نوفمبر 2007)- لسحب غالبية القوات الأمريكية من العراق وترك مسئولية الأمن للجيش العراقي، ومن ثم فهي ليست "إستراتيجية" أصلا.

ويبدو أن المقصود هو "إستراتيجية انتقامية" تتلخص في السعي لضرب قوى المقاومة العراقية بعنف وبالطائرات مع حملات عسكرية متواصلة ومتمركزة في مناطق المقاومة، بهدف تحقيق أي انتصار معنوي للجيش الأمريكي، مع القيام بحملات رمزية على قوات الزعيم الشيعي مقتدى الصدر التي تشذ عن الحكومة العراقية (الشيعية) وتقوم بحملات اعتقال وفرز وقتل على الهوية ضد السنة تؤجج العنف الطائفي، وذلك بهدف تقوية الحكومة وتسهيل فرض نفوذها نسبيا على العاصمة بغداد.

أهداف خطة بوش

ولهذا يمكن القول بأن أهداف خطة بوش تركز على أمرين:

(الأول) سرعة سحب القوات الأمريكية من العراق قبل انتهاء العام الجاري، ولكن بعد معركة فاصلة عنيفة أشبه بالمجزرة المتوقعة ضد المدنيين (خصوصا في بغداد والأنبار معاقل السنة وجماعة مقتدى الصدر) تركز على سلسلة عمليات عسكرية متواصلة وقصف عنيف لمراكز المقاومة وتحرك عسكري تسانده القوة الجديدة التي طلبها بوش من الكونجرس (21 ألف جندي).

(الثاني) هو محاولة توريط دول "محور الاعتدال" العربية (مصر والأردن والسعودية ودول الخليج الأخرى) في المستنقع العراقي بتحمل جزء من المسئولية في وقف أعمال المقاومة العراقية السنية قبل الانسحاب الأمريكي أملا في السيطرة بالمثل على قوى التطرف التي تمثلها بعض الميليشيات الشيعية خصوصا ميليشيا الصدر، وتوفير قدر من الهدوء في العراق قبل الانسحاب، مع التهديد بأن أمريكا سوف تنسحب في كل الأحوال وتترك السنة تحت رحمة الميليشيات الشيعية المتطرفة ليتحول العراق لحرب أهلية تطال هذه الدول "المعتدلة"!

وما يؤكد هذا السيناريو أو التصور المتوقع في العراق في ظل خطة بوش الجديدة أن الرئيس بوش تحدث في إستراتيجيته عن أجل ينتهي في نوفمبر 2007 لتسليم القوات العراقية مهمة الأمن في المدن العراقية، كما أن هناك تسريبات عن اتفاق سري بين بوش وقادة الحزب الديمقراطي المعارضين والمسيطرين على الكونجرس، بحيث يوافقون على إعطاء بوش تفويضا من الكونجرس بإرسال قوات إضافية ودعم قدره 7 مليارات دولار، لإنقاذ ماء الوجه الأمريكي في العراق وعدم التضحية بخروج أمريكا من العراق مهزومة، ولكن بشرط ألا تستمر المهمة طويلا وتنتهي في غضون عشرة أشهر.

وربما لهذا تحدى بوش قادة الحزب الديمقراطي المعارضين لخطته الجديدة في أن يقدموا البديل لخطته، وحذرهم من أن سمعة ومصداقية الولايات المتحدة على المحك وأنها لو انسحبت مهزومة فسوف يترتب على هذا تداعيات كبيرة على النفوذ الأمريكي في العالم كله.

لحظة الهزيمة الكاملة

ومن الواضح أن هذه "الإستراتيجية" جاءت حصيلة لتفكير إدارة بوش في عدة خيارات تدور بين التسليم بالهزيمة والانسحاب من العراق والتضحية بسمعة الجيش الأمريكي والمصالح الإستراتيجية الأمريكية في منطقة الخليج التي ستكون معرضة للخطر حينئذ، وبين محاولة القيام بحرب أخيرة تخفف من لحظة الهزيمة الكاملة في العراق ومنطقة الشرق الأوسط.

هذه "الإستراتيجية" تسعى في سبيل إنجاز هذا الهدف الأخير لإطلاق آخر طلقة مدفع ورصاصة في جعبة القوات الأمريكية على "أعدائها" خصوصا من العرب السنة وبعض القوى الشيعية، بدليل أن الخطة تركز على بغداد فقط ومحافظة الأنبار تحديدا التي أعلن قادة المقاومة وتنظيم القاعدة أنهم حولوها إلى (إمارة إسلامية)!.

وربما لهذا سوف تشهد المرحلة المقبلة خلال فترة الأشهر العشرة -المحددة للعمل قبل لحظة الهزيمة الكبرى والانسحاب- أعمال قصف عشوائي وعمليات قتال غير مسبوقة تعيد أجواء الأيام الأولى للاحتلال، وسقوط مئات وربما آلاف الضحايا الأبرياء من المدنيين نتيجة القصف الأمريكي، فضلا عن سقوط عشرات الجنود الأمريكيين.

بعبارة أخرى: يسعى بوش لاستعادة هيبة إدارته قبل رحيله حتى آخر مدني عراقي وآخر جندي أمريكي، بهدف توفير الغطاء لبدء عمليات الانسحاب الأمريكية مع نهاية هذا العام، خصوصا أن هناك توقعات أخرى بأن بوش يستعد لحرب أعنف مع إيران لضرب مفاعلاتها النووية ونفوذها في العراق، ومن الصعب القيام بهذه المعركة مع طهران وهو يرهن قواته في العراق أمام صواريخ إيران وأنصارها في العراق.

وربما لهذا تشير التوقعات إلى أن حصيلة القتلى والجرحى في العراق مرشحة للزيادة بأضعاف ما جرى في سنوات الاحتلال الأربعة السابقة، فإذا كانت الحصيلة المعلنة حتى الآن هي أكثر من 600 ألف ضحية من المدنيين العراقيين و3000 جندي أمريكي قتيل و25 ألف جندي جريح، وخسارة مادية تفوق الـ800 مليار دولار، غير الدمار وتخريب البنية التحتية بالكامل، فهذه الأرقام مرشحة للزيادة.

ولن يجد الديمقراطيون الذي يهيمنون على الكونجرس بدًّا من الموافقة على إرسال تعزيزات إلى العراق كحل أخير ربما لتقليل حجم هذه الهزيمة في العراق، والخروج من المستنقع العراقي بصورة تحفظ وجه الجيش الأمريكي ولا تضيع المصالح الأمريكية في المنطقة.

ويفسر هذا لقاء بوش بحوالي ثلاثين من كبار أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين لإقناعهم بأن العنف المذهبي في العراق يجب أن يكافح قبل إنجاز عملية إحلال استقرار سياسي، ومحاولة إقناعه بأن بقاء الوضع على ما هو عليه معناه مزيد من دماء الجنود الأمريكيين، وسحبهم معناه الهزيمة الكاملة، وأن الحل هو في تعزيز القوات الحالية والقيام بـ"ضربة أخيرة" قبل سحب معظم القوات من هناك استعدادا لمعركة إيران.

دور محور "الاعتدال"

وتشير ملامح الخطة التي أعلنها بوش، والتي عنف في أعقابها الدول العربية المنخرطة فيما أسمته وزيرة الخارجية رايس "محور الاعتدال العربي"، إلى أن دعوة دول الجوار العراقي لتحمل جانب من المسئولية لا تقتصر فقط على العراق ولكنها ربما تتخطى ذلك للتحرك ضد النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة. بل إن التهديد الأمريكي بترك هذه الدول والمنطقة لمصيرها في يد النفوذ الإيراني والشيعي المتعاظم يكاد يبدو محاولة لابتزاز هذه الدول وتهديدها بأن دولها أيضا معرضة للخطر من جراء هذا النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة، وهو ما يدفعها للقبول مستقبلا بالتعاون مع الخطط الأمريكية لضرب إيران كما فعلت في العراق خصوصا أن هناك شبه رفض عربي لتكرار التعاون مع إيران.

ومما يشير إلى وجود هذه النوايا الأمريكية في الخروج من العراق -استعدادا لضرب إيران- هو تضمين إستراتيجية بوش في العراق خططا لنشر صواريخ باتريوت المضادة للصواريخ في العراق وربما دول الجوار في ضوء المخاوف من قيام إيران بضرب أهداف خليجية في حالة الهجوم الأمريكي على مفاعلاتها النووية.

واللافت هنا أن هذه "الإستراتيجية" الجديدة تشير لرفض بوش تبني اثنتين من التوصيات الرئيسية المدرجة في تقرير (لجنة بيكر–هاميلتون)، وهما: إقامة حوار مع إيران وسوريا لإحلال الاستقرار في العراق، وتحديد جدول زمني لسحب القوات الأمريكية، ولكن هذا التجاهل لهذه التوصيات قد يكون دلالة على وجود تفاهم (ديمقراطي/جمهوري) أكثر من دلالته على خلاف بين الحزبين.

بعبارة أخرى: قد يعني هذا نوعا من التنسيق الضمني بين الحزبين لإعطاء بوش الفرصة الأخيرة لإنقاذ ماء وجه أمريكا في العراق والمنطقة، وقد يعني تنسيقا وتبادل أدوار للضغط على الدول العربية لمساندة خطط حصار النووي الإيراني ولو بعمل عسكري، خصوصا أن هناك توافقا بين الحزبين على مجابهة هذا الخطر. ومن مصلحة "الديمقراطيين" أن ينهي بوش "العمل القذر" كله في العراق وإيران قبل انتهاء ولاية إدارته "الجمهورية"، بحيث لا يتحملون عبء هذا التهديد الإستراتيجي مستقبلا في حالة وصولهم المتوقع للبيت الأبيض.


** المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع