بريدك الالكتروني


English

 

الأربعاء  15 رجب  1427 هـ - 9/8/2006م

أوروبا » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
  أهم الأخبار

 

أسبانيا- ثاباتيرو..عروبة لا تزال بكرا!

كرم سعيد**

الكوفية الفلسطينية تطوق عنق ثاباتبيرو

شهدت التوجهات الأسبانية نحو العالم العربي أبعادا إيجابية واضحة منذ وصول خوسيه لويس ثاباتيرو على رأس الحكومة، بعد تمكن حزب اليسار الاشتراكي من الفوز في الانتخابات التشريعية التي جرت في ربيع 2004.

وجاءت هذه التوجهات بعد الجمود الذي أصاب السياسة الخارجية الأسبانية في عهد أزنار بصفة عامة وتجاه العالم العربي بصفة خاصة باستثناء علاقاتها مع الولايات المتحدة.

وكانت أولى الإشارات الإيجابية التي أرسلتها أسبانيا للعالم العربي تحدث ثاباتيرو عن نظرية تحالف الحضارات أمام الجمعية العامة بالأمم المتحدة،‏ ناهيك عن أن أسبانيا هي صاحبة مرجعيات مدريد للسلام‏‏ وبرشلونه للتعاون الأورومتوسطي‏ في التسعينيات من القرن الماضي،‏ وتقليديا تعد من أكثر الدول‏ الأوروبية اهتماما بقضايا العرب والمسلمين‏.

الدور الذي لعبته وتلعبه أسبانيا على ساحة الشرق الأوسط، بشكل منفرد أو في إطار الاتحاد الأوروبي كان مميزا دائما. لكنها مع اندلاع الأزمة اللبنانية تجاوزت حدود الموقف الأوروبي المشترك لتتخذ موقفا شجاعا وثابتا، لائقا وأخلاقيا، لم يكن متوقعا بسرعته ومتانته.

والواقع أن الحكومة الاشتراكية تميزت بالتزامها لمبادئها السياسية؛ إذ انسحبت من العراق بعد نحو شهر من تسلمها السلطة رغم معرفتها بعواقب هذا الفعل على علاقاتها مع الإدارة الأمريكية. كما استمر وزير خارجيتها ميغيل أنخيل موراتينوس ينظر باهتمام باتجاه الشرق الأوسط، وهو يعتبر أن الحل العسكري غير ممكن في تلك المنطقة، ومقتنع بإمكان التوصل إلى حل سلمي.

والتعاطف الأسباني مع القضايا العربية لا يتجسد فقط في تصريحات المسئولين بل أيضا في السلوك التصويتي لأسبانيا داخل الأمم المتحدة، فقد أيدت مدريد عددا من القرارات المهمة المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وكانت أكثر قربا للمواقف العربية. وسبق لها أن أدانت بناء إسرائيل للجدار العازل في الأراضي الفلسطينية واعتبرته عملا غير شرعي. كما أعربت الحكومة الأسبانية برئاسة ثاباتيرو في أكثر من مناسبة عن رفضها لإقامة المستوطنات، وأكدت على انحيازها لحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم وعاصمتها القدس، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين وضرورة التطبيق غير المشروط لخارطة الطريق التي تستهدف إقامة دولة فلسطينية، وكانت إحدى الدول المؤيدة والداعمة لقرار مجلس الأمن 1515 الذي يقر خارطة الطريق ويجعل منها قرارا ملزما بدلا من كونها مجرد مبادرة من اللجنة الرباعية الدولية.

وفيما يتعلق بالموقف من العراق، فقد انقلبت السياسة الأسبانية رأسا على عقب ‏مع وصول ثاباتيرو الذي وقف منذ البداية في وجه النفوذ الأمريكي في بلاده‏،‏ ودعا ثاباتيرو لإنهاء احتلال العراق وحل القضية في إطار الشرعية الدولية ومن خلال الأمم المتحدة. وكانت مواجهته الأولى مع بوش عندما سحب القوات الأسبانية من العراق في أول قرار له بعد توليه مقعد السلطة،‏ واتهم في حينه الإدارة الأمريكية بـ"الغطرسة والغش‏"، وهو اتهام قلما صدر عن عاصمة أوروبية.

وعبّر ثاباتيرو عن رفض الحرب أسلوبا لمكافحة الإرهاب، وفي جرأة أذهلت الكثيرين أدار ظهره -عكس أزنار- إلى أمريكا واتجه يمد يده للعودة إلى الأسرة الأوروبية خاصة إيطاليا بعد فوز اليسار بالانتخابات العامة بقيادة رومانو برودي هذا العام، بجانب اليونان والبرتغال وغيرها من القوى الأوروبية الرافضة للهيمنة الأمريكية، وتحظى القضايا العربية باهتمامها‏.

صاحب الكوفية

وفي إطار العدوان الإسرائيلي الحالي على لبنان، كانت أسبانيا الدولة الأوروبية الوحيدة التي انتقدت بشدة سياسة إسرائيل ووصفتها رسميا بأنها "سياسة حربية عدوانية"، بل إن مدريد ذهبت في انتقادها للهجوم العسكري الإسرائيلي على لبنان لأبعد من ذلك عندما وصفته أنه يستخدم "القوة المفرطة".

وشهدت مدريد أيضا أقوى المظاهرات الأوروبية التي جرت احتجاجا على العدوان الإسرائيلي على لبنان وفلسطين. فقد احتشد الشهر الماضي آلاف الأشخاص في بويرتو دل سول بوسط العاصمة الأسبانية الذين كانوا يرفعون الأعلام اللبنانية ولافتات التضامن مع الشعب الفلسطيني وشعارات حمّل معظمها إسرائيل مسئولية التصعيد.

ولوح بعض المتظاهرين ومنهم سياسيون من اليسار ونقابيون، بالكوفيات الفلسطينية ورددوا "الإسرائيليون قتلة"، كما وصفت بعض الشعارات إسرائيل بأنها "دولة إرهابية"، بل وشبهت الحملة العسكرية الإسرائيلية بأنها عمل ذات طابع "نازي".

وعلى خلفية موقف الحكومة المندد بالهجوم الإسرائيلي، تعرض ثاباتيرو لانتقادات حادة من المعارضة اليمينية لم تثنه عن موقفه.

وأثار ثاباتيرو غضب أبرز أحزاب المعارضة، الحزب الشعبي اليميني، حين ارتدى كوفية فلسطينية قدمها له متظاهر من الشبيبة الاشتراكية في إحدى الفعاليات الحزبية.

وفي دولة مثل أسبانيا تتسم بوجود وعي سياسي عالٍ بين الخاصة والعامة، لا يمكن اعتبار ارتداء رئيس الوزراء ثاباتيرو الكوفية الفلسطينية مشهدا عاديا يمر مرور الكرام، وإنما هو تعبير عن سياسة جديدة تجاه الشرق الأوسط وقضاياه.

هذا التوجه عكسته أيضا الانتقادات القاسية التي وجهها رئيس وزراء أسبانيا لإسرائيل، بل يمكن القول بأنها كانت أقوى مما وجهه العرب أجمعين من انتقادات وشجب واستنكار على استحياء، بل إن تصريحات بعض القيادات العربية كانت إحدى ذرائع إسرائيل في ضربها للبنان، وأيضا يمكن القول أن الغضب والتظاهر الشعبي الذي عم شوارع المدن الأسبانية كان أقوى من نظيره في البلاد العربية التي لم تخرج من بعضها مظاهرة واحدة، وكانت المفارقة هنا مذهلة في أن تنظم المظاهرات الأسبانية ضد إسرائيل بدعم من الحزب الاشتراكي الحاكم، في الوقت الذي منعت فيه الأنظمة العربية تنظيم المظاهرات، وما خرج منها لم ينج من الصدام مع الجهات الأمنية التي تعامل بعضها بقسوة.

أيضا تحاول أسبانيا ومعها بعض القوى الأوروبية بذل جهود دبلوماسية كبيرة تجاه إنهاء الحرب على لبنان، وتنسق الدبلوماسية الأسبانية بشكل كبير مع إيطاليا داخل الاتحاد الأوروبي وتحظى بدعم البرتغال ومالطا والسويد وقبرص واليونان التي كانت من أولى الدول التي قدمت مساعدات للبنان.

كما طالبت أسبانيا بإنهاء العنف في الشرق الأوسط وبقرار واضح وسريع من مجلس الأمن الدولي بهذا الشأن، معتبرا أن العملية العسكرية في لبنان لم توفر "المزيد من الأمن" لإسرائيل.

وإزاء ردود الفعل الأسبانية غير المتوقعة على المستويين الرسمي والشعبي ثارت ثائرة إسرائيل، فسارعت بعض الأقلام الإسرائيلية لاتهامه بمعاداة السامية، فضلا عن انتقادات من الطائفة اليهودية بأسبانيا. واعتبرت إسرائيل رسميا أن العلاقات بين البلدين ليست في أفضل حال، ولم تنس التلويح بفزاعة الخطر الإسلامي فرأت أن التظاهرات التي سمحت بها الحكومة الأسبانية للتنديد بالعدوان الإسرائيلي كانت "مكافأة للإرهاب الإسلامي".

خلاصة القول.. أن الأجواء في أسبانيا تجاه العدوان الإسرائيلي على لبنان وفلسطين ربما تكون أكثر سخونة مما هو عليه في كثير من الدول العربية، وهذا أمر يدعو إلى الاستغراب والتفكير كثيرا؛ فتصريحات المسئولين وشعارات المتظاهرين الأسبان كانت هي الأخرى تدعو للاندهاش، وكأن الأسبان أصبحوا عربا أكثر من العرب أنفسهم.

وعلى خلفية هذا الموقف الإيجابي، من المهم التذكير بأن الحكومة الأسبانية الاشتراكية لديها رؤية إيجابية للغاية لإمكانيات التعاون مع الدول العربية، ولديها رغبة صادقة في تقديم مساعدة حقيقية وفعالة للدول العربية، ويمكن لهذا الدعم أن يتزايد في حالة وجود صيغة واقعية تستند على المصالح المشتركة، ويمكن لأسبانيا أن تمثل شريكا أساسيا في تحقيق بعض الأهداف العربية ذات الأهمية بالنسبة للدول العربية؛ فأسبانيا دولة جادة وواقعية في نفس الوقت.

ورغم هذا الموقف الأسباني المشرف، فإن الدول العربية لم تنجح حتى الآن في ربط أسبانيا بشبكة من المصالح تستطيع من خلالها التأثير على مسار وتوجهات السياسة الأسبانية وتفعيل دورها أكثر في المنطقة. فالاستثمارات العربية في أسبانيا لا تذكر مقارنة بنظيرتها في دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا اللتين تتخذان موقفا صلبا ضد القضايا والحقوق العربية، وتنحازان بشكل دائم لإسرائيل.

أيضا لم تعول الدول العربية كثيرا في استثمار الموقف الأسباني، وربما يكون الأمر الدال على ذلك أن المشهد الذي ارتدى فيه رئيس وزراء أسبانيا الكوفية الفلسطينية لم تهتم به كثيرا أي قناة إخبارية عربية رغم ما حملته هذه الإشارة من معان ودلالات مهمة في توجهات السياسة الخارجية الأسبانية ربما من شدة خجلهم، أما أننا لا ننقل سوى مؤتمرات كونداليزا رايس وأولمرت والحكام العرب.

يبقى القول أن على الدول العربية التجاوب مع الساسة الخارجية الأسبانية حيال القضايا العربية، من خلال تدعيم العلاقات الثنائية والجماعية، وأيضا فهم معطيات التعاون من خلال عملية إعادة تقدير جادة، يتم من خلالها استثمار الأصوات الأوروبية العاقلة، فهل تنجح الدول العربية في أن تجعل أسبانيا حليفا إستراتيجيا لها بعد أن ازدادت صورة إسرائيل سوءًا في أسبانيا؟ أم ستبقى مواقف أسبانيا-ثاباتيرو العروبية بكرا لا تجد من يستثمرها في العالم العربي؟.


** صحفي معني بالشؤون الأسبانية

 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع