بريدك الالكتروني


English

 

14:30 مكة - الإثنين14 جمادى الأولى 1427هـ - 10/7/2006 م

القضية العراقية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
ملفات وصفحات
 أهم الأخبار

 

مبادرة المالكي.. شقاق لا وفاق

رجائي فايد**

رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي

من الواضح أن رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي يرغب بنواياه الطيبة في القيام بفعل إيجابي يساعد على إخراج العراق من مأزقه، إلا أن النوايا الطيبة وحدها لا تكفي لتحقيق ذلك، لأن تعقيدات المشهد العراقي كفيلة بإجهاض أي فعل، ليتحول الأمل في خروج العراق من مأزقه إلى سراب خادع.

ومن هذه التعقيدات ما يتمثل في التباين الحاد في المواقف والمطالب بين كافة الطوائف، فضلا عن فقدان الثقة فيما بين كافة الأطراف، سواء عند القمة، وهي النخبة الحالية المشاركة في العملية السياسية، أو عند القاعدة الشعبية. ومن ناحية أخرى، يدرك المالكي ورفاقه مدى الصعوبة في إمكانية اتخاذ أي موقف تجاه الأجنبي الرابض على أرض العراق، سواء كان هذا الموقف متمثلا في مطالبته بوضع جدول زمني للجلاء أو محاسبته على الجرائم التي يرتكبها جنوده في حق الشعب العراقي من حين لآخر، كتلك الجرائم التي حدثت في سجن أبي غريب وغيره، أو التي تحدث في أي مكان آخر في العراق، مثل ما جرى مؤخرا في ناحية المحمودية عندما اقتحم بعض الجنود السكارى إحدى الدور واغتصبوا فتاة في الخامسة عشرة من عمرها بعد أن قتلوا أسرتها واحدا واحدا بدم بارد ثم قتلوها هي الأخرى.

يدا المالكي مغلولتان

وعندما ارتفعت أصوات الاحتجاج لم يكن أمام المالكي من تصرف سوى أن يقول: "على الولايات المتحدة ألا تجند في جيشها المجانين". وكان هذا أقصى ما يمكن أن ينطق به المالكي الذي أقسم عند توليه منصبه بأن يدافع عن حقوق الشعب العراقي.. إن هؤلاء الجنود السكارى أقدموا على فعلتهم الشنعاء وهم على ثقة من أنهم بمنأى عن المحاسبة لأن هناك قانونا عراقيا يحصن جنود التحرير (هكذا يسمونهم..!) ضد أي عقاب نتيجة لأي فعل يرتكبونه في حق الشعب العراقي؛ ولذلك فحتى لا نظلم الرجل فإن يديه مغلولتان، وهو ما يضعف من موقفه أمام الشعب، ونذكر أنه عندما اختير لرئاسة الحكومة خلفا لإبراهيم الجعفري أعلن عن أولوياته في العمل وخطة حكومته المتمثلة في اقتحام وحل ثلاثة ملفات هي: الميليشيات وضمها إلى الجيش العراقي، والملف الأمني، وأخيرا الملف الاقتصادي.

وعندما أعلن عن خطته لحل الملف الأول والمتضمنة حل كافة الميليشيات القابعة للطوائف ودمجها في صفوف الجيش العراقي كالبشمرجة (حركة كردية) وفيلق بدر التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وجيش المهدي التابع للتيار الصدري وغيرها.. اصطدمت تلك الخطة عند الإعلان عنها بتصريح رئيس الجمهورية العراقية جلال الطالباني بأن قوات الجيش حركة لا تعتبر من الميليشيات، وبذلك لن يتم حلها أو دمجها في الجيش العراقي لأنها على حد قول الطالباني قوات تحمي الإقليم الكردستاني القائم بالفعل بحكم الأمر الواقع والدستور، فضلا عن أن تلك القوات صاحبة تاريخ طويل في النضال ضد النظام السابق.

وكان من اللافت للنظر أن الطالباني أطلق تصريحه هذا في وجود السفير الأمريكي زلماي خليل زاده، والذي وافق ضمنيا على ما قيل بسكوته دون أي تعليق، وكأنه تعمد وضع المالكي على المحك ليكتشف مدى مقدرته على رد الفعل، وتبين أنه لا يملك تلك المقدرة.

ومن اللافت للنظر أيضا أن جلال الطالباني الذي أقسم هو الآخر على رعاية مصالح الشعب العراقي بأسره، وأنه بحكم منصبه الرفيع هذا، يعتبر حكما بين كافة المؤسسات العراقية، ويفترض أن تعلو عراقيته على أي انتماء آخر -أنه في هذه اللحظة تحدث ككردي وليس كعراقي، وهي نقطة جديرة بالتأمل؛ لأنها تثبت أن كافة النخب العراقية تتحدث كثيرا عن العراق والمواطنة العراقية لكنها عند المحك العملي تعود إلى طائفيتها مدافعة عن مصالحها ضد مصالح الطوائف الأخرى بل ضد الوطن ذاته.

المالكي.. هروب من تعقيدات الداخل

وإزاء ذلك كان فشل المالكي في اقتحام الملف الأول، فهرب من هذا الفشل قفزا إلى الملف الثاني، وهو الأمني، ليكتشف أن الطريق إلى تحقيق الأمن والأمان في الشارع العراقي لا بد أن يفرش بالثقة، وهي المفتقدة بين كافة الطوائف العراقية.. ورأى أن هذه الثقة يمكن بناؤها بالحوار والمصالحة الوطنية، وهي رؤية ثاقبة ولا شك، فكان إعلانه في 25 يونيو 2006 أمام البرلمان العراقي عن مبادرته والتي حملت نفس الاسم "الحوار والمصالحة الوطنية".

وتلك المبادرة، وكما أعلنها المالكي، جيدة إلا فيما يتعلق ببعض الملاحظات، وأيضا فيما يتعلق بالأجنبي، سواء كان ذلك بمساءلته عما يرتكبه جنوده من جرائم في حق الشعب العراقي كما سبق ذكره، أو منع من شارك في قتال القوات الأجنبية من المشاركة في هذا الحوار.

ولنحاول قراءة بعض مفردات هذه المبادرة كي نصل إلى تقييمها ومدى إمكانية نجاحها؛ لأن الثقة كما تقدم مفتقدة، فقد أكدت المبادرة على ضرورة اعتماد خطاب سياسي عقلاني، وأن يكون الحوار الوطني الصادق في إطار من شريعة الدستور، والقانون هو السائد في كل القضايا. ومن أجل مصالحة الشعب العراقي نتيجة لما تعرض له من انتهاكات، أكدت المبادرة على منع انتهاكات حقوق الإنسان ومعاقبة المسئولين عن جرائم التعذيب (لا يشمل ذلك بالطبع القوات الأجنبية)، وتطرقت المبادرة في إطار فتح صفحة جديدة مع الشعب إلى مشكلة الذين سرحوا وأصبحوا بلا عمل بسبب حل دوائرهم وضرورة توفير فرص عمل لهم. كما تناولت المبادرة أمرا بالغ الأهمية، والمتعلق بقانون اجتثاث البعث، والذي استخدم استخداما خاطئا تمثل في الوشايات وعمليات الانتقام وتصفية الحسابات، فأكدت على إعادة اعتراف الحاكم المدني الأمريكي السابق للعراق مؤخرا بأنه أخطأ عندما أسند هذا العمل إلى لجنة مدنية، وكان يجب أن تسند إلى هيئة قضائية، ومن ثم تم النظر في هيئة اجتثاث البعث وإخضاع أعمالها للقانون والقضاء لتصبح تصرفاتها في إطار قانوني ودستوري.

وتطرقت المبادرة إلى مؤتمر القاهرة الذي انعقد برعاية جامعة الدول العربية من أجل المصالحة العراقية، فأشارت في أحد بنودها إلى تفعيل اللجان المنبثقة عن هذا المؤتمر والتنسيق في ذلك مع الأمم المتحدة والجامعة العربية. ولأن الطريق إلى تحقيق أي شيء في العراق وعر والمشهد قائم فقد وجد المالكي أن تنص مبادرته على ضرورة التحرك الإقليمي عربيا وإسلاميا لكسب مواقف تلك الدول إلى جانب عملية الوفاق الوطني.

وبالفعل كان أول ما نفذ من هذه المبادرة حتى هذه اللحظة هي هذه الخطوة إذ قام نوري المالكي بزيارة بعض دول الخليج رغم أن التوجه إلى الخارج في هذه المبادرة لا يشكل أهمية كبيرة بالنسبة لها؛ لأن فرص نجاحها واحتمالات فشلها معقودة بالأرض العراقية وبالمواطن العراقي، وكأن هذا التحرك الإقليمي أشبه بالهروب من تعقيدات الداخل العراقي إلى الخارج بحثا عن أمل هو في حقيقة سراب في بعض فرص النجاح.

وتنبئ هذه الخطوة عن مدى التردد الخائف الذي يسيطر على المالكي من اقتحام الملف العراقي الشائك وعدم امتلاكه للمقدرة على سلك دروبه الوعرة، وهو ما قد يوحي بأن هذه المبادرة مجرد كلام مرسل يصعب أن يكون له امتداد على أرض الواقع. وبالتالي فإن حديث المبادرة عن بناء القوات المسلحة وقوى الأمن وعدم خضوع أي منها لسيطرة الطوائف هو مجرد حديث يدخل في نطاق الأماني الطيبة ويصطدم بالواقع وبشدة، وما حدث في مسألة "البيش"، تلك الحركة الكردية خير مثال على ذلك.

تحفظات الطريق المسدود

عودة الاشتباكات بين القوات الأمريكية وجيش المهدي أحد معوقات مبادرة المالكي للمصالحة

إن هذه المبادرة عندما تتطرق لأمر يتعلق بالجانب العراقي، فإنها تسترسل فيه بلا تحفظ.. فهي تتحدث عن عفو عام عن المعتقلين، لكنها تدحض ذلك باشتراط ألا يكون المعتقل من "الصداميين" أو من الذين تخضبت أيديهم بدماء العراقيين، على أن يتعهد المعتقل قبل الإفراج عنه بشجب العنف وتأييد ودعم الحكومة، علما أنه لم يتحدد ما هو المقصود بالعنف: هل هو الإرهاب أم المقاومة ضد الاحتلال التي تقرها كافة القوانين والأعراف الدولية، كما أن مسألة التعهد بتأييد ودعم الحكومة تمنع المواطن من حقه في أن يكون له رأي في الحكومة، سواء بالتأييد أو المعارضة، وفق القواعد الديمقراطية التي يزعمون أن العملية السياسية في العراق تقام على أساسها.

أما عندما تتطرق المبادرة إلى الأجنبي في أمر هو طرف فيه، فإن البند المتعلق بهذا الأمر يحاط بضوابط وقيود، تؤدي إلى إفراغ هذا البند من مضمونه، فعلى سبيل المثال تعرضت المبادرة إلى انتهاكات حقوق الإنسان التي حدثت وما زالت عند حدوث مداهمات تقوم بها القوات الأجنبية، فجاء في المبادرة (التباحث مع القوات متعددة الجنسيات من أجل وضع آليات تمنع انتهاكات حقوق الإنسان والمدنيين خلال العمليات العسكرية).

والنص بهذا الشكل لا يخرج عن كونه مجرد طلب أو رجاء.. وليت الأمر وقف عند هذا الحد، بل وصلت المبادرة أبعد من ذلك بشأن الموقف من الأجنبي، فهي ترفض أن يشارك في الحوار تلك الجماعات التي شاركت في قتال الأجنبي كما جاء في تصريحات المالكي التي أعقبت إعلانه لها.. وإذا كان قد رفض مشاركة من تخضبت أيديهم بدماء العراقيين (كيف يتم ذلك في غياب حكم قضائي بات؟!)، وأضاف إلى هؤلاء الذين قاتلوا الأجنبي، فمع من إذن سيتحاور؟!.

ويبرر المالكي أسباب استبعاده لمن قاتلوا الأجنبي بأن هذا الأجنبي جاء وضحى من أجل تحرير العراق من النظام السابق، فكيف يسمح بقتال من جاء محررا؟! هذه القوات وفق الخطاب الرسمي العراقي ليست محتلة رغم أن مجلس الأمن قرر أنها قوات محتلة والعراق بلد محتل.

انقسامات بالائتلاف الشيعي

وإذا كان هناك فصيل وطني يشارك في الائتلاف العراقي الشيعي والذي رشح المالكي لرئاسة الحكومة، وهو جيش المهدي التابع للتيار الصدري، فهذا الفصيل وفق تحفظات المالكي سيحرم من المشاركة في الحوار لأنه سبق أنه قاتل الأمريكان بضراوة في النجف الأشرف، فهل سيظل هذا الفصيل على موقفه السياسي من حيث تحالفه مع حزب الدعوة الذي يمثله المالكي أم سينشق عنه وفقا لطبائع الأمور؟.. لذلك فقد سارع رئيس الائتلاف العراقي الشيعي عبد العزيز الحكيم إلى إطلاق تصريحات لا تدين قتال الأجنبي في محاولة لمنع انفراط عقد التحالف، وعندما اكتشف الحكيم أن تصريحاته قد تزيد الطين بلة، صدر بيان عن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي يرأسه بأن تصريحات الحكيم أخرجت من سياقها (وهو مصطلح بات يتردد كثيرا ويوضح مدى الارتباك في كافة المواقف).

لكن من الواضح أن هذا الائتلاف الحاصل على الأغلبية في الانتخابات الماضية يعاني من انقسامات حادة بين صفوفه، فمن قبل انشق عنه حزب الفضيلة بزعامة نديم الجابري، وأدى ذلك إلى حدوث المواجهات المسلحة في مدينة البصرة وما حولها، وها هو التيار الصدري في الطريق، في حين يقف المجلس الأعلى للثورة الإسلامية موقف المتردد الحذر.. كل ذلك كشفته المبادرة.

وبدلا من أن تؤدي المبادرة إلى ما يجب أن يكون مطلوبا منها من المصالحة والوفاق، إذا بها تنبئ عن العكس.. وإن حدث ما هو متوقع، فإن عقد التحالف العراقي الشيعي الذي يرأسه الحكيم سينفرط، وعندها ستتغير الخريطة السياسية للعراق حتما لأنه حينئذ لن تكون له الأغلبية في البرلمان.

فهل يلائم العراق وظروفه مبادرة كتلك؟.. إنه يحتاج إلى أمر آخر، وإجراء آخر.. هذا ما ستوضحه الأيام والأحداث.


** كاتب متخصص في الشأن العراقي.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع