|

|
|
صدام قبيل لحظات من إعدامه |
قرار سياسي أمريكي بامتياز،
وقرار أرعن من الدرجة الأولى، إن أفضى إلى
نتيجة فستكون قطعا على النقيض من غايات
صانعي القرار، وإن كشف عن جديد فهو يكشف عن
أن الأخطاء الأمريكية الفاحشة في الساحة
العراقية ستضاعف من أبعاد الهزيمة التي
وصلت إليها في هذه الأثناء، ودقائق حشرجة
الموت على حبل المشنقة تزيد من سرعة حشرجة
هيمنة الإمبراطورية الصهيوأمريكية في
المنطقة.
بين الاستبداد والإنجاز
في البداية نحسب أن صدام حسين قد
أدرك قبل موته حجم ما ارتكب في حياته،
فندعو له بقبول التوبة إن كان قد عزمها،
وندعو بالصبر والجزاء الأوفى لكل من أصابه
أي ضرر من الأضرار نتيجة ممارسات صدام
أثناء حياته.
والسؤال الذي يطرح نفسه: ما موقع
صدام حسين في وعي شعوب المنطقة؟ وما
مكانته في تاريخها؟ وهل في الحديث عنه
تمجيد لإنجازات حققها وسنوات الحكم التي
ارتبطت باسمه في العراق وحوله؟.
إذا كان من تعاطف شعبي في العراق
وخارج العراق مع صدام نفسه فهو التعاطف مع
حاكم من الحكام بقي في المرحلة الأخيرة من
حكمه وحياته عقبة تتحدى مسيرة الهيمنة
الصهيوأمريكية، في فترة تميزت بألوان
عديدة مخزية من التبعية والانكفاء
والانبطاح. ومع ازدياد عنف ووحشية الهجمة
المضادة التي استهدفت الشعوب والمنطقة
والحضارة العربية الإسلامية، تارة بزعم
الحرب ضد الإرهاب وأخرى بزعم حرب وقائية
وثالثة بزعم نشر الديمقراطية وحقوق
الإنسان بالقوة، كان وما يزال يرتفع معدل
التعاطف مع كل من يعلن رفضه التسليم
والاستسلام ورفضه أن يكون بيدقا من بيادق
تنفيذ هذا الجانب أو ذاك من مخططات الهجمة
العدوانية الضارية. ولهذا أصبح التعاطف مع
صدام في معتقله وأثناء فصول مهزلة محاكمته
ومع إعدامه تعاطفا واسع النطاق.
ولكن استبداد صدام كان وما يزال
وسيبقى مرفوضا، مثله مثل استبداد كل حاكم
آخر في المنطقة، لا سيما أولئك الذين
يربطون استبدادهم المحلي بالاستبداد
الأمريكي الدولي.
صدام كان حاكما مستبدا، ارتكب ما
ارتكب بحق مختلف الفئات والأطياف
والطوائف من شعبه، وليس بحق طائفة أو قوم
أو عرق، فكان المعيار في ذلك عنده لزمن
طويل هو الولاء أو عدم الولاء للحاكم،
ولكنه على النقيض من أمثاله، وأمثاله في
المنطقة كثير، ساهم خلال حكمه في الانتقال
بالعراق اعتمادا على ثروات الشعب، إلى
مرحلة متقدمة على الأصعدة الزراعية
والصناعية والعلمية والتقنية وفي ميدان
التسلح، وحافظ على بقايا شعلة قومية وشعلة
وطنية ترفض الهيمنة الخارجية، وكان هذا
الجانب من إنجازات عهده هو المرفوض
أمريكيا وليس استبداده، وكل من جعل علاقات
بلاده الخارجية علاقات تبعية في ميادين
استيراد استهلاكي واستثماري وتصدير ثروات
وخامات، ونشر القواعد العسكرية وجلب
الخبراء الأجانب والشركات الأمنية الخاصة
والاستخبارات المعادية.
وهذا ما سيعطي صدام في التاريخ -والفضل
في ذلك للعداء الصهيوأمريكي- موقع حاكم
مستبد، جوره مرفوض دون الانتقاص من
إنجازاته، كما يعطي سواه أحياء وأمواتا
مواقع حكام مستبدين دون إنجازات تستحق
الذكر.
توقيت عجرفة حمقاء
إعدام صدام مقرر أمريكيا من قبل
اعتقاله، ولكن لتوقيت تنفيذ الإعدام
أسبابا مباشرة لا علاقة لها بإجراءات
قضائية ولا سياسية خاصة به:
1- لقد أصبحت الهزيمة الأمريكية
الفاضحة في العراق غير قابلة لمزيد من
التمويه، ليس داخل الولايات المتحدة فقط،
وليس في الأوساط الغربية المتخوّفة من
عواقبها على حساب المطامع الغربية، في
إطار الخلل العشوائي الكبير في النظام
الدولي منذ الحرب العالمية الثانية على
حساب الجنوب، بما فيه المنطقة الإسلامية
فحسب، بل أصبحت معالم الهزيمة واضحة أيضا
لكثير من المكابرين في مسيرة التبعية داخل
البلدان العربية والإسلامية نفسها، وداخل
العراق، ومنذ ذلك الحين بدأت موجة من
انتشار مقولات أقرب إلى الأوهام في الأصل،
بشأن أن تؤدي هذه الهزيمة إلى عودة صدام
وأنصاره بصورة من الصور إلى السلطة. توقيت
الإعدام استهدف وضع حد لهذه الأوهام، أو
الآمال في نظر بعض من ينشرها، قبل أن
يستفحل مفعولها على أرض الواقع.
2- أسقطت حرب العراق المحافظين
الجدد من غلاة الجمهوريين في الانتخابات
النصفية الأمريكية في أكتوبر 2006، بعد أقل
من أربع سنوات على غزو العراق وتدمير
بنيته التحتية والعمل المتواصل للقضاء
على "الإنسان" فيه، وأصبح وجود
بقاياهم في الحضيض مرتبطا بالبقية
الباقية من فترة رئاسة بوش الابن، وبحجم
التغيير الذي تفرضه المعادلة الجديدة
لمراكز صنع القرار حوله، ونشر ذلك الحديث
عن تغيير شمولي/ إستراتيجي في السياسة
الأمريكية المحبطة في العراق، وبدأ البحث
عن معالمها ما بين تفاؤل وتشاؤم في
العواصم الغربية وكذلك في العواصم
العربية والإسلامية التي تربط سياساتها
بصوت الناخب الأمريكي كما تصنعه مراكز
القوى الأمريكية. توقيت الإعدام أتى -في
إطار سلسلة من المواقف والتصريحات
والممارسات الأخرى- للتأكيد أن بقايا
المحافظين الجدد في السلطة الأمريكية
ماضون حتى النهاية في طريق الاستكبار
المتعجرف على الوقائع القائمة على الأرض،
ولا يأبهون في ذلك بأي معيار قضائي ولا
قانوني، محلي ولا دولي، ولا بأي معارضة،
شعبية أمريكية وعالمية، ولا سياسية غربية
أو دولية.
3- كثر اللغط حول توقيت يوم
الإعدام بحلول عيد الأضحى المبارك، منذ
بدأ تسريب المعلومات عمدا حول ذلك، ولا شك
في أن تثبيت هذا الموعد ينطوي أيضا على
استعراض الجانب الآخر التقليدي للعجرفة
الحمقاء تجاه عموم المسلمين، بدءا بزلات
الألسنة على درب حرب صليبية وصراع حضاري،
ومرورا باتخاذ مختلف الإجراءات لحصار
الصحوة الإسلامية وتأخير مفعولها على
الأقل على طريق النهوض والبناء، وانتهاء
بالإساءات العلنية للإسلام ومقام النبوة،
وفق منطق الصراع السائد في الغرب الأمريكي
وغير الأمريكي منذ عصر إبادة الهنود الحمر
إلى الآن، والذي لا يزال يوهم أصحابه أن
استعراض هيمنة القوة بأسلوب ساحات الصراع
في المسارح الرومانية، يردع الطرف الآخر
عن التمرد على الطرف المهيمن. وهو منطق لا
يسري على النسبة العظمى من الشعوب
الإسلامية بل يزيد المقاومة وينشرها. ولكن
العنصر الآخر الأهم من ذلك في توقيت
الإعدام يوم عيد الأضحى، هو ما يمكن وصفه
بنصب كمين جديد تنزلق الأقلام والألسنة
إليه، ليتحول الحديث إلى هذا الجانب
بالذات، كما لو أن حرب الاحتلال العدوانية
والاعتقال والمحاكمة فالإعدام تفقد صفة
المهزلة الإجرامية، لو أن الإعدام كان قبل
عيد الأضحى أو بعده بأيام. إن توقيت
الإعدام بهذا المنظور يكشف ككثير من
القرارات الصهيوأمريكية الأخرى عن مدى
الجهل المطبق في استيعاب طريقة التفكير
وحتى المشاعر العاطفية والأحاسيس
الوجدانية في المنطقة الإسلامية، فمن
المستحيل -لمزيد من استعراض القدرة على
ارتكاب الجريمة- أن يحول الشعوب الإسلامية
إلى القبول بموقع كبش فداء يسلم نفسه
للسكين في مسلخ دولي دون مقاومة تحت تأثير
الإرهاب العلني.
درس الإعدام بعد صدام
إعدام صدام كان مثل محاكمته
محاكمة صهيوأمريكية، يستهدف سواه أكثر
مما يستهدفه، فقد كانت المهزلة من البداية
إلى النهاية، بشهادة العدد الأكبر من
المراقبين من داخل الحدود العربية
والإسلامية والحدود الغربية، على مستوى
من كان يعادي صدام ومن لا يعاديه، مهزلة
مكشوفة، جميع ذلك لا يستند إلى قانون قويم،
ولا عرف إنساني، ولم يشهد حدا أدنى من
الشروط الثابتة في المواثيق الدولية
المعتبرة بشأن القضاء والحقوق والحريات،
ولا تسيره سوى شريعة الغاب الدولية
بزعامتها الأمريكية، وآلة التبعية
المحلية عبر من فقد حق الانتساب إلى شعب
عراقي أو أي شعب من شعوب المنطقة، وكان
جميع ذلك علنيا مكشوفا، لا يخفى على من
صنعوا ويصنعون القرار عبر الدبابات
والقذائف والصواريخ وسيل الدماء بلا
انقطاع، ولهذا كانت المهزلة عملية
استعراضية محضة، تؤكد لمن قد يتململ من
التابعين ويخرج ولو جزئيا عن مسيرة
التبعية أن باستطاعة الاستبداد الدولي
الأمريكي أن يصنع ما يشاء بهم، ولو وصل ذلك
إلى شكل المهزلة المكشوفة، دون أن يكون
لهم بصيص أمل في النجاة، فإما الانصياع
المطلق، أو الضربات الوحشية والمعاملة
المهينة، وحتى الإعدام بمشنقة أمريكية.
ولكن صدام الذي وضع نفسه في هذا
الموضع عندما ربط سياسة حكمه لفترة من
الزمن ربطا تبعيا بالأمريكيين ومن معهم في
فترة استخدامه أداة لتوجيه الضربات إلى
إيران خارجيا بأمل تطويعها بعد ثورتها،
وإلى الأكراد داخليا لتسهل السيطرة
السياسية على زعماء أحزابهم المتصارعة
فيما بينها، يعطي مثالا نموذجيا على أن
الذين يضعون أنفسهم من قبل ومن بعد في موضع
التخيير بين الانصياع المطلق والضربات
الوحشية والمعاملة المهينة، هم أنفسهم
مسئولون عن ذلك، دون أن يسقط ذلك شيئا من
مسئولية الإجرام عمن يمارس الهيمنة
الاستبدادية الدولية.
وإن التعاطف الشعبي المتزايد مع
صدام رغم استبداده وموبقاته منذ أصبح
فريسة لعدو أجنبي أشد خطرا وضررا، يفتح
أمام سواه مجددا باب المخرج من قفص الذل
التبعي.
ليس الجواب على إعدام صدام تمجيد
أنصاره به، ولا السكوت المطبق على المستوى
السياسي عن مجرد إنكار مماثل لإنكار بعض
منظمات المجتمع المدني للطريقة المتبعة
في محاكمته وإعدامه، ولا يكمن الجواب في
تعاطف عاطفي مع صدام وعهده، إنما الجواب
الوحيد الذي يمكن أن يساهم في ترسيخ هزيمة
الهيمنة الأمريكية، وترسيخ أسباب النهوض
من أوضاع التخلف والعجز التي تساهم في
نشرها، هو أن تتحول الأنظمة من هياكل
شكلية لا تحكم إلا تسلطيا، ولا تكاد تصنع
قرارا خارج نطاق "الأمن الداخلي" -إذا
صح تسميته أمنا- إلى حكومات وطنية عربية
وإسلامية، تمارس الحكم في مختلف ميادين
النهوض والبناء، بمقدار ما تستعيد الثقة
المفقودة بين الحاكم والمحكوم، سيان ما
يعنيه ذلك من فقدان عرى "الثقة"
الأمريكية القائمة على الارتباط التبعي،
القابلة للتحول إلى توجيه الضربات
للتابعين بسبب ودون سبب.
إن هزيمة الهيمنة الأمريكية
المعسكرة في العراق هي الحدث الحقيقي
الأكبر من حدث إعدام صدام، وإن بناء
مستقبل المنطقة يقوم على أنقاض هذه
الهزيمة وليس على أنقاض حكم صدام، وإن
مصدر القوة الوحيد هو تلك الشعوب الرافضة
للهيمنة الأجنبية تحت أي عنوان،
المتعاطفة حتى مع المستبدين فيما يتعرضون
إليه من إذلال أجنبي، المستعدة للتعاون مع
من يتخلى منهم عن الاستبداد، ويسلك طريق
التحرر الحقيقي من كل سلطة أجنبية، ظاهرة
وخفية، ومن كل مطمع دنيوي زائل لا محالة،
سواء في حبل مشنقة أمريكية، أو بدبابة
انقلابية، أو على فراش ذل موت مهين بعد ذل
حياة مهينة.
|