بريدك الالكتروني


English

 

الأحد 13 ذي القعدة 1427هـ - 03/12/2006م

أوروبا » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
أهم الأخبار

 

بابا الفاتيكان.. مجاملة أنقرة وإرضاء بروكسل

نبيل شبيب**

بابا الفاتيكان أثناء زيارته للمسجد الأزرق بتركيا 30 نوفمبر 2006

رحلة مثيرة، ومهمة عسيرة، ونجاح على غير انتظار.. هذه آراءُ كثير من المحللين لزيارة بنديكت السادس عشر لتركيا، بدأت بتوقع الرفض الشعبي والرسمي المنتظر لصاحب الإساءة البابوبة المعروفة، وانتهت إلى زفرات ارتياح، لم ينقطع التعبير عنها في وسائل الإعلام.

في المسجد الأزرق وضريح أتاتورك

كلمة "الصلاة المشتركة" أخذت حصة الأسد فيما يُستشهد به على أن الزيارة البابوبة مَحت آثار الإساءة البابوية، وفق قاعدة "عفا الله عما سلف" والجدير بالتنويه أن كلمة "صلاة" وفق استخدامها غربيا ونقل بعض وسائل الإعلام العربية لها عن وكالات إعلام غربية، كلمة لا تصور ما يُفهم إسلاميا من ركن الصلاة بصيغته الشرعية المحددة، بل تُطلق الكلمة في الغرب على الدعاء أو التوجه لله عموما.

هذا "الدعاء" من جانب الضيف الكاثوليكي في المسجد الأزرق، متوجها إلى القبلة مثل مضيفيه المسلمين، هو ما اعتُبر داخل تركيا وخارجها في مقدمة أسباب نجاح الزيارة، وإن كان مجرد إشارة رمزية في بلد يقال: إن المسلمين فيه يتأثرون كثيرا بالإشارات الرمزية، لا سيما بعد أن وصف مفتي إستانبول، محمد بارضاق أوغلو، تلك "اللفتة البابوية" بالمبادرة الرائعة، وبأنها أفضل من أي اعتذار شفوي، في إشارة إلى المطالبة المتكررة بذلك.

الواقع أن المحاولات الكنسية لتجاوز الإساءة البابوبة لم تنقطع منذ ظهرت آثارها، ومن ذلك تأكيد بنديكت السادس عشر مرارا -قبل زيارة تركيا وأثناءها- امتداحَه للإسلام بأنه دين سلام، وأنه -حسبما نسب أردوغان إليه على الأقل- دين التسامح والمحبة أيضا. إنما لا يسهل الاستغناء بذلك عما يتراكم من إشارات إلى أن لديه تصورا آخر عن الإسلام، أقرب إلى ما اختاره في محاضرة ريجنسبورج كاستشهاد منسوب إلى قيصر روماني من العصر الوسيط الأوروبي.

في تركيا استشهد البابا الكاثوليكي أثناء محادثته مع أوغلو بكلمة أخرى من العصر الوسيط الأوروبي أيضا، وكانت هذه المرة عبارةً منسوبةً إلى البابا الكاثوليكي الرومي، جريجور السابع، إذ قال في عام 1076م بعد لقائه مع أحد أمراء المسلمين من شمال إفريقية: إن طيبته تعود إلى "أننا نؤمن بالإله ذاته، وإن اختلفت الكيفية بيننا".

واختلاف "الكيفية" يستدعي الحوار، وقد أظهر بنديكت بصورة استعراضية حرصه على الحوار الإسلامي المسيحي من منطلق "احترام الاختلافات القائمة والإقرار بالأمور المشتركة" حسب تعبيره. على أن السؤال الذي يبقى مفتوحا إلى ما بعد الزيارة، هو عن المنطلقات والقواعد العملية لأرضية الحوار المطلوب استئنافه.

الجدير بالانتباه هنا وفي حدود ما يتصل بوقائع الزيارة لتركيا أن:

1- أول تحرك منظور للبابا الجديد بنديكت بهذا الصدد هو محاضرته في ريجنسبورج، وقد استهدفت التلاقي مع زملائه الجامعيين من العلمانيين، على أرضية مشتركة تعتمد على أنه يؤكد من منظوره الديني المسيحي -مثلهم من منظور العلمانية- على مركزية "العقل والعلم".

2- في هذا الإطار أورد ذكرَ الإسلام مثالا -بزعمه- على التناقض مع العقل والعلم، والدليل هو اعتماده على العنف والسيف، وكان ذلك -وهنا يأتي الاستشهاد بمقولة القيصر الروماني القديم- بتوجيه من النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

3- أمام هذه الخلفية، وبغض النظر عن الاعتبارات التشريفية البروتوكولية الرسمية في تركيا العلمانية، لا يُستهان بمغزى بدءِ الزيارة بضريح مع الإشادة بعبارة منسوبة إليه أن "السلام في الوطن والسلام في العالم"، ويعلم البابا الكاثوليكي -يعلم ولا ريب- أن أتاتورك لم يذكرها من منطلق ديني، أو منطلق حرية العقيدة، كما أظهرت فترة حكمه وحكم ورثته السياسيين.

فهل يمكن إذن الحديث عن رؤية كنسية متأثرة بتوجهات علمانية ما لأرضية الحوار الممكن مع الآخر؟

سؤال يبقى مفتوحا حتى إشعار آخر.

عبوس التاريخ على وجه آيا صوفيا

آيا صوفيا كانت من أهم محطات الزيارة وسببا إضافيا للمظاهرات الاحتجاجية الشعبية ضد الزيارة. وفي آيا صوفيا بالذات وفي تاريخها ما يرمز إلى أبعاد الزيارة نفسها، ولا يكفي هنا التركيز على أنها نشأت ككنيسة في القرن الميلادي السادس وتحولت إلى مسجد في القرن الميلادي الخامس؛ إذ إن لآيا صوفيا محطات تاريخية أخرى لها مغزاها المهم أيضا، وقد تكون أقرب إلى تفسير وضعها في الصدارة من برنامج زيارة البابا الكاثوليكي الرومي، ودعوته من داخلها إلى الحوار وإلى توحيد الكنائس المسيحية. والسعي إلى هذا الهدف هو الغرض الأصلي والرئيسي من الزيارة، فقد صدرت الدعوة في الأصل عن بطريرك الكنيسة الرومية الأرثوذكسية في تركيا، بارثالميوس، ولكن حرصا من الزعامة التركية على عدم إعطاء الكنيسة المحلية بُعدا استقلاليا عن الدولة، لا سيما في إطار تنافسها على زعامة الأرثوذكسيين مع كنائس أخرى في اليونان وروسيا، استبق رئيس الدولة نجدت سيزار جواب البابا بتوجيه دعوة رسمية إليه لزيارة تركيا.

والبابا الكاثوليكي حريص على تقوية الموقع العالمي للمسيحية عبر توحيد كنائسها، ولكن لم يصل هذا السعي إلى درجة اعتراف متبادل مع الأرثوذكس يزيل الخلاف المستحكم منذ القرون الأولى لانتشار المسيحية في أوروبا، نتيجة اختلاف الفريقين الأكبرين من الكاثوليك والأرثوذكس -قبل ظهور البروتستانتية- على تفاصيل عقيدة التثليث.

هنا يمكن الرجوع إلى مغزى آيا صوفيا بموقعها التاريخي في هذا الإطار، ففي مطلع القرن الميلادي الثالث عشر استجابت الدول الأوروبية لدعوات الكنيسة الكاثوليكية الرومية، وعبأت جيوشها لِما عُرف بالحملة الصليبية الرابعة، فانطلقت باتجاه الأرض المباركة وما حولها من بلاد الشام، وعاثت في الطريق إليها فسادا، وكان من ذلك هجومها عام 1204م على الإمبراطورية البيزنطية، وتدمير عاصمتها القسطنطينية آنذاك، بما في ذلك الكنيسة الكبرى للروم الأرثوذكس، والتي حملت بعد قرنين ونصف -أي بعد أن سيطر الخليفة العثماني الشاب محمد الفاتح على المدينة عام 1453م- اسم "مسجد آيا صوفيا".

الفاتيكان بين "إستانبول" وبروكسل

يرى بعض المؤرخين الغربيين أن مما مهد للفتح الإسلامي إقدام جيوش الحملة الصليبية الرابعة على تدمير القسطنطينية التي أعطاها محمد الفاتح اسم "إسلامبول"، أي مدينة الإسلام، قبل تحريف اللفظة إلى ما هو معروف اليوم. ولكن العنصر السياسي في زيارة بنديكت السادس عشر لتركيا لم يكن عنصرا تاريخيا فقط. ورغم قوله قبيل الزيارة إنها "ليست سياسية بل روحية"، فقد تجاوزت الأبعاد السياسية حدود زيارته لضريح أتاتورك ومحادثاته مع رئيس الدولة سيزار، فضلا عن تجاوز الطابع "الديني الكنسي" لها، مثل العروج على ما بات يوصف منذ بضعة عقود فقط بضريح الصديقة مريم العذراء، وفق أقوال تجمع بين بعض دراسات علماء الآثار وأقوال كنسية.

كما لم تقتصر الزيارة على التشجيع المعنوي لزهاء 100 إلى 120 ألف مسيحي يعيشون في تركيا، منهم 20 إلى 30 ألفا من الكاثوليك. بل كان الحرص كبيرا على نجاح الزيارة بالمنظور السياسي العام، ومن أجل تأمين هذا النجاح كانت الاتصالات المكثفة بين الفاتيكان والحكومة التركية لتأمين الإطار الأفضل بعد أن كادت الزيارة تُخفق مسبقا دون تحقيق أغراضها.

إن استقبال بنديكت السادس عشر بالمظاهرات، وامتناع أردوغان عن مقابلته رغم الاعتذار الشكلي بكثافة المواعيد الرسمية، كان جديرا بأن يسيء إلى موقع أنقرة في المفاوضات المتعثرة حول الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ويعطي المعارضين فرصة إضافية لتأكيد استحالة هذا الانضمام على الخلفية الإسلامية لتركيا رغم الحكم العلماني فيها.

كما أن المسئولين في دولة الفاتيكان الذين أدركوا ما صنعته الإساءة البابوية حرصوا على حصيلة مرئية على طريق المحاولات المبذولة لرأب صدع الحوار مع العالم الإسلامي من جديد. وهذا ما دفع الطرفين إلى مقايضة ما، فبقي أردوغان في أنقرة إلى ما بعد استقبال الضيف القادم من الفاتيكان، مقابل موقف جديد منه بشأن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعطي تركيا إمكانية الرد على الساسة الأوروبيين المعترضين على انضمامها من منطلق مسيحي، وإن بقي هذا الموقف البابوي الجديد مقيدا بعناصر عديدة تضعف مفعوله، ومن ذلك:

1- حديث البابا إلى أردوغان أنه يقف موقف "الترحيب" بانضمام تركيا إلى الاتحاد، لم يكرره بنفسه في المؤتمر الصحفي المشترك، بل ترك لرئيس الوزراء التركي أن ينقله بعباراته هو إلى وسائل الإعلام.

2- أكد الناطق الرسمي باسم الفاتيكان، فيديريكو لومباردي، أن "هذه المسألة سياسية، ليس للبابا الكاثوليكي صلاحية ما في إطارها، والفاتيكان على الحياد".

3- وكان تارسيسيو بيرتوني، الرجل الثاني في الفاتيكان، قد بين حدود الموقف الجديد بقوله وفق ما ورد في وكالة آسنا الإيطالية للأنباء من أنه "يأمل في أن تحقق تركيا الشروط لانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي والاندماج في أوروبا".

4- وبين كبير الأساقفة الكاثوليك الألمان كارل ليمان أنه لا يرى ما يمنع أن تكون دولة مسلمة يوما ما عضوا في الاتحاد الأوروبي من حيث المبدأ، ولكن "ينبغي أن تضمن أنقرة للأقلية المسيحية فيها حقوقا مماثلة لما يسري على المسلمين في ألمانيا".

5- وليس مجهولا أن البابا الكاثوليكي، الألماني الأصل، سعى خلال زيارته لألمانيا للحصول على وعد من جانب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أن تعمل -كما صرحت بنفسها- لتثبيت "الطابع المسيحي الثقافي والتاريخي للاتحاد الأوروبي" أثناء الرئاسة الألمانية للاتحاد في النصف الأول من عام 2007، وهي الفترة التي سيتم خلالها تجديد مساعي التوصل إلى حل مشكلة التصديق على الدستور الأوروبي الموحد. ومن المعروف أن ميركل، والحزب المسيحي الديمقراطي الذي ترأسه، من أشد المعارضين الأوروبيين لعضوية تركيا في الاتحاد، بعد الحزب المسيحي الاجتماعي برئاسة إدموند شتويبر، ويشكل الحزبان معا "الاتحاد المسيحي" في ألمانيا.

كأن بابا الكنيسة الكاثوليكية في روما أراد أن يحصل عبر زيارة تركيا على "كل شيء" في وقت واحد، بدءا بالغزل مع العلمانيين وكيل كلمات الإطراء للإسلام والمسلمين، مرورا برفع الحواجز مع أرثوذكس تركيا دون إغضاب أرثوذكس روسيا، انتهاء بمجاملة أنقرة مع إرضاء بروكسل. ومن طبيعة الجمع بين التناقضات أن تجعل الحصيلة دون الحد "الممكن" في الأصل، في كل مجال على حدة.


** كاتب ومحلل سياسي.

 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع